في عام 2015 أنجزتُ تحقيقاً صحفياً تناول الأملاك التابعة لوزارة الأوقاف والمسجّلة بصفة "وقف"، وخلال العمل على الملف، حصلتُ يومها على معلومات موثقة تشير إلى أن أربعة عقارات تابعة للوزارة جرى تحويلها إلى ملاهٍ ليلية، ولا سيما في المنطقة المحاذية لـ فندق سميراميس قرب جسر الثورة في دمشق، والذي تبيّن لي لاحقاً أن العقار المقام عليه كان مصنفاً بدوره ضمن أملاك الوقف.
ذلك الخيط قادني إلى مسار أوسع بكثير البحث في خريطة الملكية العقارية للأوقاف، لأكتشف أن مساحات واسعة من العاصمة دمشق تقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن أملاك وقفية أو كانت كذلك تاريخياً.
نُشر التحقيق حينها، لكن الرد لم يكن عبر الشفافية أو فتح ملفات الفساد، بل عبر ملاحقتنا قضائياً من قبل الوزارة التي كانت غارقة آنذاك في شبكات النفوذ والفساد. وأُغلق الملف كما أُغلقت ملفات كثيرة في تلك المرحلة، ليبقى السؤال معلّقاً حتى اليوم كم من أملاك الوقف تحوّل إلى باب للنفوذ، وكم منها ما زال ينتظر من يكشف حقيقته؟
بعد الحرب
اليوم، وفي بلد خرج من حرب طاحنة أنهكت البشر والحجر، وتبدّلت فيه الخرائط السكانية والعمرانية، لا تبدو معركة المستقبل في سوريا محصورة بالسلاح أو السياسة أو إعادة الإعمار فحسب، بل تمتد إلى سؤال أشد عمقاً وخطورة من يملك الأرض؟ ومن يملك السوق، والبيت الدمشقي القديم، والبستان، والخان، والعقار القائم في قلب المدن التاريخية؟
هنا يعود ملف الوقف إلى الواجهة، لكن هذه المرة بثوب أكثر تعقيداً وحساسية، بعدما تحوّل من قضية إدارية هامشية إلى ملف يمسّ الثروة والهوية والعدالة الاجتماعية معاً.
أوساط قانونية وتاريخية واقتصادية تتحدث عن إمكانية الاستناد إلى السجلات العثمانية المحفوظة في تركيا لإعادة تثبيت ملكيات مفقودة، أو حسم نزاعات تتعلق بعقارات وأوقاف داخل سوريا، وما يبدو للوهلة الأولى شأناً أرشيفياً أو تقنياً، قد يتحول عملياً إلى واحد من أخطر الملفات التي ستواجه أي دولة سورية مقبلة.
وبعد سقوط النظام السابق، بدأت وزارة الأوقاف السورية تتحرك ــ وفق تصريحات رسمية ــ للحصول على نسخ من الأرشيف العثماني المتعلق بالأوقاف السورية، في خطوة أثارت مخاوف واسعة، لأن فتح تلك الدفاتر القديمة قد يطال ملكية آلاف العقارات في دمشق وحلب.
وثائق عمرها أكثر من قرن قد تتحول فجأة إلى أداة قانونية لإعادة تعريف الملكية الحديثة، وفرض وقائع جديدة على السكان الحاليين، لتبدأ معركة من نوع آخر: معركة الأرض والذاكرة والحق المكتسب.
صدمة في سوق الحميدية
يسود الشارع الدمشقي حالة من القلق المتصاعد بعد تداول معلومات عن إجراءات محتملة لإخلاء تدريجي لمحال تجارية في سوق الحميدية وغيره من الأسواق الأثرية، بذريعة أن أجزاء واسعة من هذه العقارات تعود تاريخياً إلى الوقف العثماني.
وإذا صحّت هذه الإجراءات، فإنها لا تعني مجرد نزاع عقاري عابر، بل تهدد أرزاق آلاف العائلات التي ارتبطت أعمالها بهذه الأسواق منذ عقود طويلة، كما تمسّ أحد أهم الرموز التجارية والتراثية في قلب العاصمة السورية.
فالمساس بسوق الحميدية لا يُقرأ كملف قانوني فحسب، بل كتغيير جذري في هوية دمشق الاقتصادية والتاريخية، وضرب لذاكرة المدينة التي تشكّلت حول أسواقها القديمة وحرفها التقليدية.
وبحسب تصريحات نُسبت إلى مسؤولين في وزارة الأوقاف، فإن عدداً من العقارات الوقفية جرى بيعها خلال عهد النظام السابق إلى أشخاص مقرّبين منه بأسعار زهيدة، ثم سُجّلت بأسماء المشترين في السجلات العقارية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960 و2018.
وهذا يضع المالك الحالي حسن النية أمام معادلة قاسية: إما التحول إلى مستأجر لدى الأوقاف، أو مواجهة الإخلاء الكامل، رغم أنه اشترى بموجب أوراق رسمية وسجلات نافذة.
وفي مدن مثل دمشق، لا تبقى القضية قانونية فقط، بل تتحول إلى ملف اقتصادي هائل، لأن كثيراً من العقارات المختلف عليها تقع في مناطق ذات قيمة استثنائية سياحياً وتجارياً وتراثياً.
بيت عربي واحد مرمم في موقع مميز قد يساوي ثروة، فكيف إذا كان الحديث يدور عن حارات كاملة، أو أسواق تاريخية، أو مجمعات تجارية مترامية في قلب المدينة.
وثيقة وقف واحدة قد تغيّر وضع محل تجاري مؤجر منذ خمسين عاماً، أو تنسف تسلسل ملكية توارثته عائلات جيلاً بعد جيل، ولهذا يصطدم أي حديث عن "استعادة الحقوق" بسؤال جوهري: أي حقوق نقصد؟ حقوق الماضي البعيد أم حقوق الواقع القائم؟
أما في حلب، فتبدو المسألة أكثر حساسية وتعقيداً، فالمدينة التاريخية قامت لقرون على شبكة واسعة من الأسواق والخانات والورش والعقارات الوقفية، ومع الدمار الكبير الذي أصابها خلال الحرب، يصبح سؤال الأصل القانوني للأبنية جزءاً من معركة إعادة الإعمار نفسها.
من يرمم؟ من يستثمر؟ من يملك؟ من يستحق التعويض؟ ومن يملك حق التأجير؟
كثير من هذه الأسئلة قد يقود، في نهاية المطاف، إلى دفاتر صفراء عمرها أكثر من مئة عام، لكنها قد ترسم مستقبل مدن بأكملها.
الكنائس والأديرة: الملف الصامت
أوقاف الكنائس والمؤسسات المسيحية أقل حضوراً في الإعلام، لكنها لا تقل حساسية أو أهمية عن غيرها، فهناك عقارات وأراضٍ تاريخية تعود إلى بطريركيات وأديرة ومؤسسات دينية عريقة في دمشق وحلب ومعلولا وصيدنايا وغيرها من المناطق التي تختزن إرثاً دينياً واجتماعياً عميقاً.
وأي عملية إعادة تدقيق جادة في هذه الأملاك قد تكشف تعديات قديمة، أو استثمارات غير محسومة، أو نزاعات قانونية مؤجلة منذ سنوات طويلة، غير أن هذا الملف يُدار غالباً بهدوء شديد، نظراً لحساسيته الاجتماعية والدينية والسياسية، وما قد يثيره من توترات في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.
في المقابل، تبدو فكرة إعادة الملكيات إلى ما كانت عليه قبل مئة أو مئتي عام أقرب إلى المستحيل، فالمدن تبدّلت، والسكان تغيّروا، والوظائف الاقتصادية تبدلت، وبعض العقارات اختفى تماماً، أو دُمّر، أو أُعيد بناؤه على نحو مختلف كلياً.
لكن الأخطر من ذلك أن السياسة يمكن التفاوض عليها، بينما الملكية تمس حياة الناس مباشرة، منزلاً، متجراً، أرضاً، إرثاً عائلياً، مورد رزق، مكانة اجتماعية، وذاكرة عائلية متوارثة، ولهذا كثيراً ما تكون نزاعات الملكية أطول عمراً وأشد تعقيداً من النزاعات السياسية نفسها.
هل تستطيع تركيا استخدام الأرشيف كورقة نفوذ؟
السؤال الأكثر حساسية اليوم يتمثل في موقع تركيا من هذا الملف، نظرياً نعم، يمكن لأنقرة أن تستفيد من الأرشيف العثماني كورقة تأثير سياسي، لكن ليس بالمعنى المباشر المتداول شعبياً.
تركيا لا تملك العقارات السورية، لكنها تحتفظ بجزء مهم من السجل التاريخي المتعلق بها، وهو ما يمنحها قيمة معرفية وقانونية وسياسية، فأي تعاون رسمي مستقبلي لاستخراج الوثائق أو التحقق منها قد يضع أنقرة في موقع مؤثر داخل واحد من أعقد الملفات السورية المقبلة.
ومع ذلك، يجب التذكير بأن الوثيقة العثمانية ليست حكماً قضائياً نهائياً، بل مجرد حلقة ضمن سلسلة قانونية طويلة، تلتها مراحل الانتداب الفرنسي، ثم الدولة السورية الحديثة، وما رافق ذلك من قوانين تسجيل وفرز وتعديل ونقل ملكية لاحقة.
بمعنى آخر: الوثيقة قد تفتح الباب، لكنها لا تحسم القضية.
ما يجري اليوم ليس مجرد مراجعة لسجلات قديمة، بل صراع مفتوح على الثروة، والمدينة، والذاكرة، وموازين النفوذ في سوريا الجديدة.
فإذا فُتح ملف الأوقاف من دون إطار قضائي مستقل، ومن دون ضمانات عادلة للمالكين الحاليين، ومن دون مسار واضح للعدالة الانتقالية، فإن سوريا قد تدخل مرحلة جديدة من الفوضى العقارية، يكون ضحيتها الناس العاديون لا شبكات الفساد التي راكمت المكاسب عبر العقود.
والسؤال الأخطر ليس: من كان يملك الأمس؟ بل: من سيملك الغد؟




