مسعفون على خطّ النار: إسرائيل تستهدفهم عمدًا!

نغم ربيعالثلاثاء 2026/04/14
Image-1776161546
مهام المسعفين إنقاذ الجرحى والمصابين وحولهم العدو إلى جرحى وشهداء (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

خلافًا لما تنص عليه اتفاقيات جنيف والاتفاقات الدولية من حماية صريحة للطواقم الطبية والإسعافية في زمن الحرب، تحول المسعفون في لبنان إلى أهداف مباشرة. لم تعد سيارات الإسعاف ملاذًا آمنًا، ولا الزيّ الطبي درعًا، ولا النداء الإنساني كافيًا لتحييدهم عن الاستهداف المباشر. في هذه الحرب، نزل المسعفون إلى الأرض لإنقاذ الجرحى، فصاروا هم الجرحى والشهداء.

Image-1776160371

لم ينجُ أحد من الاستهداف: الصليب الأحمر اللبناني، كشافة الرسالة الإسلامية، والهيئة الصحية الإسلامية، الدفاع المدني، جميعهم استهدفتهم إسرائيل وهم يؤدون واجبهم الإنساني.

 

في كشافة الرسالة وحدها، سقط 13 شهيدًا (12 مسعفًا ومسعفة واحدة)، وأصيب 45 آخرون، فيما استُهدفت أو تضررت 41 سيارة إسعاف و13 مركزًا إسعافيًا. وفي الهيئة الصحية الإسلامية، ارتقى 67 مسعفًا أثناء محاولتهم إنقاذ الأرواح تحت النار. أما الدفاع المدني فسقط له شهيدان 28 جريح، فيما خسر الصليب الأحمر مسعيفين إثنين خلال أداء مهمته.

Image-1776161730

الوضع المعنوي للمسعفين

يواصل المسعفون أداء مهامهم بدافع إنساني يتقدّم على الخوف. فالفرق التي يُفترض أن تكون خارج نيران المعارك، وجدت نفسها في قلبها، وعلى خط النار الأول، من دون أن يتراجع حضورها في الميدان. وفي هذا السياق، يؤكد مدير عام الدفاع المدني العميد عماد خريش أنّ الروح التطوعية في الدفاع المدني لا تزال العامل الحاسم في استمرار العمل رغم الخسائر، مشيرًا إلى أن "الوضع المعنوي قوي لأننا نكون دائمًا إلى جانب شبابنا. هم مندفعون جدًا، ونجتمع معهم باستمرار للحفاظ على هذه الروحية التطوعية. ولم يتردّدوا يومًا في تلبية أي مهمة مهما كانت خطورتها". 

Image-1773823778

ويذهب مفوض الدفاع المدني المركزي في كشافة الرسالة الإسلامية ربيع عيسى أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ الاستهداف نفسه لم ينجح في تقليص حضور المتطوعين، بل زاد من تمسّكهم بدورهم، إذ يرى المتطوعون، بحسب قوله، أنّ البقاء في الميدان واجب وطني وأخلاقي لا يمكن التخلي عنه رغم ارتقاء شهداء من زملائهم. 

 

أما المسؤول الإعلامي في الهيئة الصحية الإسلامية محمود كركي، فيؤكد أن هذا الاندفاع ليس اندفاعًا عاطفيًا عابرًا، بل خيار واعٍ: "المسعف يعرف أن المهمة التي يخرج إليها قد تكون الأخيرة، لكن اندفاعه لا يقوم على الحماسة فقط، بل على التزام إنساني وأخلاقي وديني داخلي". 

 

هكذا، يصبح استمرار المسعف في التوجّه إلى مكان الإصابة، رغم معرفته المسبقة بالمخاطر، تعبيرًا عن وعيٍ بالدور بقدر ما هو فعل شجاعة، وعن تمسّك برسالة إنقاذ الإنسان حتى في أكثر البيئات قسوة

 

الدفاع المدني اللبناني

في صفوف الدفاع المدني، استشهد شخصان أثناء مشاركتهما في مهمة إسعافية لإنقاذ جريح آخر. يقول العميد عماد خريش لـ"المدن" إن الاستهدافات المتكررة فرضت على فرق الدفاع المدني تعديل أساليب عملها الميدانية قدر الإمكان: "بعد الاستهدافات المتكررة، نحاول أن نحمي أنفسنا عبر استخدام تجهيزات الحماية الشخصية رغم النقص فيها، ونسعى دائمًا إلى إيجاد توازن بين سرعة التدخل لإنقاذ المصابين وحماية الطواقم". إلا أن هذا التوازن، بحسب خريش، يبقى شديد الصعوبة في ظل العمل ضمن بيئة خطرة ومفتوحة على احتمالات الاستهداف في أي لحظة، بالتوازي مع استمرار تنفيذ المهمات اليومية المعتادة في مختلف المناطق، رغم النقص في العتاد والإمكانات.

ويضيف: "هناك احتياجات كبيرة جدًا. نحن حاضرون باستمرار ونعزز قدراتنا على التدخل، لكن حجم الأعباء يفوق الإمكانات المتوافرة".

Image-1776160313

ضغوط بشرية وميدانية

في الميدان الذي تضيق فيه المسافة بين مهمة الإنقاذ واحتمال الاستهداف، يعمل مسعفو كشافة الرسالة الإسلامية اليوم تحت ضغط مضاعف، بشريًا وميدانيًا. فقد بلغ عدد الضحايا في صفوفهم 58 بين شهيد وجريح، في مؤشر إلى حجم المخاطر التي باتت ترافق العمل الإسعافي نفسه. وفي هذا السياق، يقول مفوض الدفاع المدني المركزي في كشافة الرسالة الإسلامية، ربيع عيسى، لـ"المدن"، إن مسعفي الجمعية يعملون حاليًا ضمن ظروف ميدانية شديدة الخطورة، بعدما تعرضت عشرات الطواقم وسيارات الإسعاف لقصف جوي ومدفعي أثناء تنفيذ مهماتها، ما جعل مناطق واسعة من عمل الفرق الإسعافية أقرب إلى "مساحات مفتوحة على الاستهداف"، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من ضمانات السلامة التي يفترض أن يوفّرها القانون الدولي الإنساني.

 

ويضيف عيسى أن الفرق تحاول التكيف مع هذا الواقع القاسي عبر اعتماد إجراءات احترازية مشددة، تشمل التنسيق اللحظي مع الجهات الدولية والجيش اللبناني لتأمين ممرات آمنة قدر الإمكان، والالتزام الصارم بالهوية البصرية والزيّ الرسمي، إضافة إلى اعتماد استراتيجية "التحرك الحذر" لتجنّب الضربات المزدوجة التي طالت أكثر من مرة فرق الإنقاذ أثناء تدخلها. وفي بعض الحالات، يوضح عيسى، اضطرت الفرق إلى إخلاء مراكز إسعافية كاملة بعد تعرضها لقصف مباشر، في خطوة تعكس حجم المخاطر التي باتت تهدّد البنية الإسعافية نفسها، لا العاملين فيها فقط.

 

وعن الاتهامات الإسرائيلية باستخدام سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية، يؤكد عيسى أنها "لا تعدو كونها ذرائع واهية تستخدم لتبرير استهداف الطواقم الطبية"، مشيرًا إلى أنّ وزارة الصحة وعددًا من المنظمات الدولية تعتبر هذه الادعاءات، في ظل غياب أي أدلة ملموسة، محاولة لرفع الحماية القانونية عن الفرق الإسعافية، رغم وضوح هويتها الإنسانية أثناء أداء مهماتها في الميدان.

 

وتتلخص مطالب المسعفين اليوم، بحسب عيسى، في "تأمين الحماية الفورية" للطواقم والآليات عبر وقف الاستهداف المباشر لها واحترام حصانتها بموجب القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى ضرورة فتح ممرات آمنة تتيح الوصول إلى الجرحى وإجلاء المصابين، وتأمين تمويل طارئ لتغطية النقص الحاد في المستلزمات الطبية الأساسية، في ظل استمرار الضغط الميداني واتساع رقعة المهمات.

 

Image-1776159490

الهيئة الصحية الإسلامية

ارتقى 67 شهيدًا وأكثر من 150 جريحا من أفراد الهيئة الصحية الإسلامية أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني، فيما استُهدفت أو تضررت 73 سيارة إسعاف و17 مركزًا إسعافيًا. في حصيلة تعكس، طبيعة الاستهداف الذي يطال الطواقم الإسعافية بشكل مباشر ومتكرر. ويقول المسؤول الإعلامي في الهيئة محمود كركي، لـ"المدن" إن هذا العدد المرتفع من الشهداء لا يمكن قراءته إلا في سياق استهداف مباشر للقطاع الإسعافي". ورغم ذلك، تحاول الهيئة التكيّف مع الواقع الميداني شديد الخطورة عبر اتخاذ إجراءات للحدّ من المخاطر قدر الإمكان، منها تخفيف عدد المسعفين داخل المراكز، ورفع مستوى الجهوزية وسرعة التدخل لتقليص زمن البقاء في النقاط الخطرة، وتعزيز التنسيق الميداني الدائم مع الفرق الإسعافية في الجمعيات الأخرى، إضافة إلى استخدام إشارات واضحة تؤكد الطابع الإسعافي للآليات والمراكز. لكن، كما يقول كركي بصراحة، فإن طبيعة العمل الإنساني نفسها تفرض على المسعف أن يكون في قلب الخطر، لأن المصاب لا يستطيع الانتظار.

 

ويضيف كركي أن الواقع الميداني "بالغ الصعوبة"، إذ تحصل الاستهدافات أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا أخرى على شكل ضربات مزدوجة، تبدأ باستهداف المكان ثم تطال فرق الإسعاف التي تتوجه لإنقاذ المصابين. وبرأيه، فإن ما يجري اليوم يشكّل استهدافًا واضحًا وممنهجًا للقطاع الصحي والإسعافي، وهو أمر يتناقض مع كل ما تنصّ عليه اتفاقيات جنيف من حماية للطواقم الطبية خلال النزاعات المسلحة. 

أما الاتهامات الإسرائيلية باستخدام سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية، فيعتبرها كركي محاولة لتبرير الاستهداف أمام الرأي العام وتشويه صورة العمل الإنساني، مشيرًا إلى أن الوقائع الميدانية نفسها تنفي هذه الادعاءات: فالمسعف يصل إلى المكان حاملًا حقيبة إسعاف فقط، وصور الآليات المستهدفة تُظهر خلوّها من أي نوع من الأسلحة، وهو ما تؤكده شهادات المدنيين الذين جرى إنقاذهم، وكذلك عائلات كانت تنتظر وصول المساعدة.

وفي هذا السياق، يوضح كركي أن مطالب المسعفين اليوم واضحة ومباشرة: حماية الطواقم الطبية والإسعافية وفق القوانين الدولية، ووقف استهداف المراكز وسيارات الإسعاف، وتأمين ضغط دولي فعلي لمحاسبة المعتدين، وفتح ممرات آمنة تسمح باستمرار العمل الإنساني. ويوجّه في الوقت نفسه نداءً إلى العالم لتمكين المسعف من أداء عمله، لأن استهدافه لا يُعدّ جريمة بحقه فقط، بل جريمة بحق كل إنسان قد يحتاج إليه في لحظة نجاة واحدة.

Image-1776160259

الصليب الأحمر

بعد استشهاد مسعفين في الصليب الأحمر وإصابة مسعفين آخر، واستهداف مركز لها في صور. أدانت جمعية الصليب الأحمر اللبناني، في بيان، الاستهدافات التي تطال طواقمها، مؤكدة أنّها تؤدي واجبها الإنساني وفق مبادئها الأساسية، ولا سيما الحياد وعدم التحيّز والاستقلالية والإنسانية، ومشدّدة على أن ما تتعرض له الفرق الإسعافية يشكل استمرارًا للخروقات الواضحة والصريحة لقواعد اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني بمندرجاته كافة.

 

وتأسّف الصليب الأحمر لخسارة أحد متطوعيه المتفانين في العمل الإنساني، مجددة التشديد على أنّ المسعفين والطواقم الطبية ليسوا أهدافًا عسكرية، وأنّ حمايتهم واجبٌ تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية ذات الصلة. كما شددت على أنّ متطوعيها سيواصلون أداء رسالتهم الإنسانية أينما وُجدت الحاجة، من أجل إنقاذ الأرواح والحفاظ على كرامة الإنسان، رغم المخاطر المتزايدة التي تحيط بعملهم في الميدان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث