انقسم الشارع اللبناني بوضوح حيال مشهد الأمس في واشنطن في التفاوض المباشر بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني، ووجد علما البلدين على الطاولة نفسها. وفتح هذا المشهد النقاش القديم-المتجدد حول خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وحدودها، ومعناها، وتوقيتها.
وبحسب معاينة "المدن" الشارع اللبناني المنقسم، بدا واضحاً أن حملة الانتقادات التي طاولت موقع رئاسة الحكومة خلال الأيام الماضية، ربما ساهمت في ظهور جزء غير بسيط من الشارع السني أكثر ترحيباً أو تفهماً للمشهد في واشنطن، انطلاقاً من أولوية وقف الحرب وتخفيف الضغط عن لبنان. أما في الشارع المسيحي، فبدت شريحة واسعة أكثر اندفاعاً نحو دعم مسار التفاوض والسلام مع العدو، باعتباره مدخلاً ضرورياً للخروج من دوامة المواجهات المفتوحة. في المقابل، جاء موقف الشارع الشيعي أكثر وضوحاً في رفضه للمشهد الأميركي كله والسردية اللبنانية التي بررته. رفض عام لتلك الطاولة وما ترمز إليه، بوصفها تجاوزاً لخطاب المواجهة القائم منذ عقود، وتجاهلاً للتضحيات التي بذلت خلال الحرب الجارية منذ أكثر من سنتين.
ترحيب في انتظار النتائج
في الأشرفية، يختصر جوزيف غفري المشهد المركّب بالقول لـ"المدن" إن "الصورة جميلة، ولكن لنرَ نتائجها. المفاوضات طويلة، وأنا لست متفائلاً كثيراً، لأن الحل الحقيقي هو بين إيران وأميركا".
ويضيف: "شعبنا منقسم. هناك ناس مع المفاوضات وناس ضدها، لكن ما بدنا حرب أهلية كرمالها". يقاطعه زميله قائلاً: "ما في أحلى من السلام. شيء كثير منيح". وصدف بجانبهما امرأة تردي الحجاب، كانت تتابع النقاش فقالت: "لم تعجبني الصورة. هل يضع لبنان يده بيد إسرائيل؟ من هي إسرائيل حتى نضع أيدينا بأيديها؟ هذا غير مقبول".
في أحياء مختلفة من بيروت، بدا المشهد مشابهاً: انقسام واضح، لكن بلغة تعب الحرب أكثر مما هو بلغة الاصطفاف السياسي. يقول سليم يونس لـ"المدن": "هذا إنجاز كبير للبنان وسيادته. هذا خلاص للبنان. بدنا نرتاح. نحن مش قدّ أميركا".
ويضيف: "الله يخليلنا رئيس الحكومة، هذا آخر المطاف". ليقاطعه آخر قائلاً: "نحن مع السلام، شو ما كان وكيف ما كان ومين ما عمله. شبعنا حروب. دافعنا عن كثير قضايا وما حدا دافع عنا. نُستخدم في الحروب ليس إلّا".
في المكان نفسه، دار نقاش بين نازحين من الجنوب وأهالي المنطقة. عبّر أحد الشبان الشيعة عن رفضه للأمر، ودافع عن دور حزب الله، فردّ عليه أحد أبناء الحي: "نحن استقبلناكم عنا، بس موضوع الحزب بلاه". فأجابه الشاب: "أهل طريق الجديدة على راسي، ما في منهم. بس نحن عدونا واحد، والحق يُقال".
عار أكثر من هيك ما في
إثنان يقفان مذهولان، وبدا الغضب أكثر حدّة علي محيّاهما. "عار أكثر من هيك ماذا يُقال؟ قدمنا شبابنا والسيد والقادة والمسؤولين، حتى يسلموا الوطن والجنوب هيك؟ أنا متبرأ منهم". ويقاطعه صديقه قائلاً: "حطوا راسنا بالأرض".
أما أبو محمد، وهو نازح إلى منطقة الطيونة، فيقول: "الأمر كله لا يعنينا نهائياً. البلد محتلّ. الذين يفاوضون يمثلون أنفسهم. الاستسلام والمفاوضات المباشرة لا تعنينا. المشهد الحقيقي تفرضه المقاومة في الميدان".
في بشارة الخوري، يقول أبو إبراهيم: " ما حصل عار ومخزي. فوق الطبيعة. الشعب عم يموت ويتدمر، وهني عم يتصوروا؟".
ويضيف رجل آخر: "هذه الصورة ذل وعار. شباب عم يقاتلوا لنتحرر، وآخر شي يحطّوا إيدهم بإيد الصهيوني؟".
امرأة مسنّة تعبّر عن غضبها بالقول: "يلعنها ويلعن اللي بعتها (سفيرة لبنان). الجنوب راح، وشبابنا راحت". وتضيف أخرى: "هذا عار على الوطن. كان على الحكومة مساعدة المقاومة التي تدافع عن كل لبنان".
ويختصر رجل يقف قربها المزاج في تلك الزاوية من بيروت بعبارة قصيرة: "أوطى من هيك ما في".
بين التأييد الحذر، والرفض القاطع، والغضب المفتوح، يظهر الشارع اللبناني مرة جديدة منقسماً حول سؤال واحد يتكرر منذ عقود: هل المفاوضات مع إسرائيل مدخل خلاص ممكن، أم صورة استسلام غير مقبولة؟ وفي بلد يعيش حرباً مفتوحة وحدوداً ملتهبة ونزوحاً واسعاً، تبدو الإجابة حتى الآن أكثر انقساماً من أي وقت مضى.




