عند الساعة العاشرة من مساء أمس، كانت العيون مسمّرة على شاشات الهواتف، ترقب الدقيقة صفر. وما إن أعلن دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حتى استفاقت شوارع النزوح على مشهد لا يشبه إلا الجنوبيين: قوافل سيارات محملة بالفراش، والأمتعة، وذكريات جمعت على عجل، متجهة جنوباً في زحف بشري لم ينتظر أي ترتيبات أمنية.
جسر الأولي: بوابة العودة العمياء
منذ الفجر، تحول جسر الأولي عند مدخل صيدا إلى ما يشبه عنق زجاجة واختنق بالسيارات، المتلاصقة ببعضها البعض، وعائلات تكدست وحشرت داخل مقصورات ضاقت بالركاب. هنا، تلتقي اللهفات. الحاج أبو علي، الذي أمضى أسابيع نزوحه في بيروت، كان يجلس خلف مقوده متجهاً إلى النبطية. لا يسأل أبو علي عن ضمانات، يقول لـ"المدن": "حتى لو كانت الهدنة لعشرة أيام فقط، فهي كفيلة بأن تجعلنا نخزن هواءً من الجنوب يكفينا لشهور. انتظرنا هذه اللحظة بفارغ الصبر، ولا شيء يمنعنا من شم تراب الديار".
على أرصفة صيدا، تراقب سكينة عطوي، النازحة من بلدة شبعا، المشهد بعين دامعة وأخرى قلقة. تتمنى العودة اليوم قبل غد، لكنها لا تخفي توجسها: مع عدو كإسرائيل، من الصعب أن تجد للأمان مكاناً ثابتاً، نحن نعود بقلوبنا، لكن عقولنا تعرف غدرهم جيداً.
أوتوستراد الزهراني: أناشيد وتصفيق وسط الزحام.
نزولاً نحو الزهراني وصور، يتغير إيقاع المشهد. الزحمة لم تكن مجرد عائق مروري، بل تحولت إلى تظاهرة اجتماعية. على جوانب الطرقات والمسالك الفرعية المؤدية للقرى، ارتفعت الأناشيد الحماسية، وعلت أصوات تصفيق الأطفال الذين أخرجوا رؤوسهم من نوافذ السيارات فرحاً بانتهاء كابوس مراكز الإيواء.
أنيسة سلطان، من بلدة الصوانة، لم تكن تبحث عن سقف سليم. كل ما تريده هو الوصول إلى أقرب نقطة تطل منها على بلدتها. تقول بغصة: أريد فقط أن أنظر إليها ولو من بعيد.. أدرك أنني أعود بدموع وحزن على ما فقد، لكن العودة بحد ذاتها انتصار للمكان. أما فرح عطية، ابنة جبشيت، فتعرف سلفاً أن منزلها تضرر بشكل كبير، لكنها تصر على المضي قدماً: البيوت تعوض، المهم أن نعود ونضع أقدامنا على الأرض التي هجرنا منها.
جسر القاسمية: العبور فوق الأنقاض
المحطة الأخيرة التي استطاعت "المدن" بلوغها كانت جسر القاسمية. هناك، توقف هدير السيارات ليحل محله أزيز الدراجات النارية وصوت الأقدام المتعبة. الجسر المدمر لم يمنع الناس من العبور؛ تسلقوا الركام، وعبروا فوق الدمار للوصول إلى بلدات جنوب الليطاني مشياً على الأقدام.
ينظر الحاج حيدر بحسرة إلى ما آل إليه حال أملاكه وأرزاقه في بلدة برج رحال، لكنه يقول بإصرار: بيوتنا تضررت، أرزاقنا احترقت، لكنني أريد العودة للنوم هناك، حتى لو افترشت الأرض وتلحفت السماء.. أرضنا هي الكرامة.
وفي مشهد يختصر سريالية الواقع اللبناني، كانت فاطمة تترجل عن دراجة نارية استقلتها مع زوجها من صيدا وصولاً إلى برج رحال. تحمل طفليها بيد، وما تيسر من أمتعة باليد الأخرى. تقول لـ"المدن" وهي تلهث: لم نجد سيارة تنقلنا، ولم نحتمل الانتظار.. المهم أن نصل إلى بيتنا.
رحلة العودة هذه، رغم افتقارها للضمانات النهائية، تبدو كفعل إيمان جنوبي متجدد: الأرض لا تترك للفراغ، حتى لو كان الثمن النوم فوق الركام.




