ليست عسكرية حصراً.. بل حرب مراكز بيانات وذكاء اصطناعي

سامي خليفةالأربعاء 2026/04/15
Image-1776180240
ستصبح مراكز البيانات التجارية أهدافاً دائمة في الصراعات المستقبلية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعتبر تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل والتكنولوجيا التجارية العنصر الأساسي في الحرب الأخيرة على إيران، التي ضربت فيها القيادة المركزية الأميركية عشرات آلاف الأهداف. وبالتزامن مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورةٍ موسعة لدواعٍ عسكرية، شهدت الحرب استهدافاً متبادلاً لمراكز البيانات التجارية والعلمية والتكنولوجية. فما أهمية مراكز البيانات في الاستخدامات العسكرية؟ 

 

مراكز البيانات التجارية

مراكز البيانات التجارية هي المكان الذي تقام فيه الحوسبة السحابية. فمثلاً عندما تشّغل منصة "نتفليكس" لمشاهدة برامجك المفضلة، فمن المرجّح أنك تبثّ المحتوى من مركز بيانات، ربما يكون "أمازون ويب سيرفيسز". وعندما تتعطل مراكز بيانات "أمازون ويب سيرفيسز"، تؤثر الانقطاعات على جميع أنواع الترفيه والأخبار والوظائف الحكومية.

 

ومع اعتبار الذكاء الاصطناعي محركاً للنمو الاقتصادي، تُعدّ مراكز البيانات ركيزة أساسية للبنية التحتية، فهي تضمن استمرار عمل الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن جزء كبير من شبكة الإنترنت التي تعتمد عليها الحكومات والقطاعات الصناعية. وعندما هاجمت إيران مراكز البيانات في الإمارات العربية المتحدة الشهر الماضي، تسبب ذلك في اضطراب واسع النطاق للنظام المصرفي المحلي.

 

وتمكّن مراكز البيانات التجارية معظم التقنيات التي تشغّل العالم الحديث، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويُعدّ تعطيلها عاملاً رئيساً في تعطيل الجيش والمجتمع في أيَّة دولة. ونظراً لأن "أمازون ويب سيرفيسز" توفر وتشغّل العديد من مراكز البيانات التجارية التي تستضيف الحوسبة السحابية، فمن المرجح أن تظل مراكز بياناتها هدفاً للصراعات.

 

مراكز البيانات والحوسبة السحابية

إلى ذلك يدمج الجيش الأميركي بشكلٍ متزايد قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في أنظمة دعم اتخاذ القرارات لديه. ومن عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى دعم الضربات العسكرية ضد إيران، تستخدم الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً برنامج "كلود" من شركة "أنثروبيك"، لتحليل المعلومات الاستخباراتية والدعم العملياتي.

 

لكن أدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الجيش الأميركي غالباً لا تكون موجودة على متن طائرة أو سفينة، فعندما يستخدم أحد أفراد الخدمة برنامج "كلود"، تنتقل البنية التحتية الحاسوبية التي تشغّل النموذج وتحليلاته عادةً إلى سحابة "أمازون ويب سيرفيسز" الآمنة، والتي تستضيف بيانات حكومية سرية وأدوات برمجية.

 

أهمية متزايدة تجعلها أهدافاً دائمة

على الرغم من تزايد أهمية مراكز البيانات للأمن القومي والاقتصاد والمجتمع ككل، إلا أنه قد يميل البعض إلى اعتبار الضربات الأخيرة عليها تحولاً جذرياً في طبيعة الحرب.

 

وتعتبر مراكز البيانات التجارية بشكلٍ عام ضعيفة نسبياً، فهي ضخمة وهشة وتفتقر إلى أنظمة دفاع جوي متخصصة، لذا يبدو من المرجح أنه مع استمرار تزايد أهمية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الموارد السحابية في دول العالم، ستصبح مراكز البيانات التجارية أهدافاً دائمة في الصراعات المستقبلية.

 

أنظمة الذكاء الاصطناعي

في الأثناء، يصف كثرٌ الحرب الأميركية على إيران بأنها حرب الذكاء الاصطناعي الأبرز، إذ يعتبر نظام "مافن" الذكي من شركة "بالانتير" الأميركية حجر الزاوية في العمليات العسكرية، ويدمج صور الأقمار الصناعية، ومقاطع الفيديو الملتقطة بواسطة الطائرات المسيّرة، وبيانات الرادار، ومعلومات الاستخبارات الإلكترونية في واجهة واحدة، ما يسمح للمشغلين بتصنيف الأهداف، والتوصية بالأسلحة، وإنشاء حزم الضربات في وقتٍ شبه فوري. وقد كانت نتائجه مذهلة، لا سيما أنه جرى استهداف أكثر من 1000 هدف في أول 24 ساعة من الحملة، وهو معدل كان من المستحيل تصوره باستخدام عمليات الاستهداف البشرية وحسب. وتحقق هذا المعدل باستخدام 10 في المئة من المحللين البشريين الذين كان سيُطلب منهم سابقاً استهداف 1000 هدف يومياً.

 

ومع ذلك، فإن قيود النظام تكشف عن جوانب مهمة، إذ تبلغ دقة "مافن" الإجمالية حوالي 60 في المئة، مقارنةً بـِ 84 في المئة للمحللين البشريين. وقد وصف كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة "بالانتير" الحرب الحالية بأنها "أول عملية قتالية واسعة النطاق مدفوعة بالذكاء الاصطناعي"، وهو وصف يثير تساؤلات حول أخلاقيات الاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعي ومدى كفاية ضمانات حماية المدنيين.  

 

التكامل متعدد المجالات

فوق هذا وذاك أظهرت كل من عملية "العزم المطلق" في كانون الثاني المنصرم للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والحرب مع إيران، أن الحرب الحديثة تتطلب تكاملاً سلساً عبر جميع المجالات أي الفضاء والفضاء الإلكتروني، فضلاً عن المجالات التقليدية وهي البر والبحر والجو. وقدّمت القوات الفضائية الأميركية بيانات إنذار صاروخي آنية عبر أجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء المدارية، ما مكّنها من رصد إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية في غضون أجزاء من الثانية. فيما وفرت شبكتا "ستارلينك" و"ستارشيلد" التابعتان لشركة "سبايس إكس" اتصالات في مدار أرضي مرنة ومنخفضة وغير قابلة للتشويش، ما مكّن من التحكم في الطائرات المسيّرة.

 

وفي الحرب الحالية أصبحت شبكات الأقمار الصناعية التجارية بنية تحتية عسكرية بالغة الأهمية، ما أدى إلى طمس الحدود بين القطاعين المدني والعسكري، وتأسيس ما وصفه بعض المحللين بأول "حرب فضائية تجارية" شاملة.

 

وفي الفضاء الإلكتروني، عطّلت القيادة السيبرانية الأميركية والجيش الإسرائيلي الاتصالات العسكرية الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب، ما أدى إلى تعطيل شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستشعار الإيرانية لتسهيل الحملة الجوية الأولية. وقد نفذت إسرائيل، على وجه الخصوص، عمليات إعلامية واسعة النطاق، شملت اختراق تطبيقات إيرانية شائعة والسيطرة بشكلٍ متقطع على قنوات البث الحكومية لنشر رسائل مناهضة للنظام وتضخيم وقع الضربات التي استهدفت القيادة. وبفضل الهجمات والأساليب المتنوعة، لم تعد العمليات الإلكترونية ساحة موازية، بل أصبحت قوة مضاعفة متكاملة مباشرة مع العمليات العسكرية.

 

صعود القوة الضاربة الدقيقة

من ناحيةٍ ثانية يؤكد الصراع الإيراني صحة العديد من المفاهيم الأساسية الأخرى التي ستشكل مستقبل الحروب، ولا سيما القوة الضاربة الدقيقة، أي فكرة أن أنظمة الأسلحة ذات الحجم الكبير والتكلفة المنخفضة ستصبح عنصراً أساساً في الحروب الحديثة. وقد أثبت كلا الجانبين هذا المبدأ، إذ نشرت إيران طائراتها المسيّرة من طراز "شاهد"، إلى جانب سفن سطحية غير مأهولة، ضدّ الملاحة التجارية في خليج عمان. وردّت الولايات المتحدة بنظام "لوكاس"، وهو طائرة مسيّرة مهندسة عكسياً من طراز "شاهد-136" الإيرانية، وتُنتج بتكلفة تقارب 35 ألف دولار للوحدة.

 

ويمضي البنتاغون حالياً قدماً في برنامجه "السيطرة على الطائرات المسيّرة" لنشر 300 ألف طائرة هجومية صغيرة الحجم ومنخفضة التكلفة أحادية الاتجاه، بتكلفة لا تتجاوز 2000 دولار للوحدة، وتوسيع القاعدة الصناعية الأميركية للطائرات المسيّرة، وتغيير آلية شراء واختبار الأنظمة غير المأهولة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث