تزامناً مع سريان وقف إطلاق النار، منتصف ليل أمس، بدأ النازحون إلى منطقتي إقليم الخروب وصيدا بالعودة إلى قراهم. النازحون في مراكز الإيواء حزموا أمتعتهم منذ مساء أمس وغادوا، فيما تريث آخرون في انتظار حل أزمة ازدحام السير، لا سيما أن العدو دمر الجسور. وقد علق النازحون عند جسر القاسمية، إذ جرى ترميم أحد مسارب الجسر البحري القديم، الذي تسلكه سيارة واحدة ذهاباً.
الازدحام على الطرق
ونتيجة كثافة السيارات وانتظار أصحابها لساعات طويلة، داخل سياراتهم، في المنطقة الممتدة، من شمال صيدا، وحتى القاسمية، عملت فرق الجيش اللبناني وبلدية برج رحال ومتطوعون على تأهيل ممر آخر، في محلة القاسمية، بحسب ما أكده رئيس البلدية داوود عز الدين لـ"المدن"، وذلك بغية تسريع حركة السير، وانتقال العائدين إلى قرى صور بسلاسة أكبر، وعدم تكبدهم معاناة الانتظار. ولم يقتصر ترميم الجسور، على جسر القاسمية، شريان جنوب الليطاني، فقد تم تأهيل جسر طيرفلسيه، في منطقة صور، ويمكن للنازحين سلوكه، من الزرارية، في منطقة الزهراني، شمال الليطاني، ما يقلل من الازدحام الخانق.
بين العودة والتريث
منذ مساء أمس أدار ابن بلدة الشهابية، حسن قانصوه، محرك سيارته، بعدما كان وضب بداخلها أمتعته وغادر مركز النزوح في مدرسة الديماس في بلدة برجا. وبعد اطمئنان أقاربه وأصدقائه، إلى وصوله مع ساعات الصباح الأولى إلى البلدة تبعه باقي النازحين، من ابناء منطقة صور، الذين كانوا يشكلون الأغلبية في هذا المركز.
لم تقتصر مغادرة النازحين على هذا المركز، فقد سجل نزوح جماعي معاكس، من مراكز الإيواء، في مناطق صيدا وإقليم الخروب، باتجاه شمال وجنوب الليطاني، حيث بلغت زحمة السير ذروتها، عند جسر الأولي، شمال صيدا، وحتى جسر القاسمية.
رحلة العودة بالنسبة للأهالي، رغم ساعات الانتظار الطويلة داخل السيارات، كانت أقل وطأة من رحلة النزوح، قبل حوالي 45 يوماً، ذاق خلالها النازحون الإمرين. فابن بلدة العباسية، أحمد عز الدين وصل إلى منزله بعد ساعات طويلة من الانتظار، على أوتوستراد صيدا- صور. وأبدى عدم اكتراثه لهذه المشقة وأن كل شيء يرخص أمام رؤية بلدته الذي حرم منها 45 يوماً.
وعلى عكس النازحين في مراكز الإيواء، الذين كانوا يشكلون أقل من عشرين بالمئة من مجموع النازحين، فإن غالبية النازحين في الشقق والمنازل المستأجرة، وبيوت الضيافة، تريثوا في التوجه إلى بلداتهم على خلفية زحمة السير من جهة، وفقدان الكثير منهم منازلهم جراء الغارات الإسرائيلية المدمرة، من جهة ثانية، إلى جانب عدم ثقتهم المطلقة باتفاق وقف إطلاق النار.
في ثانوية الشهيد كمال جنبلاط في برجا الشوفية، حزم جميل عيسى، ابن بلدة طيرفلسيه، اغراض وامتعة عائلته، في سيارة الرابيد، التي حملته إلى برجا، مع الساعات الأولى للعدوان الإسرائيلي. وقال عيسى لـ"المدن": لم ننام طوال الليل، فقد كنا على أهبة الاستعداد للعودة إلى بلدتنا، التي ننتظرها ببالغ الشوق، وقد نزحنا عنها قسراً.
أما قاسم سلمان، الذي دمر منزله في الأيام الاخيرة، في أحد المجمعات السكنية في العباسية، ففضّل البقاء في مكان نزوحه، في الشقة المستأجرة في صيدا. وأكد سلمان أنه مضطر للبقاء في صيدا، حتى يتدبر أمره، لناحية تأمين منزل يأويه في منطقة صور.
وأضاف: "اعتقد أن وجود منزل بديل مستأجر في المنطقة، أصبح من الأمور الصعبة للغاية، خصوصاً مع تدمير مئات الأبنية والمنازل، على امتداد مدينة صور وجوارها، وصولاً إلى قرى بنت جبيل، ومنها تبنين، التي لم يشملها توغل العدو.
القرى الأمامية المحتلة
إلى قرية معركة وصل المواطن حسن سعد، بعد حوالي خمس ساعات، من الانتظار، بين صيدا والقاسمية، نتيجة زحمة السيرة الخانقة. وجد منزله واقفاً وشامخاً، مثل المقاومين، كما قال، مضيفاً أن عودته كانت بفضل تضحياتهم وصمودهم.
بعد صور جنوباً باتجاه الناقورة لم يسجل إلا عودة بعض الأفراد إلى بلدتي مجدل زون والمنصوري، الساحليتين. فهي قريبة من البياضة وشمع والناقورة وعلما الشعب، التي توغل فيها جيش الاحتلال، وما زال جاثماً هناك. وقد تريث الجميع بالعودة في انتظار إعادة فتح الجيش اللبناني الطرق. فهاتان القريتان، مثل قرى زبقين وكفرا وياطر، وصولاً إلى كونين وبيت ياحون، لا تزال تحت مرمى مدفعية الاحتلال، المتواجدة في تلال شمع والبياضة، المشرفتين على ساحل صور. وقد نصحت بلديات العديد من هذه القرى أبناءها بالتريث بالعودة، خوفاً من غدر العدو.




