تعود ذكرياتي الأولى عن بنت جبيل إلى منتصف الثمانينيات، صورٌ متقطّعة أحتار في تصنيفها: أهي جميلة أم حزينة؟ أبي وعمي يهدمان بيت جدي الحجري العتيق. أمي، المنفصلة حديثاً عن أبي، تصحبنا أنا وأخواتي في سيارة "فيات" سوداء لزيارة بيت جدي في عيتا الشعب. نمرّ بأجمل قرية في الدنيا على صوت راغب علامة يصدح: "ماشي لا أنا ليّا ولا عليّا، صبحيّة حد". تشير أمي قائلة: هذه عين إبل.
نعود من عيتا بعد أيام لنقيم مع جدتي زهازين في منزل أحد الأصدقاء، على مقربة من مركز الـ17 الشاهق والمخيف. في تلك الأثناء، كان أبي وزوجته الجديدة يقطنان خيمة، بانتظار تشييد بيت جديد بدلاً من ذاك الذي هدمته إسرائيل في اجتياح عام 1978.
تمضي الشهور، وكان أبي رائف قد أنجز بيده بناء مطبخ وحمام شبه مكتملين، ليكونا مسكناً بديلاً عن "الشادر" الأزرق، على أمل أن يكون مقاماً مؤقتاً ريثما يُتمّ بناء الغرف الأخرى. لكن "كبير العملاء" حضر ليبدّد هذا الأمل قائلاً لوالدي: "وجودك غير مسموح به في بنت جبيل، عليك الرحيل خلال ثلاثة أيام". خرج أبي وزوجته نحو جريدة "النداء" في بيروت، وتركنا مع جدتي نتدبّر عيشنا في ذلك المطبخ.
تزامن ذلك مع دخول الحزب الشيوعي إلى بلدة الرميلة الساحلية، احتلالاً أم تحريراً سمّه ما شئت. فانتقل رائف للعيش هناك، ولحقنا به أنا وإخوتي بعد عام تقريباً. لا أدري إن كانت نوبات الربو التي دهمتني في طقس الساحل هي السبب، أم رغبته في إبعادي عن قسوة زوجته، لكنه قرر بعد أيام أن أعود وحدي مع جدتي إلى بنت جبيل، فيما بقيت أخواتي في الرميلة.
عشت في بنت جبيل مع الحاجة زهازين سنتين إضافيتين تحت الاحتلال. تعلّمت منها كل ما يمكن أن تتعلّمه من العظماء: الشجاعة والمروءة والطيبة. كانت تهتف بي: "يلا يا أسد"، فأركض، ابن السبعة أعوام، خلف الكلاب وبنات آوى ليلاً، لأبعدها عن "مصطبة" التين اليابس.
مشيت في جنازة النائب علي بزي، وتلقيت دروسي في مدرسة عبد اللطيف سعد الرسمية. أذكر يوماً، وأنا أغادر باب المدرسة مشياً نحو "صف الهوا"، اندلع إطلاق نار كثيف في السوق؛ حينها اضطررت إلى تشغيل حدسي الأمني للمرة الأولى، فتلطّيت بين السيارات والرصيف، سالكاً أقصر المسافات للخروج من خط النار.
لاحقاً، فرض الاحتلال إجراءات تمنع السائقين من التجوّل منفردين خشية العمليات الانتحارية، فكان عمي يصطحبني في جولاته بسيارة الأجرة، ومن خلاله تعرّفت إلى قرى الجوار. ما زلت أذكر جيداً ذلك الوجه المخيف على أحد الحواجز، حين أطلّ من نافذة السيارة نحوي وسأل بنبرة تشبه الشتيمة: "شو يا ابن الشيوعي؟". كان ذلك هو نفسه الشخص الذي طرد أبي، الملقّب بـ"الجلبوط"، يختزل في شخصه كل حقارة العمالة.
في التاسعة من عمري تقريباً، عدت إلى الرميلة. لكن قبل وصولنا إلى معبر "بيت ياحون"، طلبت إليّ جدتي الجلوس فوق "فرشة" صوف في مؤخرة "البيك أب". كانت قد نجّدتها قبل يومين، ودسّت بين طيّات الصوف بندقية حربية تركها والدي في بنت جبيل. كانت زهازين تمتلك هي الأخرى عقلاً أمنياً استثنائياً.
رحلت زهازين عام 1998 في بنت جبيل. قبل وفاتها بأسابيع، زارتنا في صيدا زيارة وداع، وكانت تخصّني بأجمل الدعوات التي يمكن تخيّلها، خاصة بعدما ابتكرت لها جهازاً بسيطاً يمكّنها من مناداتي من غرفة إلى أخرى، لأساعدها على النهوض والدخول إلى الحمام ليلاً.
عدت إلى بنت جبيل في ثاني أيام التحرير عام 2000، بعد ليلة قضيناها في حولا. وقفت مع صديقي علي مراد على "صخرة البير" قرب المنزل، وأنا لا أصدّق كم غدت الأشياء والمسافات صغيرة في عيني.
أمضيت في بنت جبيل سنة كاملة بعد التحرير، غارقاً في الرسم ونحت الحجارة. كانت سنة بائسة في المطبخ الشهير رغم زيارات الأصدقاء الكثيرة. كنت أشرب يومياً بعد نزهة إلى "عين إبل" لأبتاع زجاجة ويسكي. كان يسكنني أمل بأن يكون العيش هناك مختلفاً. لا أدري لماذا كنت حزيناً إلى هذا الحد، أكان السبب أنني اعتدت حياة المدينة؟ أم لأنني كنت مثقلاً بخيبات الحزب الشيوعي الذي هجرته للتو.
كان يزعجني سؤال العجائز في منتصف الطريق: "ابن مين أنت؟".. عفواً، ولماذا السؤال؟ رغم ذلك، أحببت جلسات الجيران في استراحة بيت عمي لشرب الشاي بعد الظهر. لم تكن بنت جبيل مدينة بالمعنى المتعارف عليه، كانت كل شيء، لكن بمقياس مصغّر: مدينة وقرية في آن، لكنها لم تستعد بعد التحرير تلك الصورة التي حِيكت في الحكايا، بل بقيت أسيرة نمط حياة لم يعد يشبهها.
أذكر لقائي الأول بـ جهاد بزي وساطع نور الدين عام 2012. سألني ساطع: "كيف بنت جبيل؟ عم تطلع عليها؟"، فأجبت: "أظنها ما زالت محتلة!". ضحكنا جميعاً، بعدما عقّب جهاد بـ"أوف أوف".
مات أبي قبل "حرب الإسناد" بأشهر قليلة.. ولم يكمل بناء البيت.




