العودة إلى سحمر ومشغرة: لم يبقَ إلا كتب مدرسية.. وليرة!

لوسي بارسخيان الجمعة 2026/04/17
Image-1776432357
وقفت عائلة أمام ثلاثة مبانٍ من ثلاث طبقات كانت تعيش فيها وقد صارت ركاماً (لوسي بارسخيان)
حجم الخط
مشاركة عبر

فتحت هدنة العشرة أيام التي دخلها لبنان بدءاً من منتصف ليل الخميس – الجمعة نافذة ضيقة لأهالي القرى المهجرة في البقاع لالتقاط أنفاسهم. فاستعادت الطرق نحوها نبضها الذي فقدته منذ أشهر طويلة، وإنما ليس بالزخم الذي شهدته عند انتهاء الجولة الأولى الحرب السابقة ولا بالاتجاه نفسه. فبينما برزت في المرة السابقة حركة النزوح المعاكسة باتجاه بعلبك، فقد بقيت الأخيرة أقل تعرضًا للاعتداءات هذه المرة. وعليه لم تشهد الطرق المؤدية إلى محافظة بعلبك الهرمل زحمة مشابهة لتلك التي ترافقت مع انتهاء الجولة الأولى من الحرب.

 

بالمقابل بدت حركة العودة أنشط هذه المرة عبر طرق البقاع الغربي باتجاه الجنوب اللبناني. فشوهدت على طول هذه الطرق، السيارات تعبر مع الفراش محملة من مراكز الإيواء. واستقر عدد كبير منها في بلدة مشغرة، وعدد أقل في سحمر.  

Image-1776432518

زيارة ثقيلة

البلدتان البقاعيتان الواقعتان على تخوم محافظة الجنوب، كانتا عرضة لقصف استمر أربعين يومًا. وهذا ما جعل العودة اليهما أقرب إلى زيارة ثقيلة، وخصوصًا في بلدة سحمر.  

 

مع أن لبنان كان مبدئيًا قد دخل في مرحلة من وقف الأعمال الحربية قبل تجدد الحرب بموجتها الثانية، بقيت سحمر في دائرة الاستهداف طيلة هذه الفترة. إلا أن ذلك لم يمنع أهلها، الذين فقد جزء منهم بيوتهم في جولة الحرب الأولى، من التردد إليها، بل أعاد الكثيرون تأهيل بيوتهم ومؤسساتهم ونفضوا عنها ركام الاعتداءات السابقة، وهو ما سمح للبلدة وأهلها بالتقاط أنفاسهم لفترة قصيرة. 

 

لكن الحرب الحالية جاءت أشدّ قسوة، وأعمق أثرًا على البلدة. وعلى رغم تعرضها لقصف ممنهج طال بنيتها التحتية كما مؤسساتها ووحداتها السكانية، لم يعرف أهالي سحمر حجم الأضرار التي خلفتها الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة عليها. فبقيت هذه الأضرار إلى حدّ بعيد، خارج عدسات التوثيق. لذلك، عاد كثيرون من دون أن يعرفوا فعلًا إلى أي مكان سيعودون. ليخرجوا منها بصورة أوضح وأقسى.


الأضرار كبيرة وكثيرة

خلال تواجدنا في البلدة لمواكبة عودة السكان إلى سحمر، التقينا برئيس البلدية محمد الخشن متنقلًا بين الأحياء المدمّرة، ومحاولًا تقدير حجم الخسائر. ولكن الأرقام بقيت غائبة، حتى لو كانت المؤشرات قاسية. 

يقول رئيس البلدية إنه جرى إحصاء تضرر نحو 200 وحدة سكنية والقضاء على 90 وحدة أخرى في العدوان السابق. أما اليوم فالأضرار أكبر بكثير، من دون إحصاء نهائي حتى الآن، مع تركّز الاستهداف على الأحياء ذات الكثافة السكانية.

 

ولا يقتصر الضرر على السكن. إذ يشرح الخشن أن بلدته تضم نحو 450 محلًا تجاريًا، بالإضافة إلى معامل الحجر، والمخارط، المؤسسات الصغيرة، مقدرًا أن يكون نصفها على الأقل قد تضرر بشكل كبير. ما يعني أن مصادر الرزق تعطّلت، كما تعطّلت مقومات الحياة الأساسية.

Image-1776432436

قصف الجسور

الجسر الحيوي الذي يربط سحمر ومشغرة بالجنوب، دمّر كليًا، وهو جسرٌ كان يشكل شريان تواصل حيوي بالنسبة لأهالي البلدة ويربطهم عبر بلدة عين التينة بالجنوب اللبناني ولا سيما بجزين والنبطية. ويختصر المسافة إليهما بنحو 13 كلمترًا. 

واستهدفت إسرائيل إلى جانبه أيضا الجسر التاريخي الرديف، ومحت معه معالم المطحنة التراثية القديمة التي حرص الأهالي على ترميمها والحفاظ عليها لفترة طويلة.

 

في ظل هذا الواقع، بدت العودة الكاملة لأهالي سحمر إلى بلدتهم مؤجّلة. بل دعا الخشن أهالي البلدة للتريّث، مشددًا على أنه "من حق الأهالي أن يعودوا ويتفقدوا ممتلكاتهم، لكن شروط الحياة ليست مكتملة حاليًا". والبلدة تحتاج وفقًا لما شرحه إلى ورشة نهوض شاملة، من إصلاح لشبكات الكهرباء، إعادة تأهيل أقنية المياه والصرف الصحي، وفتح الطرقات، وتنظيف الأحياء. موجّهًا نداءً إلى الدولة، للتحرك بالسرعة اللازمة.

 

تدفقوا منذ الصباح

غير أن الأهالي كانوا قد سبقوا دعوة رئيس بلديتها، وبدأوا يتدفقون إلى سحمر منذ الصباح الباكر، فتسنى لبعضهم أن يتفقّد ما خلفته الاعتداءات من أضرار في بيته، فيما حضر بعضهم ليودّع ما لم يعد قائمًا.

في أحد الأحياء، وقفت عائلة أمام ركام ثلاثة مبانٍ من ثلاث طبقات كانت تؤويها. لم يعثروا إلا على بقايا شالات، وكتب مدرسية، وليرة لبنانية رفعتها إحدى الفتيات قائلة إنها "صمدت وسط الركام" لترد عليها والدتها بهدوءٍ مكسور " أنها في انهيار سبق إنهيار بيتهم". 

 

Image-1776432803

قريبًا منهما، كانت كبيرة العائلة تقف على أطلال منازل أولادها بعدما سبقتهم إلى وداع بيتها. المرأة السبعينية استعادت ذاكرة أربعة حروب ترافقت مع أربعة تجارب نزوحٍ قسري اختبرتها في حياتها، لتقول أنها بعد 54 سنة أمضتها في بيتها لم يعد لها حيط من بيت متواضع كان بالنسبة لها "على علاته" أجمل من أكبر القصور. 

Image-1776432489

تحمد سيدة أخرى الله لأن عائلتها نجت قائلة "البيت بيتعمّر، بس الإنسان ما بيتعوّض". معربة عن حزنها على أمهات لم يعد لهن ما يزورنه في الضيعة سوى قبور أولادهن.

 

على حائط مهدم في وسط تجمع سكاني وتجاري كتب أحدهم "فدا إجر المقاومة" بينما تشاهد النسوة بمرورهن مثقلات بحزن شبيه لذلك الذي لف النساء وهنّ يحتضن تراب جبانة البلدة، بحثًا عن رائحة من دفن تحتها.

 

رغم كل المآسي حاول أهالي البلدة التماسك أمام عدسات وسائل الإعلام. هذه العدسات التي تسنى لها التحرك بحرية أكبر في سحمر، خلافًا لبلدة مشغرة، حيث بدت المظاهر الحزبية أوضح، يمهد لها حاجز محبة رفع راية حزب الله وهنأ العائدين بسلامتهم. 

Image-1776432598

لم يُستجب طلبنا بمرافقة لأحد المعنيين في البلدية لتفقد الأضرار التي لحقت بالبلدة، وقيل لنا أن ذلك يحتاج إلى إذن مسبق. وعليه لم نكسب من زيارة البلدة سوى دردشات سريعة من بعض المواطنين الذين بدت عليهم علامات التوتر. معظم المؤسسات في البلدة أبقت أبوابها مغلقة، ومع أن أكثر من مئة عائلة بقيت في البلدة وفقًا لما أدلى به رئيس البلدية في اتصال هاتفي. وبدت مشغرة أنها لم تلتقط أنفاسها من عشرة غارات شهدتها في الفترة الماضية، وألحقت أضرارًا بعدد كبير من الوحدات السكنية وبمعالم تربوية ومدرسية فيها، مع اقتصار أضرار البنى التحتية على بعض خطوط الكهرباء التي جرى إصلاحها، بالإضافة إلى الضرر الذي لحق بالطريق الذي يربط مشغرة بمعمل مركبا لانتاج الكهرباء وقد اعيد ترميمها.   

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث