على عكس المشهد الذي أعقب وقف إطلاق النار عام 2024، لم تُشبه الضاحية الجنوبية هذا الصباح صورة "العودة الكبرى". لم تكن هناك حركة نزوح عكسي كثيف، ولا اندفاعة جماعية نحو البيوت كما حدث سابقاً. لم ترتفع وتيرة العودة إلى مستوى إعلان نهاية الحرب، بل بقيت أقرب إلى زيارة مؤقتة، أو اختبار حذر على وقع إطلاق النار المؤقت، ومحاولة خجولة لقياس المسافة الفاصلة بين الحرب والحياة.
عودةٌ على "كفّ الحذر"
ظل الحذر مخيماً بشكل واسع في الضاحية وفوقها. لم يكن قرار التريث الذي طلبته قيادتي حركة أمل وحزب الله تفصيلاً عابراً. انعكس مباشرةً على سلوك الناس، وعلى شكل حضورهم في الشوارع والأحياء.
العودة، بالنسبة إلى كثيرين، ليست عودة حقيقية بعد. هي زيارة لتفقد ممتلكاتهم أكثر منها استقراراً في بيوتهم. رحلة سريعة إلى المنزل، إلى الخزائن، وتفحص الحاجات الأساسية، التي تركوها سابقاً على عجل. البعض جاء ليأخذ أوراقاً، وآخرون جاءوا "لتبديل الثياب الشتوية بالصيفية" ترقباً لنزوح قد يطول أمده. ثم عادوا إلى أماكن إقامتهم المؤقتة بانتظار اتضاح مصير الهدنة أو وقف إطلاق النار: هل يستمر؟ أم تبقى حياتهم معلقة ككل شيء على حبال الحرب المرتقبة؟ يقول أحد السكان لـ"المدن" "قيادتنا قالت لنا ألا نعود بعد. هذا يعني أن الحرب لم تنتهِ. إسرائيل غدّارة".
"الهدنة"، كما يراها كثيرون هنا، ليست نهائية بعد. هي مجرد فسحة زمنية قصيرة في الحرب. يتعامل معها الأهالي كاستراحة بين احتمالين: إما تثبيت الاستقرار، وإما عودة القصف. لذلك بدت الضاحية صباحاً كمدينة تُفتح أبوابها بخجل، لا كمدينة تستعيد حياتها دفعةً واحدة.
على الطرق المؤدية إلى الأحياء الداخلية، ظهرت مشاهد صغيرة تختصر معنى هذه العودة المؤقتة. سيارات محملة بالفرش الإسفنجية وأكياس الثياب. توقفت أمام الأبنية المتضررة، من دون حطّ الرحال. بل بقيت أبواب السيارات مفتوحة وفي حال انتظار. ينزل ركابها حاجيات محدودة تكفي لساعات، لا لإقامة دائمة. نساء يحملن أكياساً بلاستيكية فيها أوانٍ وملابس خفيفة.
في بعض الشوارع، رُفعت أعلام حزب الله، كعلامة حضورٍ رمزية أكثر منها إعلان عودة كاملة. وعلى زجاج السيارات والدراجات النارية، علقت صور، فيما حمل أحد سائقين دراجة نعل حذاء عسكري. مشاهد كهذه بدت أقرب إلى محاولة تثبيت معنى البقاء، ولو مؤقتاً، في مكان لم يخرج بعد من زمن الحرب.
في الأزقة الضيقة، وقف رجال يتفقدون خزانات المياه، وآخرون فتحوا أبواب محالهم لدقائق معدودة قبل أن يقفلوها مجدداً. بعض الشبان جلسوا أمام الأبنية على كراسٍ بلاستيكية، يتبادلون أخبار الليل السابق، ويسألون عن الأضرار، وعما "إذا كانت الأمور فعلاً انتهت أم لا".
ضاحية بلا مقومات حياة
الضاحية، حتى الآن، ليست مدينة صالحة للإقامة. لا مياه. لا كهرباء. غبار كثيف وركام يملأ الأزقة. أحياء كاملة لا تزال خارج الخدمة الفعلية. ومع ذلك، سبق أصحاب "الموتيرات" الجميع. عادوا سريعاً إلى الشوارع، يحملون أدواتهم، ويباشرون إصلاح ما يمكن إصلاحه. يقول أحدهم لـ"المدن": "أتيت لأصلّح الكهرباء. هناك أضرار كثيرة، لكن كل شيء يتصلّح ويتعوض. خلال خمسة أيام، إن شاء الله، كل شيء بيكون تصلّح".
الحنين أقوى من القرار
رغم غياب مقومات الحياة، بدا واضحاً أن الناس تريد أن تستعيد علاقتها اليومية بالمكان، ولو لساعات. على دوار المشرفية جلس رجال يدخنون النرجيلة. في بعض المقاهي جلس آخرون يتبادلون الأخبار. آخرون اكتفوا بالمشي في الشوارع، كأنهم يعيدون التعرف إلى ذاكرة شخصية أكثر منها جغرافية. يقول أحد الشبان الواصلين على دراجة نارية: "لا تتخيّلين جمال العودة إلى الضاحية. ما في متل الضاحية". هي ليست جملة عابرة. هي خلاصة علاقة كاملة مع المكان.
الحركة المرورية عادت جزئياً. "فان رقم 4" عاد إلى خطّه -الذي لم ينقطع أساسا-، لكن من دون ازدحامه المعتاد. يقول السائق لـ"المدن" "الحركة أحسن من قبل، لكن لا تزال خفيفة. الأمور تحتاج إلى بعض الوقت".
بعض الوافدين إلى الضاحية لم يكونوا من سكانها أصلاً. قدموا لتفقد منازل أقاربهم. أحدهم يقول: "جئنا نتفقد بيت خالتي هنا، وغداً سنتوجه إلى مدينة صور على مهل".
نهار في الضاحية… لا إقامة بعده
المشهد الأوضح هذا الصباح لم يكن عودة الناس إلى بيوتهم، بل عودتهم إلى الضاحية نفسها. يقضون النهار فيها، يتفقدون، يجلسون، يتحدثون، يدخنون، يرمّمون ما يمكن ترميمه… ثم يعودون مساءً إلى خيام النزوح أو المنازل المؤقتة.
إنها عودة غير مكتملة. عودة محاطة بالحذر والحيطة، وبحزن دفين أيضاً. في موازاة الحركة الشعبية المحدودة، حضر النائب حسن فضل الله في جولة تفقدية على الضاحية، في خطوة تحمل أكثر من دلالة: متابعة ميدانية، ورسالة تثبيت حضور، ومحاولة مواكبة عودة لم تتحول بعد إلى استقرار.
هكذا بدت الضاحية هذا الصباح: مدينةً مفتوحةً للزيارة أكثر منها جاهزةً للسكن، ، هي الآن مساحة انتظار. والناس فيها يعيشون هدنةً مؤقتة… على أمل العودة النهائية.




