ركام ووجع في صور: أبي وأخي خطفتهما حفرة حرب لا ذنب لهما فيها

نغم ربيعالأحد 2026/04/19
Image-1776606064
شنت الطائرات الإسرائيلية واحدة من أعنف الغارات التي شهدها جنوب لبنان (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

تنحني رانيا دبوك فوق الركام، ترفع حذاءً مغطى بالغبار، تقلبه بين يديها طويلاً، تتفحصه بصمت، ثم تقول: "لا، ليس لأبي".

تترك الحذاء جانباً، وتعود إلى النظر نحو كومة الإسمنت التي كانت قبل أيام فقط بيتاً. هناك، تحت هذا الركام تحديداً، ما زال والدها وشقيقها. منذ لحظة الغارة، وهي تبحث عنهما. تقول لـ"المدن": "أبي وأمي ما ذنبهم؟ لا ننتمي لأحزاب ولا نعرف أحداً. أخي عمره 30 سنة… قاعدين بالبيت، ما ذنبهم يموتوا هكذا؟". ثم تضيف بصوت خافت: "من وقت الضربة وأنا عم نبّش على أبي وأخي…، ماذا أقول؟ الغاليين راحوا".

 

Image-1776607713
(مصطفى جمال الدين)

حيّ كامل صار حفرة

قبل لحظات من سريان وقف إطلاق النار، شنت الطائرات الإسرائيلية واحدة من أعنف الغارات التي شهدها جنوب لبنان في الأيام الأخيرة، مستهدفةً مربّعاً سكنياً مكتظاً في مدينة صور بشكل مباشر. عند الساعة 11:57 ليلاً، اهتزّت الأرض.

قبلها بعشر دقائق تقريباً، يقول شاهد عيان لـ "المدن" إن السكان كانوا قد بدأوا يسمعون صوت الطائرات تحلّق على علو منخفض جداً فوق الحي. يقول "قبل ما يعملوها صاروا يمرقوا بعلو منخفض جداً. الصوت كان قوي ومرعب. وبعدها عند 11:57 رجّت الأرض… وبعدها سمعنا الصواريخ والغارات. ست مباني سُوِّيت بالأرض".

تحول الحي إلى مساحة من الركام المفتوح، بينما خلّفت الصواريخ المستخدمة حفراً عميقة ودماراً واسع النطاق في محيط الاستهداف. في المكان، يصعب اليوم تحديد أين كان مدخل هذا المبنى أو ذاك. اختفت الملامح. تداخلت الشقق فوق بعضها. وانكشفت طبقات الحياة الخاصة دفعة واحدة: غرف نوم، خزائن، ألعاب أطفال، مطابخ، وسلالم معلّقة في الهواء. الحصيلة الأولية تشير إلى سقوط أكثر من 17  شهيداً و45 جريحاً، فيما لا يزال نحو 5 أشخاص على الأقل تحت الركام حتى الآن. لهذا وصف سكان الحي ما جرى بكلمة واحدة: "مجزرة".

 

Image-1776607749
(مصطفى جمال الدين)

"صرلنا ثلاثة أيام ناطرين".

يقف رضا عباس حجازي أمام كومة من الركام لم يعد ممكناً تمييز ملامحها. هنا كان المبنى الذي يضم منزله ومنزل عائلته. هنا كانت الشرفات التي يعرف اتجاهها، والغرف التي يعرف ترتيبها، والسلالم التي كان يصعدها يومياً بلا انتباه. الآن، يقف أمام حفرة واسعة من الإسمنت المفتت والحديد الملتوي. نجا هو. لكن أخاه لم ينجُ. ولا أبناء عمّه. ولا زوجة عمّه التي ما تزال في حالة حرجة منذ لحظة انتشالها.

ومنذ ثلاثة أيام، يكاد لا يغادر المكان. يقف في النقطة نفسها تقريباً، يراقب الجرافات وهي ترفع الركام طبقةً بعد طبقة، ويتقدم كلما تقدمت، ثم يعود خطوات إلى الخلف كلما توقفت. يتحرك مع حركة الآليات كأنه جزء من عملية البحث نفسها، لا مجرد شاهد عليها. يقول لـ"المدن" إن " أخي مفقود، صرلنا ثلاثة أيام عم نشتغل وما لقيناه بعد… ناطرين".

لكن الانتظار هنا ليس انتظاراً ساكناً. رضا نفسه يشارك في رفع الحجارة. يقترب من الركام كلما سُمح له بذلك، يزيح قطع الإسمنت الصغيرة بيديه، يفتّش بين الفراغات الضيقة، ينحني كثيراً، يمد نظره داخل الشقوق التي تفتحها الجرافة، كأن احتمال العثور على أخيه ما زال قائماً في أي لحظة. ينظر إلى كل قطعة إسمنت تُرفع كأنها احتمال. إما أن تكشف حياة. أو تؤكد موتاً.

يبدو التعب واضحاً على وجهه. ثلاث ليال من السهر والانتظار والبحث تركت آثارها في صوته وحركته ونظراته. لكنه لا يغادر المكان. 

بين حين وآخر، يحدّق في الركام، كأنّه يحاول أن يتذكّر أين كانت غرفة أخيه تحديداً، وأين يمكن أن يكون الآن. ثم يعود إلى متابعة الجرافة.

 

Image-1776607780
(مصطفى جمال الدين)

أمّ على جهة… وأب تحت الركام

غير بعيد عنه، يقف توفيق دبوك، ينظر طويلاً إلى مساحة واسعة من الركام، كأنه يحاول أن يستعيد شكل البيت من الذاكرة بعدما اختفى من الأرض. يقف صامتاً معظم الوقت، يراقب من بعيد. يقول لـ"المدن" "وجدنا أمي بالجهة الثانية من المبنى شهيدة. أبي وأخي بعد تحت الركام… ننتظر".

لا يرفع صوته وهو يتحدث. يقول الجملة كأنه يكررها منذ ساعات. كأنها صارت عبارته الوحيدة منذ لحظة الغارة. منذ انتشال والدته من الجهة المقابلة للمبنى، ينتظر أن يظهر أي أثر لوالده أو شقيقه، أي إشارة صغيرة تُنهي هذا التعليق الثقيل بين الفقدان والرجاء.

الوجوه متشابهة في التعب والذهول. الأسماء مختلفة فقط. الجميع يراقب الحفرة نفسها، ينتظر الجرافة نفسها، ويتقدم معها خطوةً خطوة. هنا، لم يعد الانتظار حالة فردية. صار الانتظار جماعياً. عائلات تقف فوق الركام نفسه، تبحث عن أفرادها، وتتابع كل قطعة إسمنت تُرفع، كأنها قد تحمل اسماً تعرفه. وفي كل مرة تتوقف فيها الجرافة، يعود الصمت أثقل من قبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث