نيسان 75: جيل اليأس ودُوارُ السعادة والآلام اللبنانية

محمد أبي سمراالخميس 2026/04/16
Image-1776271407
شوارع الاحتراب الأهلي ومتاريسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

حلّت الذكرى الـ 51 لبداية الحروب الأهلية أو اللعنة اللبنانية، فيما البلاد المنكوبة والمنقسمة غارقة في واحد من أقسى فصول الحرب الإقليمية والدولية. وهي حرب مستمرة منذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إبادة شنتها إسرائيل على غزة.

وهناك من يرجح أن ما بدأ بلبنان في 13 نيسان 1975 -بل بعد هزيمة إسرائيل جيوش 3 دول عربية والمشروع العروبي الناصري في حزيران 1967- أرهص بتحول الحروب الأهلية "نظامًا سياسيًا" في بلدان عربية كثيرة، كان لبنان أولها، من دون حسبان الأردن لأن حربه الأهلية انتهت سريعًا لتستوطن مديدًا وحتى الساعة في لبنان. 

وهناك من يرى أن الحروب الأهلية الإقليمية الملبننة شكلت صورة مسبقة لما آلت إليه سياسات القوى الدولية الكبرى والإقليمة الفاعلة في العالم: توطين سياسات الهوية والحروب الأهلية والحروب بالوكالة، وجعلها سياسة إقليمية ودولية.

أما كل ما قيل عن مزايا لبنان النموذج والمثال -"الصيغته الفريدة"، "الجسر بين الشرق والغرب والحضارات والشعوب والأديان"، "اللقاء والتعايش بين المذاهب والثقافات، اختلاطها وتمازها"، "رسالة السلام والمحبة"... وصولًا إلى "حسبي أني من جبل هو بين الله والأرض كلام" (سعيد عقل) بعد مديحه وتمجيده الشام/ دمشق- لم ينقلب إلى عكسه فحسب، بل بينت الوقائع أنه لم يكن سوى أضغاث أحلام أو كلمات، أو "كلام الليل الذي يمحوه النهار"، ليس بنوره وإنما بسواده العقيم.

ثم إن نظرة سريعة خاطفة إلى حال عالمنا اليوم، تبيّن أن الوعود الوردية التي صاغها العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن أكثر من "حلم ليلة صيف". وربما كان ما حصل ويحصل في لبنان حتى الساعة، نذيرًا بأول قتلى ذاك الصيف.

وفي هذه المناسبة من السواد المستمر، نحاول هنا استعادة صور ووقائع وشهادات لبدايات حروب لبنان في سنتيها الأوليين (1975 - 1976)، كما حصلت في شوارع وأحياء مناطق محددة. 

وبعد حلقة أولى عن الأشرفية ما قبل الحرب، وثانية عن مقتلة عين الرمانة وسوابقها، وثالثة عن تحول الحرب إلى مهنة في لبنان وفي شطر واسع من العالم، هنا حلقة رابعة عن حادثة الكحالة، وتدمير إسرائيل 13 طائرة في مطار بيروت... وجيل اليأس ودوار السعادة والآلام اللبنانية.

 

حادثة الكحالة

لم تكن مقتلة فلسطينيين بعين الرمانة في 13 نيسان 75، واتهام حزب "الكتائب اللبنانية" المسيحي بارتكابها، بلا سوابق استنسخت تلك المقتلة إحداها. ونفذت إسرائيل حادثتين كبريين -في مطار بيروت وشارع فردان، ردًا منها على عمليات نفذتها المقاومة الفلسطينية- وكان أثرهما كبيرًا في تعميق الشِّقاق السياسي بين أجنحة السلطة والحكم، وبين الجماعات الأهلية المحتقنة. 

لكن حادثة نيسان ذاك تفرّدت ببلوغها ذروة غير مسبوقة في مسلسل انتظمت حوادثه في سياق متواتر ومتصاعد، أقله منذ العام 1968، قبيل وبعد إبرام "اتفاق القاهرة" بين منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة الجيش اللبناني. 

الحادثة التي استنسختها لاحقًا مقتلة عين الرمانة وقعت في ربيع 1969 في بلدة الكحالة المسيحية، على مسافة 12 كلم من بيروت، وعلى الطريق الدولية الجبلية الصاعدة من العاصمة اللبنانية إلى دمشق. ويكثر في الكحالة محازبون كتائبيون، وكان يتكرر فيها مرورُ مواكب تشييع قتلى أو شهداء من "الفدائيين" الفلسطينيين (على الأرجح من منظمة "الصاعقة"، صنيعة النظام السوري)، متجهة من بيروت إلى دمشق، لدفنهم هناك (حيث يقيم أهلهم)، بعد مقتلهم في ردود الجيش الإسرائيلي على عمليات الفدائيين في جنوب لبنان. 

وغالبًا ما كان مسلحون في مواكب التشييع تلك يطلقون في الكحالة غضبهم  الاحتفالي بشهيدهم: زخاتَ رصاص عشوائي، تستفزُّ أهالي البلدة المسيحية وتُغضِبهم، فيحقدون على الفلسطينيين. ومرة قتل رصاصٌ عشوائيٌ فلسطينيٌ امرأةً من الكحالة، فتحيّن مسلحون منها مرور موكب تشييع فدائي فيها، وأطلقوا عليه رصاص غضبهم وحقدهم، فسقط من المشيِّعين الفلسطينيين قتلى وجرحى كثيرون. وفي ليلة نهار الحادثة، هاجم مسلحون من مخيم برج البراجنة الفلسطيني بلدة حارة حريك المسيحية المتاخمة للمخيم في ضاحية بيروت الجنوبية، فقتلوا 6 أشخاص وجرحوا 8 من أهلها. 

 

هويات وجماعات متباينة وموتورة

لا ريب في إن هذه الحادثة ومسلسل سابقاتها ولاحقاتها، كانت وليدة حدث أصلي كبير هزّ "الوجدان" العربي قبل عقدين: نكبة فلسطين ونشأة إسرائيل في العام 1948، وطردها شطرًا كبيرًا من أهلها إلى بلدان عربية مجاورة، واستعمارها استعمارًا استيطانيًا. ثم تلت ذلك نكبة أو فاجعة قد تكون أضخم من الأولى: هزيمة حزيران 1967 التي أنزلتها إسرائيل بثلاث دول عربية -اثنتين منها كبريين -واحتلالها مساحات واسعة من أرضها، وتهجيرها فلسطينيين من غزة والضفة الغربية. 

وأيقظ ذلك كله توترات داخلية في لبنان، تتصل بعاملين اثنين: نشأته وتركيبته السياسية الهشة، وهويتة المركبة بناءً على هويات جماعاته المتباينة. ونشأة المقاومة الفلسطينية فيه وفي الأردن لتحرير فلسطين، تحت شعار: "حرب التحرير الشعبية" الذي استلهم -ردًا على هزائم الأنظمة والجيوش العربية- تجربة ثورة "المليون شهيد" الجزائرية على الاستعمار الفرنسي (1954 -1962). 

ويمكن وصف المسار العام للحوادث التي تتصل بهذين العاملين وتفاعلهما على النحو التالي:

- بعد هزيمة حزيران 67 العربية، أدى تنامي قوة المنظمات المسلحة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، وتمدّد نفوذها وسلاحها في أحياء يسكنها مسلمون من عامة أهل الضعف، إلى إقبال مجموعات من شبان عاميين وآخرين متعلمين ومثقفين ثقافة إيديولوجية عروبية ويسارية، على نُصرة تلك المنظمات والانخراط فيها. وكانت عمليات المنظمات عينها من جنوب لبنان ضد إسرائيل، تؤدي إلى ردود عسكرية إسرائيلية مدمرة في الجنوب، فتهجر دوريًا أهالي قراه، وتبعث توترات سياسية، أهلية وطائفية، في البلاد.

- في مقابل ذلك كله ظهر في المجتمع المسيحي اللبناني خوفٌ من سلاح الفلسطينيين، أمني وسياسي، على الجماعة وهويتها، وعلى هوية لبنان الدولة وسيادتها. وتنامى ذلك الخوف بقوة في "الشارع المسيحي"، بزعامة حزب "الكتائب" وقيادته وتنظيمه، لا سيما في ضواحي بيروت المتاخمة للمخيمات الفلسطينية. 

ثم إن السلاح الفلسطيني أيقظَ ووتّرَ وطنية المسيحيين اللبنانية العميقة، تلك اللصيقة الولادة أصلًا بهويتهم الطائفية التي ينكفئون إليها في الأزمات والملمات، لتصير في جوارحهم ومخيلتهم السياسية مطابِقة تمامًا لهويتهم اللبنانية. والمنبع العميق المزمن لتلك المطابقة هو  شعور المسيحيين اللبنانيين، الموارنة تحديدًا، بأنهم أقلية في الشرق، وصاروا أكثرية في كيان سياسي "صُنِع لأجلهم" في العام 1920. والمطابقة تلك تسترخي في حال الاستقرار اللبناني، السياسي والاجتماعي والأمني، الداخلي والإقليمي. لكنها تفقد استرخاءها وتتوتر، كلما تعرّض الاستقرار في لبنان والإقليم للاهتزاز والاضطراب. وهذه حال الجماعات اللبنانية وهوياتها التي تتأثر بقوة بالتوترات الخارجية.  

 

لبنان أَحِبَّهُ أو غادره

وأيقظ سلاح الثورة الفلسطينية في لبنان لتحرير فلسطين، توتر هويات جماعاته على نحو متعاكس. وعبّر عن بلوغ التوتر أقصاه شعارٌ كتائبي على الأرجح: "لبنان أَحِبَّهُ أو غادره". أي على كل لبناني يحبه أن يتجنب -ضمنًا- نصرة الثورة الفلسطينية المسلحة على أرضه، فلا ينخرط فيها ولا يحمل سلاحها الذي ينذر لبنان بشرٍّ مستطير. أما من لا يلتزم بذلك فيجب أن يغادر لبنان ويتركه لمحبيه. والمصدر العميق والبعيد لذاك الشعار الغرامي بلبنان، هو بلوغ المطابقة بين الهوية الوطنية اللبنانية وهوية الموارنة الطائفية ذروتها، وبلوغ توتر هوية المسلمين العربية في لبنان ذروته أيضًا، بفعل نشاط الثورة الفلسطينية فيه.

ومن العلامات الكبرى لذاك التوتر آنذاك: موكب تشييع الشاب اللبناني خليل عز الدين الجمل، "أول شهيد لبناني" بيروتي مسلم، سقط في صفوف المقاومة الفلسطينية في الأردن. وبدأ الموكب من الحدود السورية وصولًا إلى بيروت، فاستغرق أكثر من 5 ساعات من النهار ما قبل الأخير من العام 1968. وقد مرّ موكبه الضخم بالكحالة وسواها من البلدات المسيحية، حيث قُرِعت له أجراس الكنائس، خوفًا وحبًا وكراهية معًا.

وذكرت صحف النهار التالي للتشييع أن عدد المشيعين بلغ عشرات الألوف، يتقدمهم زعماء سياسيون مسيحيون ومسلمون، بينهم رئيس الحكومة عبدالله اليافي الذي ألقى خطاب المناسبة في المسجد العمري الكبير بوسط بيروت التجاري. 

أما تبعات ذاك الحدث غير المسبوق في لبنان، فجسدها ما استمرت الصحف والمجلات اللبنانية تتناقله وترويه طوال أكثر من شهر بعد الموكب الكبير: مغادرة فتيان كثيرين من بيروت وسواها منازلهم بلا إعلام أهلهم، وعثور قوى الأمن اللبنانية عليهم ضائعين تائهين في جنوب لبنان وعلى الحدود اللبنانية السورية. وبيّنت التحقيقات أن صورة "الفدائي"، وما شاهده أولئك الفتيان على شاشات التلفزيون من صور لموكب تشييع أول شهيد لبناني على طريق تحرير فلسطين، قد صعقتهم وأذهلتهم، فغادروا حياتهم وبيوتهم وأهلهم ولبنان خفية، للالتحاق بالعمل الفدائي الفلسطيني. 

كأنهم في فعلتهم هذه استجابوا لما ينطوي عليه شعار الحب الغرامي المولّه بلبنان، الذي دعاهم تولُّههم بصورة الفدائي الفلسطيني إلى مغادرته. فالشعار ذاك موجّه أصلًا لأمثالهم الذين ينفرون من المطابقة بين الهوية اللبنانية وهوية المسيحيين الموارنة الطائفية. أي أهل وأبناء ما كان يسمى آنذاك "الشارع الإسلامي" أو المسلم، بناءً على هويته العربية، التي غذاها نشاط الثورة الفلسطينية، وضاعفت نفوره من المطابقة إياها. وإدى ذلك إلى تصاعد نصرة ذاك "الشارع" منظمات الثورة الفلسطينية وسلاحها وعملياتها ضد إسرائيل، وإلى انخراط مجموعات طلابية وشبابية في النضال الفلسطيني، منذ ذلك الحين. 

وشحن هذا كله خوف "الشارع المسيحي" من الثورة الفلسطينيية بقوة مضاعفة، حوّلت خوفهم إلى عداوة لسلاحها ولقضيتها، التي كان المسيحيون يقرّون بعدالتها وبأحقيتها، شرط ألا يتورط بلدهم في تلقي تبعات عمليات "الفدائيين" من أرضه ضد إسرائيل. وهكذا تأجج خوف الموارنة المستطير على "وطنهم" لبنان، وجعله خوفًا كينونيًا أو وجوديًا، ضد السلاح الفلسطيني 

 

من مطار بيروت إلى شارع فردان

لا، لم يكن المسيحيون اللبنانيون الموارنه غير معنيين بتحرير فلسطين. لكنهم كانوا معنيين أكثر بما ينجم عن قوة السلاح الفلسطيني وانتشاره في لبنان: تأييد المسلمين انطلاقَ عمليات الفدائيين الفلسطينيين العسكرية من الجنوب اللبناني. وردُّ إسرائيل العسكري المدمر على تلك العمليات: مثلًا، في العام 1968 دمرت عملية كوماندوس إسرائيلية 13 طائرة مدنيّة في مطار بيروت لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، ردًا على عملية فلسطينبة ضد طائرة مدنية إسرائيلية في مطار أثينا.

واحتج "الشارع الإسلامي" آنذاك على تقاعس الجيش اللبناني عن حماية مطار بيروت، وعن الرد على الاعتداء الإسرائيلي عليه، معتبرًا أن قيادة الجيش يقبض على زمامها رئيس الجمهورية الماروني أو "المارونية السياسية". أما رئيس الحكومة المسلم السني فخالي الوفاض من أي قرار أو تأثير على الجيش. لذا استقال رئيس الحكومة عبدالله اليافي من منصبه احتجاجًا وتحت ضغط ذاك "الشارع" وتظاهراته الهاتفة: "يا بيروت المنصانة احتلوكي سبعة ثماني". 

وتكرر هذا السيناريو على المنوال نفسه حين قامت إسرائيل في نيسان 1973 بعملية كوماندوس في بيروت -قادها إيهود باراك رئيس الحكومة الإسرائيلية لاحقًا، والذي وقّع في العام 2000 على انسحاب الجيش الإسرائيلي الذي كان يحتل شريطًا حدوديًا من جنوب لبنان منذ العام 1978- فاغتالت عملية باراك تلك ثلاثة من قادة منظمة "فتح" الفلسطينية كانوا نائمين في منازلهم بشارع فردان البيروتي الراقي. وانفجر الغضب في "الشارع الإسلامي" في تظاهرة غير مسبوقة (ربع مليون نسمة من المتظاهرين في بيروت)، فاستقال رئيس الحكومة صائب سلام احتجاجًا، وشكل الحدث منعطفًا كبيرًا في الحياة السياسية اللبنانية: أدى بعد شهر واحد إلى صدامات واسعة بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية في غرب بيروت، وإلى انحسار سلطات الدولة اللبنانية عن الكثير من أحيائها، تمهيدًا للحروب الأهلية. 

 

ديار خراب وموت

واحتلت إسرائيل شطرًا واسعًا من جنوب لبنان في العام 1978. ثم انسحبت منه سريعًا بعد 3 أشهر، بناء على قرار مجلس الأمن الدولي وضغوط أميركية عليها. لكنها استبقت ذاك الشريط من القرى الحدودية محتلًا. وفي العام 1982 وصلت باحتلالها إلى جبل لبنان والعاصمة بيروت، ما أدى إلى ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية منها. ثم راحت تنسحب تدريجيًا تحت ضغط مقاومة محلية، وتركت شريط القرى نفسه محتلًا. 

أما المناطق التي تحررت من احتلالها فتوطنت وتناسلت فيها حروب أهلية إقليمية -برعاية نظام الأسد السوري وإدارته- أشد ترويعًا ومقاتل وتدميرًا وتهجيرًا من سابقاتها بأشواط فلكية: أسالت من الدم أنهارًا بين الطوائف كلها وفي داخل كل طائفة. إنها "عشرية لبنان السوداء" التي انتهت في العام 1990. 

والتسمية هذه مستوحاة من حروب الجزائر الأهلية بين جيش التحرير الحاكم والإسلاميين فيها، بعد عقود من انتصار حرب التحرير الجزائرية أو ثورة المليون شهيد التي استوحت منها الثورة الفلسطينية شعارها لتحرير فلسطين. والشعار نفسه تبناه "حزب الله" في لبنان، بلبوس إسلامي خميني إيراني، وجهازي سري، من دون أن يكتفي بتحرير شريط القرى الحدودية اللبنانية كلها في العام 2000، بل راح يهتف: "زحفًا زحفًا نحو القدس" و"كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، لتحرير فلسطين كلها وتدمير إسرائيل. 

وهكذا افتعل الحزب الخميني حرب تموز 2006 ضد إسرائيل، وضد أغلبية لبنانية كبرى من فئات وجماعات وأحزاب، خبِرت مرارات الحروب وتكرارها العدمي، وأجمعت على نبذها والتعايش بسلام في ما بينها، هاتفة لـ"لسيادة والاستقلال" عن الولاءات الإقليمية، طوال نحو 4 سنوات تلت اغتيال "رجل الإعمار والخروج من الحروب"، رفيق الحريري، في العام 2005. 

ومنذ العام 2000، ياما ترجّى لبنانيون كثيرون "حزب الله" للعزوف عن الحرب، طالما أنه ساهم بتحرير قرى الجنوب المحتلة. والبعض دعا إلى الاختيار بين صورتين للبنان: هانوي خمينية، كربلائية وعاشورائية، أو هونغ كونغ لبنانية من وحي مشروع الحريري.

ومنذ ذلك الحين وحتى الساعة، تمكن "حزب الله" وإسرائيل ونظام الأسد وإيران الحرس الثوري من تحويل المشرق العربي ديار خراب وقتل... وموت ربما لا قيامة منه في المدى المنظور. 

 

السعد والهوية الجريحة

غرست نكبة فلسطين في العام 1948 البذور الأولى لنهاية السعد الذي بدأ مسيحيو لبنان، الموارنة تحديدًا، يعيشونه منذ أكثر من قرن من تاريخهم الحديث: عندما حصلوا على حكم ذاتي في جبل لبنان (نظام المتصرفية) بعد حروبهم الأهلية مع الدروز (1840- 1860). 

وكان السعد ذاك قد بدأ في مطالع القرن التاسع عشر عندما توسع نشاط البعثات الغربية للتبشير الديني والتعليم الغربي المحدث في جبل لبنان وبيروت. وشهد ذاك النشاط طفرته الكبرى بعد تلك الحروب، فساهم مع الكنيسة في تكوين هوية الجماعة المارونية الثقافية والسياسية، التي مهدت لولادة دولة لبنان الكبير في العام 1920.     

أما المسلمون اللبنانيون فكانت فلسطين الجرح الأحدث عهدًا والأشد وقعًا وإيلامًا في وجدانهم العربي وهويتهم العربية المعاصرة، التي ربما كانت الجروح نواة نشأتها في الأزمنة الحديثة: توسع الغرب الأوروبي الصناعي والاستعماري في الشرق، وحملة نابليون على مصر سنة 1798. هزائم الإمبراطورية العثمانية المتلاحقة. زوالها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918). وتقاسم بريطانيا وفرنسا المشرق العربي. وهزيمة حزيران 1967. واحتلال أميركا العراق وتدميره في العام 2003. وتغنّي إيران بسيطرتها على 4 عواصم عربية... وتدمير إسرائيل غزة وإبادة أهلها... وها هي تستمر بتدمر لبنان الذي أراده "حزب الله" هانوي الحرس الثوري الخميني.

 

جيل حرب السنتين اليائس 

ومن عايش حرب السنتين في لبنان (75- 76)، طالبًا ثانويًا وجامعيًا، وشهد سوابق حوادثها وتوتراتها في الحياة الطلابية، يرى اليوم في كهولته أن غنائية الشباب في الستينات والسبعينات، ونشاطَ كتلٍ من طلاب لبنانيين في أحزاب ورِثت عداوات وثارات أهلية تحوّرت منذ الثلاثينات وتلبّست أشكالًا عقائدية حزبية محدثة -شيوعية، سورية قومية، وكتائبة لبنانبة، ثم بعثية عروبية وناصرية- حملا تلك الكتل الطلابية على توسل العنف بلا سلاح في خلافاتها ونزاعاتها الحزبية في إطار الحركة الطلابية ومطالبها وتظاهراتها في نهايات الستينات والنصف الأول من السبعينات.

وهذا -إلى جانب شِّقاق أهلي زامنه ولابسه وغذّاه، ونجم عن العمل الفلسطيني المسلح في لبنان ومنه ضد إسرائيل- سهَّل انتقال تلك الكتل الحزبية الطلابية من تظاهراتها وعنفها الطلابي الجسماني غير المسلح، إلى شوارع الاحتراب الأهلي ومتاريسه في سنتي الحرب الأوليين. 

لكن ضعفَ صلة طلابٍ كثيرين من تلك الكتل وشبانِها اليساريين بالعصبيات الأهلية في مجتمع ما قبل الحرب، وتخالطَهم الطائفي في حياتهم الطلابية والشبابية، وتحصيلهم الدراسي الجامعي والثقافي الحيوي والفاعل في تكوّنهم الذهني والشعوري والانفعالي، وصدور انخراطهم في الحرب عن أهواء غنائية الشباب وفتنة أحلامها الوردية، أكثر بكثير من صدوره عن ضغائن وثارات طبقية وأهلية متأرثة، لكن هذا كله حمل معظم أولئك الشبان على يأس مبكر من الحرب التي كان انخراطهم فيها قلِقًا، متأرجحًا ومحتشِمًا وخجولًا وضعيفًا. 

وفي ما سُمي "الشارع الإسلامي" أو "الشارع الوطني" قد تصح تسمية هذه الفئة الشبابية اليسارية بجيل الحرب الأول، أو جيل حرب السنتين، الذي سارع إلى التخلي عن النشاط الحربي، والسياسي الحزبي عمومًا. وانصرف إما إلى حياة عادية مختنقة ومحاصرة في جزر على هوامش مجتمع الحرب المتجددة، وإما غادر إلى المهاجر الأوروبية. وهذا بعد تسليمه الراية الحربية إلى جيل يساري جديد، فتيٍّ ومن فئات ما دون الوسطى، عضوي الصلة بالمجتمع الأهلي الطائفي، وضعيف التعليم والثقافة، وأشد شراسة وبأسًا وفتكًا في أعمال الحرب التي سرعان ما استؤنفت أعنف وأشرس بكثير، بعد الهدنة التي تلت حرب السنتين.

أما في الوسط أو "الشارع المسيحي اليميني"، والذي وُصِم بـ"الانعزالي"، فكانت هناك "حركة الوعي" الشبابية الطلابية القوية الحضور في كليات الجامعة اللبنانية. وهي حركة أسسها في أواخر الستينات شبان وطلاب جامعيون مسيحيون في بيروت، لكنهم على صلة وثيقة بثقافة الأرياف المسيحية ونمط حياتها البلدي. وهم عصاميون في تكوينهم الاجتماعي والشخصي والنفسي. وينفرون من أهل السياسة التقليدية ومن الحزبية الكتائبية والشمعونية (نسبة إلى الزعيم الكاريزمي كميل شمعون) في المجتمع المسيحي. وأرادوا تكوين تيار سياسي طلابي لبناني وسطي يخرج على الاصطفاف اليساري واليميني والطائفي وصداماته في الحركة الطلابية. 

لكن هذه الحركة سرعان ما فاجأتها الحرب التي قوّضت الحياة والحركة الطلابيتين. لذا أوقفت "حركة الوعي" نشاطها وأعلنت حلّ نفسها، وانصرف شبانها إلى حياة مكتومة على هوامش مجتمع الحرب المسيحي الذي أرساه "حزب الكتائب"، ثم "القوات اللبنانية". وبعضهم هجر مجتمعه المسيحي إلى فرنسا غالبًا، أو أقام في غرب بيروت. 

وفي الحالات جميعًا أقام شبان "حركة الوعي" على حنين رومنطيقي أزلي للبنان أحلامهم المغدورة: لبنان الصوت الفيروزي الذي أوهم اللبنانيين أنهم ... ماذا يا ترى؟ 

لا أحد يعلم في نيسان الربيع اللبناني الأسود هذا الذي بلغ لبنان فيه أحلك أيام اليأس.

(يتبع)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث