طغت على الشارع السوري أخيراً مخاوف تتعلق بالإعلان عن مراسلات رسمية بين وزارة الأوقاف السورية و"الديانة التركية". طالبت الوزارة من الجانب التركي سجلات الوقف العثماني في سوريا والتي تمتد على زهو 400 عام وهي فترة السيطرة العثمانية على سوريا قبل أفول نجم الإمبراطورية مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.
إعادة تعريف الملكية
رغم أنّ إشارات غير رسمية غمزت إلى أنّ تلك المراسلات تحمل طابعاً تنظيمياً وإدارياً، لكنّ الحقيقة كانت أبعد من ذلك. وقد سيقت فصولها على ألسن شيوخ وناطقين ومسؤولين في الأوقاف نفسها، ليتحول التطمين الأولي إلى فجوة صارخة تهدد شكل الملكية المستقرة والمقدسة دستوراً وتخضعها لأثر رجعي يمتد إلى قرون طوال خلت، ويطال معها في الحديث الأولي أكثر من 30 ألف شقة في أرقى أحياء دمشق وحلب، ومعهم أسواق تاريخية وأثرية.
في هذا السياق يقول الأستاذ الجامعي في علوم التاريخ مدين عبّود إنّ "الأمر خرج من إطاره التقليدي في البحث حول جذور الملكيات بغرض التأريخ لينحو باتجاه إعادة تعريف الملكية كمفهوم كامل رغم استقراره الدستوري كوثيقة لا شكّ فيها".
بدوره يرى الاقتصادي سلّوم اسكاف أنّ "المشكلة معقدة. فقد تناوب على بيع وشراء العقارات الوقفية آلاف السوريين. وقد اكتسبت صفة "الطابو" وهي أقوى وثيقة ملكية قانونية – مدنية على الإطلاق. ولكلّ عقارٍ تسلسل ملّاك يوضح أنّ الثمن دفع في كلّ مرّة، وإن كان ذنب تمليك الوقف للسكن فهذا ذنب سلطات متعاقبة وليس ذنب سكّان أصليين. والمعضلة الآن هي أنّ الوزارة تريد تحويل المالك إلى مستأجر، وفي هذا تعدٍّ خطير على حقوق الملكية المستقرة منذ أزمان بعيدة، وقد حصنها الدستور والقانون والعرف".
وأضاف: "الدولة أدخلت نفسها في مشكلة عميقة. فالوقف كان بساتيناً وأراضٍ ثم صار مزارع وبيوتاً فشققاً وأبراجاً. عملية الفرز الآن ستكون ليس فقط معقدة إنما شبه مستحيلة طالما أنّ الفترات الزمنية الطويلة السابقة كلّها لم تشمل إحصاءات وقفية حقيقية".
الوثيقة مقابل التاريخ
اعتمدت الأنظمة الحديثة في القانون على توزيع الملكية في عدّة اتجاهات، أقواها "الطابو" وهو السند الذي لا مجال للنزاع فيه، والأعلى حصانةً. ويستمد تلك الحصانة من المشرع القانوني نفسه الذي جعل العقد الرسمي هو الحجّة الأخيرة.
وفي هذا السياق يبيّن المحامي شحّود سليمان أنّ "العرف الدستوري يفضل الوثيقة الأصلية الأخيرة على الجذر التاريخي، ولا يأخذ بالأثر الرجعي الذي سقط حكماً بالتقادم في ظلّ ضياع المطالبات الرسمية لأكثر من مئة عام متواصل على الأقل، ولكن القرار المرجعي النهائي هنا ينبع من قوة السلطة نفسها على تفعيل ملكيتها عبر النزاع القضائي أو وضع اليد المباشر، القضاء سيقف أمام معضلة وضع اجتهادات جديدة".
استقرار الملكية
ينظر لموضوع السكن عامةً على أنّه أول الحقوق الأساسية للمواطن، ومن هنا يأتي مبدأ "استقرار الملكية" كأداة مواجهة قوية في أي نزاع مهما تعددت أطرافه، وهذا الاستقرار جزء من "العقد الاجتماعي" بين الدولة والفرد ويصبّ نهايةً في مصلحة صاحب الملك القانوني.
يقول الحقوقي ناصر اللحام لـ"المدن": "التقادم الزمني أسقط أيّ شكل مقبول للمطالبة بالوقف العثماني، وهذا التقادم وضع المالك بعدها تحت حماية دستورية مطلقة، ولكن محاولة زعزعة القانون واللجوء إلى بوابات بديلة تنطلق من الخصوصية التاريخية وسيادة الحق فيها للدولة يجعل الملف مفتوحاً على احتمالات مواجهة واسعة قد تتمكن من تحييد قوة السجل المدني نفسه".
المالك المستأجر
بالانتقال إلى الجانب التطبيقي فإنّ الدولة تبحث عن أوقافها الموروثة من العثمانيين على أساس النطاق الجغرافي لسايكس بيكو وهو ما سيدفع بخيارات واضحة إلى الواجهة، وهي تخيير صاحب الملك بين الإخلاء الفوري أو البقاء مقابل إيجار شهري يعادل القيمة الرائجة للمنطقة.
الدولة هنا تعيد تدوير إدارة واستملاك الوقف والاستثمار فيه تجارياً وهو ما يمكن أن يحقق عائدات كبيرة، لكنّ صلب المشكلة هنا يكمن في أنّ ما يراد استرجاعه قضى بالتقادم ولا يسمح القانون بإعادة استملاكه بأثر رجعي، ولا بتحويل مالكه لمستأجر.
مسألة التوقيت
"لماذا الآن تحديداً تمّ طرح هذا الملف وإغراق الشارع به؟"، هذا سؤال أجاب عليه الشيخ عبد المهيمن الميداني المطلع على الملف في الأوقاف بقوله لـ "المدن": "القصة ليست مسألة توقيت. المراسلات جارية منذ أشهر، لكن الآن بدأنا نحصل على نتائج. القضية لها أبعاد كثيرة منها ما يرتبط باستعادة حقّ الدولة الضائع بطرق فاسدة يعلمها السوريون جيّداً، وفتح الملف الآن لا يحمل أبعاداً سياسية، لكنّه ضمن أجندة العمل الرسمي للنهوض بالدولة السورية واستعادة مواردها الضائعة".
فعلياً يبدو كلام الشيخ موائماً لطبيعة المرحلة الانتقالية في مبدأها العام، وفي أنّ للدولة حقوقاً يجب استعادتها، لكنّ جذر المشكلة يكمن في أنّ هذا الاسترجاع سيؤدي إلى مظالم كبيرة لا يمكن تقييم حدودها حالياً، ولا من سيتضرر منها. فالغالبية العظمة من السوريين عاجزة عن تأمين قوت يومها، فكيف باستئجار منازل والإيجار في سوريا بات من الأغلى عالمياً؟
بدوره يقول الشيخ معاذ الطحن إنّ "الأوقاف مسألة رئيسة لا تقلّ أهمية عن سواها، والآن هناك فسحة للتأمل في معالجة الماضي الذي لم يقم على أساس سوي. لذا، يجب إعادة الحقوق لأصحابها، وفي ذلك منفعة مالية للبلد تنعكس على أبنائه عامةً بدل تخصيصها في فئات".
في الأثناء خرجت يوم الجمعة 17 نيسان/أبريل مظاهرة وسط دمشق ترفع الكثير من المطالب ومن ضمنها إيقاف العمل بما سيأتي بعد المراسلات الوقفية. وقد قوبلت هذه المظاهرة بأخرى مضادة وحصلت تعديات بالجملة، لفظية وجسدية، رغم محاولة الأمن العام الفصل بين الجانبين.
الرأي الرسمي
يكاد يكون الردّ الرسمي حول القضية مقتصراً على حديث لمعاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار والذي قال سابقاً إنّ "النظام المخلوع نفّذ أكبر عملية اغتصاب وتدمير للوقف خلال 60 عاماً. كما أنّه أتاح بيع العقارات الوقفية مقابل بدلات مادية، وكذلك سمح باستبدال أوقاف حيوية في مناطق عقارية راقية بأخرى غير ذات قيمة أو في مناطق جبلية ذات قيمة منخفضة".
وأضاف: "أساليب الشراء والبيع شملت طرقاً متنوعة منها الاستيلاء بالقوة على الأوقاف ومنح عقود استثمارية أو بيوعية لصالح مقربين، واستبدال أراضي مدن بأخرى ريفية، ونقل ملكيات أساسية لصالح جهات سلطوية أو مرتبطة بها ضمن عمليات فساد منظم".
ولعلّ أهم ما أشار إليه المعاون وهو ما يكون قد حرّك شيئاً جدّياً من المخاوف قوله: "سنخيّر الناس بين الإيجار أو الإخلاء، وأمامهم المحاكم، والذي لا يملك المال لماذا عليه أن يسكن في منطقة راقية أساساً؟، عليه أن يسكن حيث قدرته".
جملة ما يحصل اليوم يعيد إلى الذاكرة الجمعية السورية حقبة تأميم الملكيات في العهدين الناصري والبعثي. فشعارات التأميم الاشتراكية البراقة سرعان ما تبين أنّها تصحيح في اتجاه معاكس فتح معه باب تغوّل الدولة على الملكية الخاصة ثمّ الاقتصاد والصناعة والتجارة ضمن تحول تدريجي متسارع.
الآن لا تأميم مباشر، ولكن مدخل قانوني آخر نحو انتزاع الملكية، فما سيأتي محمولاً على ظهر تصحيح تاريخي سيصير تأميماً في لحظةٍ ما، ولكنه تأميمٌ نحو الرأسمالية التي ستداعب الاشتراكية السابقة، واستحضار تجربة التأميم هنا ليس من أجل المطابقة بل لتصور آلية التحول المحتمل وقوعها.




