لم يكن الشعار الذي ردّده محتجون أمام مبنى محافظة دمشق، "بدنا ناكل.. بدنا نعيش"، مجرد هتاف عابر في لحظة غضب، بل بدا أشبه بصرخة تختصر وجعاً يومياً يعيشه ملايين السوريين. كلمات قليلة، لكنها حملت في طياتها ثقل سنوات من التدهور الاقتصادي، والعجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة. ومع انتهاء الوقفة الاحتجاجية، بدأت دعوات جديدة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي للخروج في مقبل الأيام تحت الشعار ذاته، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة السخط الشعبي. وتحول الضيق المعيشي إلى قضية تتجاوز الشكوى الفردية نحو غضب جماعي يتجه إلى الشارع.
في بلد أنهكته الحرب، واستنزفته سنوات الانهيار المالي والخدمي، لم تعد الأزمة تُقاس فقط بعدد البيوت المهدمة أو أعداد النازحين، بل أصبحت تُقاس بما هو أكثر قسوة: القدرة على شراء الخبز، دفع فاتورة الكهرباء، تأمين أجرة الطريق إلى العمل، شراء الدواء، أو مجرد الصمود حتى نهاية الشهر من دون ديون.
هنا، لم تعد المعاناة حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى تفاصيل يومية ترافق السوريين من الصباح حتى الليل.
واقع اقتصادي صعب
بينما تنشغل الحكومة الجديدة بتوقيع اتفاقيات استثمارية، وإطلاق وعود اقتصادية، وتعزيز علاقاتها الخارجية، يعيش السوريون في الداخل واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية قسوة منذ عقود، بل إن كثيرين يرونها أشد وطأة من سنوات الحرب نفسها، حين كانت المساعدات والتحويلات الخارجية تخفف جزءاً من العبء.
الأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة تكاد تكون يومية، في حين تبقى الرواتب والأجور عند مستويات متدنية فقدت قيمتها الفعلية أمام موجات الغلاء المتلاحقة. ومع كل زيادة جديدة، تتراجع القدرة الشرائية للأسر، ويتحول الاستهلاك من اختيار إلى حسابات قاسية تقوم على الاستغناء والتقشف. كثير من العائلات باتت تحذف من موائدها مواد أساسية، وتعيد ترتيب أولوياتها وفق سؤال واحد: ما الذي يمكن تأجيله هذا الشهر؟
أصوات من الداخل
أحمد، وهو موظف حكومي، يقول إن الراتب لم يعد مصدر أمان كما كان يفترض، بل أصبح تذكيراً شهرياً بحجم الفجوة بين الدخل والحاجة. ويضيف: "نقبض شهر وشهر لا، وحتى عندما نقبض، الراتب لا يكفي أسبوعاً. فقط خبز وبعض المواد الغذائية. الكهرباء والمياه والإنترنت والمواصلات ارتفعت فجأة... صرنا نعيش بالدين".
كلمات أحمد تختصر حال آلاف مواطنيه الذين باتت رواتبهم عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ما يدفع كثيرين للاستدانة أو البحث عن أعمال إضافية للبقاء.
أما أم سمير، وهي ربة منزل، فتصف كيف دخل الغلاء إلى مطبخ الأسرة السورية، وغير عاداتها الغذائية قسراً: "كل يوم الأسعار ترتفع، حتى الطبخة البسيطة صارت مكلفة. صرنا نختصر بالأكل لنكمل الشهر".
حديثها يكشف كيف تحولت إدارة المنزل إلى معركة يومية مع الأسعار، حيث لم يعد السؤال ماذا نطبخ، بل ماذا يمكننا أن نشتري أصلاً.
ويقول سامر، وهو عامل يومي، إن الأزمة لا تقف عند غلاء الأسعار، بل تبدأ من غياب فرص العمل نفسها: "إذا اشتغلنا يوم منأكل يوم، المشكلة أن الشغل قليل، والمواصلات غالية، يعني تعبنا يذهب هدراً.
بالنسبة لعمال المياومة، باتت المعادلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى يوم بلا عمل يعني يومًا بلا دخل، ويوم العمل نفسه قد لا يكفي لتغطية كلفة التنقل والطعام.
الكهرباء تتحول إلى رفاهية
لا تزال أزمة الكهرباء واحدة من أكثر الأزمات حضوراً وإرهاقاً في حياة السوريين، إذ لم تعد مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى عبء يومي يطال تفاصيل المعيشة والعمل والدراسة، ساعات التقنين الطويلة، والانقطاعات غير المنتظمة، دفعت كثيراً من الأسر إلى البحث عن بدائل مكلفة مثل الأمبيرات الخاصة أو البطاريات والطاقة البديلة، في وقت تعجز فيه دخول معظم العائلات عن تحمّل هذه النفقات الإضافية.
في كثير من المناطق، بات توفر الكهرباء حدثاً استثنائياً، فيما أصبح غيابها هو القاعدة، ومع كل انقطاع، تتعطل الأعمال المنزلية، وتتضرر المهن الصغيرة، وتزداد معاناة الطلاب والمرضى وكبار السن.
تيسير، من صحنايا، يصف هذا الواقع بقوله: "ندفع مبالغ كبيرة للأمبيرات، ومع ذلك لا يوجد تحسن حقيقي. وحتى عندما تأتي الكهرباء، تكون كلفتها مرتفعة جداً".
ويعكس حديثه شعوراً عاماً لدى كثير من السوريين بأنهم يدفعون أكثر مقابل خدمة أقل، في معادلة تستنزف دخلهم وتضيف عبئاً جديداً إلى قائمة الأعباء المتراكمة.
الغاز... طوابير تعود من جديد
أزمة الغاز عادت لتفرض نفسها بقوة على المشهد اليومي، بعدما ظن كثيرون أنها تراجعت نسبياً، صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز المنزلي، وفترات الانتظار الطويلة، وعودة الطوابير أمام مراكز التوزيع، كلها مشاهد تعيد إلى الأذهان سنوات الأزمات السابقة.
ولا تتوقف المعاناة عند الندرة فقط، بل تمتد إلى الأسعار المرتفعة في السوق غير الرسمية، حيث يجد كثير من المواطنين أنفسهم مضطرين للشراء بأسعار تفوق قدرتهم، لأن الغاز لم يعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل حاجة أساسية للطهي والتدفئة.
إحدى السيدات تقول: "رجعت الطوابير والمشاكل، ورجع البيع بالسوق السوداء. سعر الأسطوانة الرسمية ارتفع كثيراً، أما بالسعر الحر فقد يتجاوز قدرة أغلب العائلات".
وتعكس هذه الشهادة حالة من القلق المتزايد داخل البيوت السورية، حيث أصبح تأمين أسطوانة غاز تحدياً شهرياً جديداً يضاف إلى تحديات الغذاء والدواء والإيجار.
الإيجارات... نكبة تتكرر كل شهر
في وقت تتآكل فيه الرواتب بفعل التضخم، يواصل ملف الإيجارات الضغط بقسوة على الأسر السورية، خاصة في دمشق وريفها، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة معظم العاملين، ومع غياب رقابة فعلية على السوق العقارية، تحولت الإيجارات إلى كابوس شهري يهدد الاستقرار الاجتماعي ويستنزف القسم الأكبر من دخل الأسر.
الشباب المقبلون على الزواج، والعائلات النازحة، والموظفون محدودو الدخل، جميعهم يواجهون سوقاً مفتوحاً على الأسعار المرتفعة والشروط القاسية، في ظل ندرة البدائل السكنية المناسبة.
شاب يعمل في صيانة الإلكترونيات ويستأجر منزلاً في جديدة عرطوز يقول: "راتبي كله يذهب للإيجار، أضطر للعمل الإضافي في نقل الأثاث أو التحميل حتى أؤمن الطعام وبعض الحاجات".
ثم يضيف ساخراً بمرارة" "في سوريا يجب أن تعمل طوال اليوم لتأكل نصف سندويشة".
كلماته تختصر شعور شريحة واسعة من الشباب الذين لم يعد العمل بالنسبة لهم طريقًا لتحسين الحياة، بل مجرد محاولة مستمرة للبقاء وتجنب السقوط في العجز الكامل.
نصف الراتب على المواصلات
أدت الزيادات المتكررة في أسعار الوقود إلى ارتفاع كبير في أجور النقل، لتتحول المواصلات من خدمة يومية عادية إلى عبء مالي يثقل كاهل العاملين والطلاب على حد سواء، وبالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد المشكلة في تدني الرواتب فقط، بل في أن جزءاً كبيراً منها يُستهلك قبل الوصول إلى مكان العمل أو الجامعة.
رحلة الذهاب والإياب اليومية أصبحت حساباً مرهقاً، يدفع بعض الموظفين إلى تقليص تنقلاتهم، أو المشي لمسافات طويلة، أو التفكير جدياً بترك أعمالهم لأن كلفة الوصول باتت تلتهم مردود الوظيفة نفسها.
أحد الموظفين في شركة خاصة يوضح حجم المفارقة بقوله: "نصف راتبي يذهب للمواصلات، والنصف الثاني للخبز والدواء. أحياناً أفكر بالاستقالة لأن العمل لم يعد مجدياً".
ويكشف هذا الحديث أزمة أعمق، حيث لم يعد العمل ضماناً للاستقرار، بل بات في بعض الحالات عبئاً إضافياً يستهلك الدخل والجهد معاً.
الإنترنت... ضرورة بسعر مرتفع
حتى الإنترنت، الذي أصبح من أساسيات الحياة الحديثة، لم يسلم من الأزمة الاقتصادية، ففي وقت باتت فيه الشبكة ضرورة للعمل، والتعليم، والتواصل، والحصول على الخدمات، يشتكي السوريون من ارتفاع التكاليف مقابل خدمة ضعيفة ومتقطعة.
بالنسبة للطلاب والعاملين عن بُعد وأصحاب الأعمال الصغيرة، لم يعد الإنترنت رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل وسيلة أساسية للاستمرار. ومع ذلك، تبقى جودته محدودة وأسعاره مرتفعة قياسًا بمستويات الدخل.
طالبة جامعية تقول: "الإنترنت ضروري للدراسة، لكن الخدمة ضعيفة جداً وتكاليفها مرتفعة".
وتعكس هذه الشهادة واقع جيل كامل يجد نفسه مضطرًا لدفع مبالغ إضافية من أجل الوصول إلى التعليم، وسط بنية خدمية لا تواكب الاحتياجات المتزايدة.
الطبابة والتعليم... أحلام تتراجع
لا تتوقف الأزمة عند الغذاء والطاقة والمواصلات، بل تمتد إلى قطاعات كانت تمثل لعقود صمام أمان اجتماعياً، مثل التعليم والعلاج، فمع تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع التكاليف، يشعر كثير من السوريين أن ما كان حقاً مكتسباً أصبح اليوم امتيازاً لا يقدر عليه الجميع.
يتحدث مواطنون عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية، وارتفاع أسعار الأدوية والتحاليل، وتراجع الخدمات في عدد من المشافي الحكومية، ما يدفع المرضى إلى خيارات مكلفة أو مؤجلة قد تهدد حياتهم.
ويقول أحد المواطنين: "كان علاج السرطان مجانياً... اليوم لا تستطيع إدخال مريض إلى المستشفى قبل الدفع".... خصوصاً بعد قرار خصخصة المستشفى والجامعة.
أما في قطاع التعليم، فتزداد الأعباء على الأسر مع تكاليف النقل والقرطاسية والدروس الخاصة، ما يجعل استمرار الأبناء في الدراسة تحدياً مالياً حقيقياً. ومع تزايد هذه الضغوط، يشعر كثيرون أن التعليم المجاني والطبابة الحكومية يتحولان تدريجياً إلى ذكريات من زمن مضى.
من المعاناة إلى الدعوة للاحتجاج
مع تراكم الأزمات وتراجع القدرة على الاحتمال، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة للتعبير عن الغضب الشعبي، ومنصة لتبادل الشكاوى والدعوة إلى التحرك في الشارع.
ويرى مراقبون أن الدعوات المتزايدة للاحتجاج تعكس حالة احتقان اجتماعي آخذة في الاتساع، وفجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التعافي، وبين واقع معيشي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
ويحذر هؤلاء من أن استمرار الأزمة من دون إجراءات ملموسة وسريعة لتحسين حياة الناس قد يدفع نحو مزيد من التوتر، خصوصاً في ظل شعور شرائح واسعة بأن الأعباء تتفاقم بينما الحلول غائبة.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في احتجاج على ارتفاع الأسعار أو نقص الخدمات، بل هو صرخة مجتمع يعيش تحت ضغط يومي متواصل، ويصارع من أجل البقاء بحده الأدنى.
ولهذا لم يعد شعار "بدنا ناكل.. بدنا نعيش" مجرد هتاف في ساحة أو دعوة على وسائل التواصل، بل أصبح توصيفاً صادقاً لحياة ملايين السوريين الذين يبحثون، قبل أي شيء آخر، عن لقمة كريمة وحياة مستقرة وحد أدنى من الأمان.




