تحلُّ الذكرى الـ 51 لبداية الحروب الأهلية أو اللعنة اللبنانية، فيما البلاد المنكوبة والمنقسمة غارقة في واحد من أقسى فصول الحرب الإقليمية. وهي حرب مستمرة منذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إبادة شنتها إسرائيل على غزة.
وهناك من يرجح أن ما بدأ بلبنان في 13 نيسان 1975 -بل بعد هزيمة إسرائيل جيوش 3 دول عربية والمشروع العروبي الناصري في حزيران 1967- أرهص بتحول الحروب الأهلية "نظامًا سياسيًا" في بلدان عربية كثيرة، كان لبنان أولها، من دون حسبان الأردن، لأن حربه الأهلية انتهت سريعًا لتستوطن مديدًا وحتى الساعة في لبنان.
وهناك من يرى أن الحروب الأهلية الإقليمية الملبننة شكلت صورة مسبقة لما آلت إليه سياسات القوى الدولية الكبرى والإقليمة الفاعلة في العالم: توطين سياسات الهوية والحروب الأهلية والحروب بالوكالة، وجعلها سياسة دولية وإقليمية.
أما كل ما قيل عن مزايا لبنان النموذج والمثال -"الصيغته الفريدة"، "الجسر بين الشرق والغرب والحضارات والشعوب والأديان"، "اللقاء والتعايش بين المذاهب والثقافات، اختلاطها وتمازها"، "رسالة السلام والمحبة"... وصولًا إلى "حسبي أني من جبل هو بين الله والأرض كلام" (سعيد عقل) بعد مديحه وتمجيده الشام/ دمشق- لم ينقلب إلى عكسه فحسب، بل بينت الوقائع أنه لم يكن سوى أضغاث أحلام أو كلمات، أو "كلام الليل الذي يمحوه النهار"، ليس بنوره إنما بسواده العقيم.
ثم إن نظرة سريعة خاطفة إلى حال عالمنا اليوم، تبيّن أن الوعود الوردية التي صاغها العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن أكثر من "حلم ليلة صيف". وربما كان ما حصل ويحصل في لبنان حتى الساعة، نذيرًا بأول قتلى ذاك الصيف.
وفي هذه المناسبة من السواد المستمر، نحاول هنا استعادة صور ووقائع وشهادات لبدايات حروب لبنان في سنتيها الأوليين (1975 - 1976)، كما حصلت في شوارع وأحياء مناطق محددة.
وبعد حلقة أولى عن الأشرفية ما قبل الحرب، وثانية عن مقتلة عين الرمانة وسوابقها، هنا ثالثة عن تحول الحرب إلى مهنة في لبنان وفي شطر واسع من العالم.
مشاهد من نيسان 1975 وسوابقه
بعد مقتلة عين الرمانة بفلسطينيين عابرين فيها بباص ظهيرة الأحد 13 نيسان 1975، هاجمت مجموعاتُ مسلحين فلسطينيين تلك المنطقة المسيحية في بداية ليل ذاك النهار، للاقتصاص من أهلها والثأر من محازبيها الكتائبيين الذين شاع اتهامهم بالمقتلة. قدَم معظم المسلحين من غرب بيروت، وكان بينهم شبان لبنانيون. ولما انتشروا بهياج فوضوي في شوارع الشياح، تبعهم بعض فتيانها ثم صعدوا معهم إلى سطوح بناياتها الأمامية العالية، وشرعوا يتفرجون على إطلاقهم رشقات الرصاص على بنايات وشوارع مقابلة في عين الرمانة.
حملتْ أولئك المسلحين اللبنانيين وأعوانهم وأدلائهم في الشياح على المشاركة في تلك "الهرجة" الليلية الفوضوية، عواملُ ومشاعر واتفعالات وأهواء كثيرة، متدافعة ومتفاوتة في قوتها ووضوحها وغموضها، منها: قوة الحادثة النهارية الدموية، وقعها المدوي واتصالها بالقضية الفلسطينية وبالشِّقاق الأهلي الطائفي المتفاعل، المتصاعد والمحتقن في البلاد منذ سنوات. انتماءات وأهواء ومعتقدات قومية ويسارية، متفاوتة في قوتها ووضوحها، متأرثة أو في طريقها إلى التأرث. شعور بمظالم اجتماعية وسياسية كثيرة، تخالطه مشاعر متوترة حيال حزب "الكتائب اللبنانية" في عين الرمانة وسواها. تعاطف متنوع المصادر مع الفلسطينيين وقضيتهم. غرابة المشهد الليلي وجدته. رغبة في الاستطلاع والفرجة والمغامرة. وفتنة السلاح والمسلحين...
مثلًا، هناك بعض الفتية والشبان الذين شاركوا في تلك "الهرجة" وملحقاتها في حرب السنتين، كانوا طلابًا في مدارس ثانوية بعين الرمانة أو في سواها من مناطق مسيحية، ويقيمون مع أهلهم المسلمين في أحياء ضاحية بيروت الجنوبية، وبعضهم ينتمي إلى أحزاب أو مجوعات سياسية قومية عروبية ويسارية، وتعرضوا في السنة أو السنتين السابقتين إلى عنف من طلاب في حزب "الكتائب" بعين الرمانة أو اشتكبوا معم. وكان يشارك في تلك الاشتباكات ضد "الكتائب" طلاب شيوعيون وقوميون سوريون مسيحيون يقيمون في عين الرمانة أو فرن الشباك.
ولمن عايش في الشياح مشاهد جولات أولى من حرب السنتين، عندما كان فتىً مراهقًا وصار اليوم كهلًا، تبدو مشاهد تلك الليلة شبحية غائمة في ذاكرته. لكن تكرار أمثالها وأشباهها إلى ما لانهاية حتى الساعة، يبديها أزلية خالدة. وهو يتذكر من تلك المشاهد فتيانًا محليين يصعدون أمام مسلحين سلالم بناية عالية تطل على عين الرمانة. رجال ونساء يفتحون من داخل بيوتهم في البناية نوافذ زجاجية صغيرة في أبواب البيوت الخارجية، فتظهر وجوهم صامتة مستطلعة خلف شبكات حديد النوافذ المشغول. بصمت تتراجع وجوههم عن النوافد، ثم يغلقون زجاجها بصمت لا يخلو من مزيج حرج وريبة وخوف. ويتابع الفتيان والمسلحون خلفهم صعود السلالم صامتين.
وفي مشهد آخر وسط شارع أسعد الأسعد، مقابل الشارع الذي وقعت فيه مقتلة الباص بعين الرمانة، تقف مجموعة فتيان وشبان محليين، مسلحين وملثمين، يصرخون على سائقي سيارات عابرة أن يطفئوا مصابيح سياراتهم، فيطفئونها. فتىً يخفي وجهه بتغليف رأسه كله بـِ "كولون" نايلون نسائي شفاف، ويطلق من بندقيته رصاصات على مصباح أنارة الشارع المعلق بعمود التمديدات الكهربائية، فتتطاير من المصباح شرارات ويتطاير المصباح شظايا.
على الجهة الأخرى من خط التماس الذي رسمته جولات حرب السنتين في بيروت وضواحيها، روى من كان فتىً وتلميذ مدرسة فاشل في الأشرفية أنه قبل نحو سنتين من بداية الحرب، ارتمى في صحبة شلة أو زمرة كتائبية كان أعضاؤها شبانًا وأصحاب مهن يدوية مختلفة: نجار، حداد، بائع زهور، ميكانيسيان، وسنكري... وكل منهم يمارس نوعًا الرياضة البدنية.
وكانوا يمضون ساعات من النهارات أمام بيت "الكتائب" أو يتسكعون في شوارع الأشرفية: يضربون بويجيًا ويحطمون صندوق مهنته الخشبي. يعتدون على بائع زجاجيات منزلية، فيقلبون عربته التي يدفعها أمامه. يطربهم صوت الصحون والأكواب وهي تهوي عن العربة وتتحطم على الأرض. وياما كانوا يميّزون ضحاياهم من أشكالهم وملابسهم المتواضعة المزرية وسحناتهم الكئيبة. وفي طليعة من كانوا مولعين بضربهم عمال بناء سوريون، فيضربونهم بعنف غرائزي مضاعف. وعندما كانوا يدمون ضحاياهم، كان الدم يقوّي نزوة العنف فيهم، فيطلبون لها المزيد من الضحايا.
لكن الأشرفية لم تكن المسرح الأحب والمختبر الأفضل للشلة الكتائبية، بل ساحة البرج في وسط بيروت، حيث كان يسهل عثورها على ضحاياها، فتُمارس عليهم عنفها المجاني الغرائزي. ففي تلك الساحة المكتظة كانوا يتنزهون يوميًا، ليصطادوا فتيانًا مسلمين ويعتدون عليهم. وغالبًا ما كانوا يصرون على أن تكون ساحة المعركة قريبة من سينما "أمبير"، حيث موقف سرفيسات الأشرفية.
وقبل ظهر 13 نيسان 1975، لما انتشر خبر مقتل الكتائبي جوزف أبو عاصي في عين الرمانة، التقى أفراد الشلة أو المجموعة الكتائبية أمام مقر الحزب في الأشرفية، وساخطين غاضبين انتشروا في أحيائها بحثًا عن مسلمين، فوقع بعضهم في قبضتهم.
وفي ذكرى 13 نيسان المنصرم (2025)، وقف رئيسُ حزب مسيحي شاب خطيبًا بأهالي عين الرمانة، حيث وقعتْ أولى مقاتل الحرب بفلسطينيين قيل 50 سنة، وقال بكل فخر واعتزاز: استبسلنا في مقاومتهم، فلم يستطيعوا الدخول إلى هذه المنطقة. وروى رجل ثمانيني أن الدم سال سواقٍ صغيرة هنا على الإسفلت من البوسطة بعد المقتلة. وكان الشاب الخطيب قد ورث الحزب القديم عن والده وجده المؤسس الراحل.
وبمناسبة أو من دونها هذا لسان حال معظم مقدمي الحرب وورثتهم في جماعاتهم التي تتفاخر ببطولاتها الحربية وتمجدّها.
عولمة لبنان ولبننة العالم؟
في حسابات ذاك الوقت، أي قبل 51 نيسان من اليوم، وقعت المقتلة الذروة بفلسطينيين مقيمين في لبنان، فكانت فاتحة حرب أهلية إقليمية بلبنان، ودامت جولتها الأولى نحو أسبوع بين الشياح وعين الرمانة، ودامت 15 سنة في الديار اللبنانية.
جولة حربية بعد أخرى، بدأت ترتسم وتظهر ملامح الاقتتال الأهلي الطائفي بامتداداته الإقليمية والدولية في الجغرافيا اللبنانية، المدينية البيروتية أولَا، ثم في سائر المناطق: شاع وتصاعد تدريجيًا القنص والقصف العشوائي. نُصِبت حواجز مسلحة باسم حماية الأهالي في كل منطقة، فأذلّ المسلحون الناس، نكّلوا بهم، قتلوا واغتالوا وخطفوا حسب الولاءات والانتماءات والهويات الطائفية. هاجمت ميليشيات مناطق، فقتلت شطرًا من سكانها، اقتلعت شطر آخر وهجرته، ما أدى إلى عمليات تبادل سكاني واسعة... وصولًا إلى السكن في معاقل طائفية صافية.
ثم تجددت الحرب واستنقعت وتأرثت في لبنان. كأنها قدر أو لعنة أبدية تلازمه. تغيّرت وتبدلت كثيرًا مشاهدها، فصولها، مساراتها، مدة جولاتها، جماعاتها، زعماؤها وقادتها الأحياء والمقتولون، عقائدها وأيديولوجياتها... وانتقلت من منطقة إلى أخرى واتسعت دوائرها الجغرافية والبشرية، وأجيالها تبدلت وتغيرت، فسلّمها مع تبعاتها جيلٌ إلى جيل يليه، وصارت أشرس وأقسى وأشد فتكًا. والحياة -من أصغر شؤونها وانفعالاتها ومشاعرها إلى أعقدها في دوائر الحكم والسلطة، ومن تعيين موظف صغير إلى تعيين رئيس للجمهورية- صارت حربًا يصعب تمييز عواملها الأهلية المحلية عن الإقليمية والدولية.
وتحول الاحتراب الدوري إلى مهنة دائمة في لبنان، مهنة محلية ودولية. وكأنما الحروب كانت طريق لبنان إلى العولمة. وها شطر من العالم يمتهن الحروب التي عولمت لبنان. فهل أُصيب العالم الذي شارك في حروبه بالعدوى اللبنانية؟
ولبنان اليوم أشلاء طبيعية وجغرافية وعمرانية، وأشلاء جماعات متحللة محتضرة. جماعات تُصاب بنوبات هلع وهياج فيما هي تُحتضر.




