بين رمزيّة الصورة ولغة الجسد: ارتباك المفاوِضة اللبنانية

المدن - مجتمعالأربعاء 2026/04/15
Image-1776269259
النظر إلى الصورة التذكارية الأولى هو جزء أساسي من فهم الحدث نفسه. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

إنّها لحظةٌ تاريخيّةٌ بكلّ المقاييس. على الشّاشات، وعلى الهواتف، وفي الصّحف، شاهدنا الصّورة الّتي جمعت الوفدين اللّبنانيّ والإسرائيليّ في واشنطن، قبيل انطلاق الجلسة التّمهيديّة للمفاوضات المباشرة، بحضور وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو وفريقه. هي ليست صورةً عاديّة، بل هي الأولى، وفي بدايات الأشياء هناك دائمًا ما يميزها.  

الصّورة الّتي جمعت الوفود أثارت انقسامًا لبنانيًّا حادًّا. فثمّة من رآها مشهدًا مخزيًا، فكيف يوضع العلم اللّبنانيّ إلى جانب علم دولةٍ تمارس الحرب والعدوان والإبادة. وثمّة من قرأها بوصفها نتيجةً طبيعيّةً لمسار الانحدار الّذي أوصل لبنان إلى لحظته الرّاهنة، لبنان الّذي نادرًا ما امتلك، فعلًا، قراره الكامل، يجد نفسه اليوم أمام استحقاقٍ عنوانه السّيادة، لا كشعارٍ مجرّد، بل كقدرةٍ فعليّةٍ على أن يقرّر في التّفاوض، وفي الحرب والسّلم، وفي ما يتّصل بمصيره المباشر.

في قلب هذه اللّحظة، وضعت السّفيرة اللّبنانيّة لدى الولايات المتّحدة، ندى حمادة معوّض، في موقعٍ لا تحسد عليه. فهي لم تدخل القاعة بصفتها الشّخصيّة، بل بوصفها ممثّلةً رسميّةً للبنان، ومكلّفةً من رئيس الجمهوريّة بخوض تفاوضٍ مباشرٍ مع عدوٍّ ما زال يعتدي على أرض بلدها. لذلك، لم يكن غريبًا أن تتحوّل الصّورة إلى مادّة نقاشٍ سياسيٍّ ورمزيٍّ في آنٍ معًا، وأن تمتدّ القراءة من مضمون اللّقاء إلى شكل الوقوف، ومن دلالة الحدث إلى تعابير الجسد نفسها.

ومن هنا، لا يعود السّؤال محصورًا بما إذا كانت المفاوضات قد بدأت فحسب، بل بما قالته الصّورة عن لبنان وهو يدخل هذه اللّحظة، وعن ممثّلته وهي تقف فيها. ماذا تكشف هيئة السّفيرة؟ ماذا قالت ملامحها؟ وماذا تخبرنا لغة الجسد عن وطأة المشهد، وعن طبيعة الدّور الّذي وضعت فيه؟

 

ما الذي قالته الصّورة؟

النظر إلى الصورة التذكاريّة الأولى هو جزء أساسيّ من فهم الحدث نفسه. فالسّياسة ليست ما يقال داخل الغرف المغلقة فقط، بل ما يقوله الجسد أيضًا قبل أن تبدأ الكلمات. من يقف بثبات؟ من ينكمش؟ من ينظر إلى الأمام؟ من يشيح ببصره؟ من يبدو كأنّه دخل اللّحظة، ومن يبدو كأنّه أدخل إليها قسرًا؟ في مثل هذه المواقف، يتكلّم الجسد ببلاغةٍ قد تفوق بلاغة البيانات الرّسميّة.

في قراءة أستاذ فنون التّواصل نضال نصرالله، لم تكن اللّقطة بريئةً حتّى في هندستها البصريّة. إذا يُشير في حديثه لـِ"المدن" إلى أنّ "وضع العلم اللّبنانيّ متوسّطًا العلمين الإسرائيليّ والأميركيّ هو دلالةٌ إلى أنّ الطّرفين يطبقان عليه". 

ويضيف نصرالله أنّ ما لفت نظره منذ اللحظة الأولى هو أنّ السّفيرة "دخلت وهي في وضعيّةٍ جسديّةٍ توحي بأنّها تحاول حماية نفسها أو تغطية جسدها بطريقةٍ غير مباشرة". ويوضح أنّ المقصود هنا "المناطق الحسّاسة في لغة الجسد، أي الأماكن التي يلجأ الإنسان تلقائيًّا إلى حمايتها عندما يشعر بالضّغط أو الخوف أو بعدم اليقين". في هذه القراءة، لا يكون الجسد مجرّد حاملٍ للشّخص، بل يتحوّل إلى مرآةٍ تعكس حالته النّفسيّة. وحين يكون الإنسان في لحظةٍ ضاغطةٍ إلى هذا الحدّ، فإنّ أفكاره تنعكس مباشرةً على وضعه الجسديّ، وعلى تموضع يديه وقدميه ورأسه ونظرته.

ويقول نصرالله إنّ ما بدا واضحًا عليه أنّ السّفيرة كانت تعيش "حالةً من عدم الارتياح أو اللايقين، كأنّها لا تعرف تمامًا إلى أين تتّجه الأمور، أو ماذا سيحدث بعد لحظات". ومن هنا تأتي ملاحظته على يدها اليمنى، إذ يقول، "وأنا أتحدّث هنا من جهتها هي، لا من جهة المشاهد، إنّ حركتها بدت دفاعيّة". ويقارن ذلك ببقيّة الواقفين حولها، فيرى أنّهم "كانوا في وضعيّةٍ أكثر انفتاحًا وثقةً، كما لو أنّهم يقفون بثبات، بأيدٍ ظاهرةٍ إلى الأمام، من دون محاولة إخفاء شيء"، أمّا هي "فكانت مختلفةً عنهم بوضوح". 

ويذهب نصرالله أبعد في التّفصيل، فيقول إنّ "يديها كانتا مغلقتين فوق ساقيها، وساقاها أيضًا كانتا مقفلتين، بمعنى أنّ القدم اليمنى والقدم اليسرى كانتا تتّجهان إلى الدّاخل تقريبًا، أو على الأقلّ في اتّجاهٍ يوحي بالانكماش لا بالانفتاح". ويخلص إلى أنّ "هذه كلّها علاماتٌ على التوتّر والانغلاق".

وعن الوجه والعينين، يقول نصرالله، "من خلال عينيها وتعابير وجهها، يمكن ملاحظة أنّها لم تكن مرتاحة. كان هناك شيءٌ من التوتّر، وكانت تنظر يمينًا ويسارًا، كأنّها تبحث عن نقطة أمانٍ أو عن مكانٍ تستقرّ عليه بنظرها، لكن من دون أن تبدو منسجمةً مع من حولها أو متّصلةً بهم بصريًّا. ويضيف أنّ المشكلة ظهرت بوضوحٍ أكبر في المقطع الثّاني، بعد انتهاء الصّورة، حين "التفتت إلى يمينها، لكنّها استمرّت في إبقاء رأسها إلى الأسفل". وبرأيه، هنا تكمن العقدة الأوضح، لأنّها "لا تمثّل نفسها فقط، بل تمثّل بلدًا كاملًا، واسم لبنان أكبر من أن يحمل بهذا القدر من الانكماش". ثمّ يشدّد على فكرةٍ محوريّةٍ في تحليله، وهي أنّه "مهما كانت الضّغوط، كان ينبغي أن تحافظ على رفع الرّأس وعلى حضورٍ أكثر ثباتًا".

Image-1776270731
"يداها كانتا مغلقتين فوق ساقيها، وساقاها أيضًا كانتا مقفلتين، بمعنى أنّ القدم اليمنى والقدم اليسرى كانتا تتّجهان إلى الدّاخل تقريبًا، أو على الأقلّ في اتّجاهٍ يوحي بالانكماش لا بالانفتاح". ويخلص إلى أنّ "هذه كلّها علاماتٌ على التوتّر والانغلاق".

 

المشي أيضًا يتكلّم

ولا يتوقّف نصرالله عند الوقفة والنّظرة، بل يتناول أيضًا حركة المشي. يقول إنّ "ما بقي ظاهرًا طوال الوقت أنّها حافظت على القفلة نفسها في الجسد، كأنّها ما تزال تحاول أن تخفي نفسها أو تنكمش داخل جسدها. وظلّت تنظر إلى الأرض أثناء المشي، بدلًا من أن تنظر إلى الأمام. والأصل في مثل هذا الموقف أن يكون الرّأس مرفوعًا، لأنّ ذلك يعبّر عن الثّقة والتمثيل الواثق للموقع الذي تشغله".

ثمّ يضيف أنّ هناك ما يمكن تسميته "لغة الجسد غير المتّسعة"، أي إنّ جسدها "لم يكن ممدودًا إلى الأعلى، ولم يكن مفتوحًا أو واثقًا، بل كان منكمشًا ومشدودًا بطريقةٍ سلبيّة". حتّى المشية نفسها، كما يراها، "بدت غريبةً بعض الشّيء، وخصوصًا أنّ البنطال كان طويلًا، وكانت تفتح بين قدميها مسافةً واسعةً أثناء الحركة، وكأنّها تحاول ألّا تتعثّر به".

Image-1776270774
 "ما بقي ظاهرًا طوال الوقت أنّها حافظت على القفلة نفسها في الجسد، كأنّها ما تزال تحاول أن تخفي نفسها أو تنكمش داخل جسدها".

 

ثلاث علاماتٍ أساسيّة

ويلخّص نصرالله انطباعه بثلاث نقاطٍ يراها أساسيّة. يقول، "أوّلًا، نظرتها إلى الأرض أثناء المشي. ثانيًا، بقاؤها في وضعيّةٍ مغلقةٍ لمسافةٍ طويلة، تقارب المتر ونصف المتر أو أكثر، قبل أن تفكّ يديها. ثالثًا، طريقة المشي نفسها، إذ لم تكن متوازنةً أو مريحةً بصريًّا". 

ومن أكثر المشاهد التي توقّف عندها نصرالله تلك الحركة الصغيرة في القدمين. يقول، "في الفيديو أيضًا، إذا دقّقنا، نلاحظ أنّها في لحظةٍ ما تتوقّف، ثمّ تعود وترفع قدمها اليمنى قليلًا وتضرب بها الأرض بخفّة، ثمّ تعيدها، وبعد ذلك تفعل الشّيء نفسه بالقدم الأخرى". وبرأيه، فإنّ هذه الحركة "في العادة ليست قويّةً في هذا السّياق". صحيحٌ أنّ بعض الرّياضيّين أو الأشخاص الذين يستعدّون لبدء أمرٍ ما قد يقومون بحركةٍ مشابهة، "لكنّها هنا بدت مختلفة، لأنّها لم تكن حركةً طبيعيّةً أو واثقة، بل بدت علامةً واضحةً على عدم الارتياح".

ثمّ يقدّم خلاصته، "الحركات الّتي قامت بها تكشف أمرين في الوقت نفسه، أوّلًا أنّها متوتّرة، وثانيًا أنّها تريد الخروج من المكان الذي هي فيه، أو على الأقلّ أنّ جسدها يرسل إشارةً بعدم الانسجام مع اللّحظة. فهي ترفع القدم ثمّ تعيدها إلى الأرض، كما لو أنّ الجسد نفسه متردّدٌ، أو يريد أن ينسحب، أو لا يعرف كيف يستقرّ في مكانه".

 

الصّورة الكاذبة

وإذا كانت الصّورة الأصليّة قد أثارت كلّ هذا السّجال، فإنّ الأخطر كان الصّورة الأخرى التي جرى تعميمها على مواقع التّواصل، وتظهر السّفيرة اللّبنانيّة وهي تصافح السّفير الإسرائيليّ. هذه الصّورة كاذبة، ومفبركة، وقد تبيّن في أكثر من تحقّقٍ إعلاميٍّ أنّه لم تكن هناك أيّ مصافحةٍ بين الطّرفين، بل التقطت صورةٌ تذكاريّةٌ فقط، فيما أكّدت وسائل تحقّقٍ لبنانيّةٌ أنّ صورة المصافحة المتداولة مفبركة، وبعضها وصفها صراحةً بأنّها مولّدةٌ أو معدّلةٌ بالذّكاء الاصطناعيّ.

في النّهاية، ليست المسألة في أنّ الصّورة صادمةٌ أو ضروريّة، جميلةٌ أو موجعة. المسألة في أنّها فتحت الباب واسعًا أمام سؤالٍ أكبر، كيف يدخل لبنان إلى لحظةٍ بهذا الحجم، وبأيّ هيئةٍ، وبأيّ سرديّةٍ، وبأيّ مقدارٍ من الثّقة بالنّفس؟ وهل نحن أمام بداية مسارٍ يستعيد فيه لبنان بعض قراره، أم أمام مجرّد اضطرارٍ جديدٍ يغلّف بلقطةٍ رسميّةٍ؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث