مع توسع رقعة الحرب في لبنان، وتعذّر نقل الجثامين إلى قرى محافظتي النبطية والجنوب، ولا سيما الشريط الحدودي، بات دفن الأحباء مأساة أخرى يعاني منها الجنوبيون. ومع استشهاد أكثر من 2000 مواطن، دون استطاعة أهلهم دفنهم في أراضيهم، عاد العمل بالدفن المؤقّت (الوديعة) في عدة مناطق لبنانية، مثل صور، حارة صيدا، والشويفات العمروسية في بيروت، على أن تُسلَّم الجثامين لاحقاً إلى العائلات بعد انتهاء الحرب، لدفن الشهداء في بلداتهم.
هذا الإجراء ليس جديداً على الجنوب. استُخدم في حروب سابقة، وعاد بقوة خلال حرب 2024، ثم مع تجدّد المواجهات في 2026. ومع كل جولة قتال، تتكرّس "الوديعة" كحلّ اضطراري، لا كخيار.
تفرض العادات الإسلامية الإسراع بموارة الشهداء الثرى. لكن الشريعة الإسلامية، وتحديداً الفقه الشيعي، تتيح الدفن في مكان مؤقت في الظروف الاستثنائية، كالحروب والكوارث وتعذر الوصول إلى مسقط رأس المتوفي. ولا يقتصر ذلك على ضحايا الغارات، بل يشمل أيضاً من يموتون لأسباب طبيعية خلال الحرب.
حارة صيدا
في منطقة حارة صيدا تحوّلت المدافن، خلال أيام قليلة، من مدفن محلي إلى مساحة استقبال اضطرارية لشهداء قرى الجنوب، وذلك في انتظار انتهاء الحرب وفتح الطرق مجدداً نحو المدافن في مسقط رأس الشهداء. وفي هذا التحوّل الصامت، تبدو المدافن نفسها جزءاً من جغرافيا النزوح القسري التي لم تعد تقتصر على الأحياء فحسب، بل طالت حتى موتى الجنوب أيضاً.
نحو 80 شهيداً من مختلف البلدات الجنوبية ووروا الثرى في مدافن حارة صيدا، التي تحولت خلال الأسابيع الماضية إلى واحدة من محطات الدفن الاضطرارية لأبناء القرى التي تعذر الوصول إليها بسبب القصف واتساع رقعة العدوان الإسرائيلي. ويوم السبت وحده، استقبلت المدافن 10 من أصل 13 عنصراً من شهداء أمن الدولة الذين سقطوا في غارة إسرائيلية أثناء أدائهم مهامهم في النبطية.
ويقول رئيس بلدية حارة صيدا مصطفى الزين لـ"المدن" إن البلدية تعمل حالياً على توسيع القدرة الاستيعابية للجبانة، بعدما تجاوز عدد من ووري الثرى فيها الحدود المتوقعة: "نحن مضطرون إلى استحداث مساحة جديدة للدفن، لأن القدرة الحالية لم تعد تكفي. ومن المرجّح أن نجهز قسماً إضافياً لاستيعاب الأعداد المتزايدة".
ثلاث أراض للوديعة في صور
في مدينة صور، حيث تحولت أطراف المدينة إلى مساحة انتظار للموت المؤجَّل، جرى تخصيص ثلاث قطع أراض لدفن الوديعة.
في عين بعال، دُفن نحو 5 شهداء مدنيين، قبل أن يصبح الوصول إلى الموقع خطراً بسبب تطور الوضع الميداني. وهناك أرض خاصة خُصصت لشهداء محددين، دُفن فيها نحو 60 شخصاً.
أما الموقع المعتمد أساساً، فهو الأرض الواقعة قرب ثكنة بنوّة بركات، التابعة لوزارة الدفاع، والتي استُخدمت سابقاً خلال حرب تموز 2006، ثم في حرب 2024، وأعيد اعتمادها مجدداً مع تجدد الحرب الحالية.
بحسب الشيخ ربيع قبيسي، المقيم في صور، ويقيم دفن الجثث كوديعة، دُفن في هذه الأرض نحو 22 جثماناً حتى الآن.
"لا شيء اسمه وديعة"
يقول الشيخ ربيع قبيسي إن الأصل في الدفن أن يتم فوراً وفي مكانه الطبيعي، مضيفاً: "لا شيء اسمه وديعة بالمعنى الديني. الميت يُفترض أن يُدفن فوراً. لكن بعد الحروب، جرى التوفيق بين الشرع والظروف الاستثنائية، فصار العمل بما يُعرف بدفن الوديعة".
ويشرح أن هذه الممارسة تُعتمد عندما يصبح الوصول إلى مكان الدفن الأصلي مستحيلاً أو خطراً. أما مراسم الدفن نفسها فلا تتغير: يُغسَّل الجثمان، ويُكفَّن، وتُقام الصلاة عليه، ويُدفن باتجاه القبلة وفق الأصول الشرعية.
ويشير إلى أن كل الإجراءات الدينية والطبية كاملة في الطريقة والموقع، إذ توضع الجثامين داخل أكياس محكمة الإغلاق، وتُحضَّر للدفن وفق المعايير المطلوبة.
لكن ما يتغير هو ما حول الدفن: لا مجالس عزاء، ولا تجمعات واسعة، ولا وداع أخير كما اعتادت القرى. "كل شيء يتمّ بالمختصر"، يقول قبيسي، "وعدد أفراد العائلة الحاضرين يفترض ألا يتجاوز 5 أشخاص".
صناديق مرقمة… كي لا تضيع العودة
الاختلاف الأساسي في دفن الوديعة هو وضع الجثمان داخل تابوت أو صندوق خشبي قبل دفنه، لأن نبش القبر محرم شرعاً لاحقاً. لذلك يُدفن الجثمان داخل الصندوق، بما يسمح بنقله لاحقاً من دون نبش مباشر.
ويُرقَّم كل تابوت في ثلاث نقاط مختلفة باستخدام أوراق وخط لا يتحللان، وتُسجَّل بيانات المتوفّى لدى أكثر من جهة، لضمان إعادة الرفات إلى ذويها بعد انتهاء الحرب بحسب قبيسي.
محاولة الحصول على أذن للدفن
في حرب 2024، وصل عدد الجثامين التي ووريت الثرى على سبيل الوديعة في هذه الأرض إلى نحو 200 جثمان. لكن مع تجدد الحرب الحالية، حاول المعنيّون تقليل اللجوء إلى هذا الخيار قدر الإمكان.
يقول قبيسي إن العمل جرى للحصول على أذونات بالدفن مباشرة في القرى التي يمكن الوصول إليها، مثل صريفا، ومعركة، وبرج رحال، والعباسية. تُقام مراسم الدفن في مدينة صور، ثم يُنقل الجثمان مباشرة إلى البلدة لدفنه فوراً. ويضيف: "تقصّدنا أن لا نوسّع موضوع الوديعة لعدة أسباب. أولاً لأسباب دينية، وثانياً حفاظاً على كرامة الجثمان، وثالثاً لأن العائلة لا تحتمل معاناة الدفن مرتين".




