خيم النايلون: البيال مقبرةُ الأحياء

محمود وهبةالأحد 2026/04/12
Image-1775553105
أرض بيروت تضيق بأهلها المشتتين
حجم الخط
مشاركة عبر

تشبهُ القبور. تلك الخيم الموزّعة في أرضٍ قاحلة. ما أقسى أرضَ بيروت حين تضيقُ على أهلِها المشتّتين في ثناياها. خيمٌ ممتدّة على مقربة من الواجهة البحريّة (البيال). خيمٌ صامتة تضيقُ بمنْ فيها. منذُ بداية الحرب، أتوْها مِن أماكنَ مختلفة. مِن يُحمر الشّقيف، من الأوزاعي، ومن خطوط التّماس والقرى المدمّرة. جاءوا أرضَ بيروت هرباً، أناسٌ يحملونَ خوفهم معهم ويرتحلون. 

في هذا المكان، تبدو الوجوه التي استقبلتنا عاجزة، مألوفة. نشعر كأننا رأيناها من قبل. وجوهٌ يسكنُها الخوف والرَّهبة. الخوفُ بالنسبة لهؤلاء النّازحين يتخطّى فكرةَ أن يكون مجرّدَ شعور. الخوفُ يبدو بعد البدء بالحديث مع المهجّرين خوفاً يسكُنهم. خوفٌ من سلطة الأمر الواقع القائمة بذاتها. سلطة تمنعهم من التذمّر، تمنعهم من الاعتراض، تمنعهم حتى من الكلام معنا. يتردّد الواحد منهم بين حاجاتٍ كثيرة. هل يتكلّم أمام الإعلام؟ هل يطلبُ حاجَته ونفسُه مكسوفة وماءُ وجهه يُراق أمام الملأ.

طالعتنا امرأة ستينيّة من قرى الحدود المتاخمة لفلسطين المحتلّة. قبل أن تتفوّه بكلمة أخذت على عاتقها أن تتأكد من أننا لا نحملُ كاميرات وآلات تسجيل. "أريدُ أن أحكي ولكن لا أريد أن أوجِّه كلامي لأحد أو أتكلَّم أمام الكاميرا".  تتحدّث الحاجة الستينيّة بصوتٍ منخفض، ولا تفضِّلُ الصَّمت، رغم ما في كلامها من مخاطرة، حسبما تروي كلماتها التي ضمَّنتها بين سطورها.

المستمع إلى حديثها يلمسُ بلا تردّد ما هو أكثر إيلاماً من مشهدِ الخيم المشلوحة على الطَّريق البحريّة. الناس هنا يشعرون بأنّهم مراقَبون أخلاقياً. كأنّ هناك قانوناً غير مكتوب يقول لهم: اصمتوا، اصبروا، تحمّلوا. لم تقُل المرأة هذا الكلام بالحرف، ولكن تردّدها وحسرتها على حالها وعائلتها المكوّنة من ابنتين وشَتا بذلك.

جلستُ على الأرض إلى جانبها. أراقبُ تحتَ الشمس الحارقة تبدّلات حركات وجهها وهي تقول بما يشبه الاعتراف: " فوق ما نحنا مشحّرين، وكمان بدنا نتصوّر، خلّوها ع الله". في جملتها، خجلٌ عارٍ. خجلٌ من الكاميرا، منَ الناس، منَ الشكل الذي صارت عليه. لكنها رغم ذلك لا تكادُ تنهي جملة تقولها إلا وأردفتها بكلمة "الحمدلله". وحين نبادر لسؤالها على ماذا تحمدين الله، تقول:" على أنني ما زلت على قيد الحياة، بيتي راح ولكنني وابنتيّ سليمات، الحمدلله". 

 

النظر إلى الخيم المرصوفة على هذه المساحة الكبيرة يجعلنا نراها وكأنّها بنفسها تحكي. شوادر ممزّقة، أخشابٌ متعبة ومكسورة جُمعَت بطريقةٍ سريعة لتأمين مكان للنّوم والاحتماء من غدرِ الزمان. بعضُ حجارةٍ تسندُ ما تبقّى من سترٍ هشّ. حتى في موضوع الخيم المحسوبيّات واضحة. فالفرق بين خيمة وأخرى ليس فقط في الشكل، هو فرقٌ في الكرامة أيضاً. خيمٌ كبيرة، وخيم أصغر، وخيم مترهّلة لا تصلح لشيء ولا تحمي من قطرة مطر. 

 تكملُ الحجّة روايتها على مسمعنا، وعيوننا شاخصة إلى نظَّارتها التي تخفي خلفَها خجلها من الكلام حتى: "حرمونا من أبسط الحقوق، تخيّل يا ابني إنو المحافظ أصدر قرار بمنع إنشاء حمّامات هون، بحجّة تشويه المنظر العام". تقولها وتبتسم وتسكُت. أيّ منظر هذا الذي يُخشى عليه، فيما البشر يُسحقون بهذا الشكل؟

أتركُ الحجة الستينيّة لوحدها، أشكرها، أربّتُ على كتفها، فتقول لي: "الله يهوّنها عالجميع يا ابني". أكمل طريقي لأصادف صبية في الأربعين من العمر، أفتح معها حديثاً لأجدَ أنّ الخجل هنا حاضرٌ بقوّة أيضاً. هذه المرأة القادمة من البقاع، والتي عاشت نصف حياتها في الأوزاعي مثلها مثل كثير من النساء يتهامسن عن تغيّر ملامحهن، عن صعوبة الحفاظ على أبسط تفاصيل النظافة الشخصيّة، وعن مرآة لم تعد تُشبههن. تقول: "ليك يا إمي شو صار فينا، ليك كيف صارت أشكالنا هون". تسأل وكأنّها تطلب تفسيراً مني لن أجد له جواباً. 

 

تتقلّص الحاجات هنا إلى حدّها الأدنى. الحمّام، إن وُجد، وقليل من القدرة على الاحتمال. أمّا ما تبقّى، فمعلّق بين القلق والرّجاء والتّسليم. يطالعنا أيضاً خوف من الآخر، هنا وهناك. خوفٌ واضحٌ من الغرباء، من الناس، ومن الدولة. بين جملة وأخرى تقولها محدثتي يتبادر إلى مسمعي من الخلف كلامٌ من نازحين شباب آخرين جملة تتكرّر: "رح يشيلولنا الخيمة". وكأنّ هذا المكان الذي لا يلوي على شيء صار نفسه مؤقتاً، وهذه الأرض نفسها صارت تحتهم قابلة للسحب في أية لحظة.

رغم كلّ المآسي والحاجات التي يصرّح بها النازحون هنا أمام الإعلام، لا يجدون حرجاً في إطلاق مفارقة لا يمكن تجاهلها. من هنا، من هذا العالم المنكوب، تجدُهم يصرّون على أنّهم منتصرون. تسمعها بوضوح: "نحنا منتصرين بإذن الله، الحرب رح تخلص عن قريب". إيمانٌ عجيبٌ يُمسك بما تبقّى من المعنى، أو ربّما محاولة أخيرة لعدم الانهيار. يحارُ السّامع بين الحسرة والتأثر والتفكير بقدرة الوهم على تلبُّس الناس وتسييرها. أوهام أين منها أوهام الحشاشين!. 

في هذه المساحة الضيّقة، يعيشُ هؤلاء الناس. بين الخوف والخجل، بين الصَّمت والكلام المبتور، بين القدرة على التحمُّل والرَّغبة في أن تنتهي هذه المهزلة والعودة إلى ما يشبه الحياة أو ما تبقّى منها. رحلةٌ  تختصر كلّ شيء: كيف يمكن للإنسان أن ينجو، دونَ أن يشعر أنّه خسرَ نفسه؟

 

داخل الخيمة.. حياة معطّلة

البيال. الاثنين، الرابعة بعد الظهر. ترى بوضوح ما تفعله الحرب حين لا تقتل، حين تترك الناس عالقين، بين ما كانوا عليه، وما صاروا إليه. هنا لا يرى الناظر خيماً. يرى الناس على بساطتهم يتراكضون وراء سيارة جديدة قادمة لربما تحملُ في جعبتها مساعدةً أو وجبةً دسمة ينتظرونها كلّ يومين من فاعلي الخير. 

حين تدخلُ إلى الخيمة، تشعرُ أنّك لا تدخلُ إلى مكان. إنّك في عالم على مشارفِ الحياة المضغوطة. كلّ شيء قريبٌ من بعضه. الفرشة إلى جانب الحقيبة، الحقيبة فوق كيس ملابس، وكيسُ الملابس نفسه هذا يتحوّل في الليل إلى وسادة. لا مساحةَ فاصلة بين النوم والجلوس والأكل. كلّها تحدث في المتر المربع نفسه هذا، وفي الوقت نفسه أيضاً.

اخترتُ أن أدخل إلى خيمةٍ مميزة وجدتُ على بابها "نرجيلة" لاعتقادي أنّ قاطنيها أناس مميزون يقومون بتزجية وقتهم من خلال النرجيلة. ويا لسذاجتي. الأرض ليست أرضاً فعليّة. ما هو موجود هي طبقة من نايلون، فوقها بطانيات رطبة قليلاً، تحاول أن تعزل الجسد عن برودة الإسفلت. لكنّ البرودة دائماً تجد طريقها وخصوصاً في الليل البهيم. حين يشتد الهواء اللئيم أمام البحر. في الليل، تصعد حبّات البرد من تحت النايلون، ببطء، لتذكّرهم بأنّ هذه ليست أرضهم. إنها ملجأ مؤقت.

يروي محدِّثي أنّ لكلّ خيمة نظامها الصغير. زاوية للأحذية عند المدخل، الأمر لا يتعلق بالنظافة، جلّ ما في الأمر أنّ الطين يدخل بسرعة إلى الخيمة. زاوية أخرى ليست بعيدة خصّصها للأكل. علبة بلاستيكية فيها بعض الخبز، علبة جبنة، وقنينة ماء تُستخدم بحذر شديد. الماء نادرٌ هنا ويشتكون من قلّته.

الأغراض ليست كثيرة، لكنّها مرتّبة بعناية لافتة. كأنّ الترتيب هو محاولة للسّيطرة على الفوضى الأكبر. حتى الأشياء المكسورة لا تُرمى. كلّ شيء قابل لإعادة الاستخدام. العلبة تتحوّل إلى وعاء، قطعة القماش تصيرُ ببراعة ستارة خفيفة تفصل "غرفة" عن "غرفة"، الكلامُ هنا طبعاً عن الخيم الكبيرة. فلتلك الخيم الصغيرة عوالمها وظروفها وآلامها. نعم هناك فروقٌ كبيرة رغم أنّ المكان واحد.

نسأله عن النوم. كيف ينامون في وحشة هذا الليل أمام البحر؟ فيجيب بأنّ النوم هنا بعيدٌ كلَّ البعد عن أيّ نومٍ في العالم. غالباً ما ينامُ الناس ليرتاحوا. النوم هنا ليس راحة. هو بداية لجحيم البرد والخوف من الغدِ ومن مآلات الحرب. الليل كما يصفُه لي محدّثي هو بداية التفكير في الهموم ومسرحُ أفكارٍ موحشة تترى على مخيّلته ورأسه.

يُكمل واصفاً نومهم في الخيمة. تتوزّع أجسادُنا بحسب المساحة. الأكبر سناً قرب الأطراف، أما الأطفال في الوسط، وكأنّهم يصرّون على حمايتهم من البرد ومن أيّ طارئ. غالباً ما ينام أكثر من شخص على الفرشة نفسها. يلتفّون حول بعضهم ويسلّمون أنفسهم لليلٍ طويل وسماءٍ فسيحة.

الأصوات هنا لا تتوقّف. حركةٌ دائمة في الخيم المجاورة. بكاءُ طفل، سُعال، همسات، نراجيل مشتعلة، ضحك وبكاء وشتائم. هكذا يأتي النوم متقطّعاً وخفيفاً والكلّ مستعدّ دائماً للاستيقاظ. 

نتابع ونسأله عن الجسد وأحواله. فيكمل قائلاً إنّ أصعب ما في العيش داخل الخيمة هو ضيقُها. ضيقٌ يفرض على الجسد ما يفرضه من ضوابط وقوانين وممنوعات. هنا تبديل الملابس يصبح مهمّة معقّدة. تحتاج إلى زاوية، إلى لحظة خالية، وإلى قماش يُسدل بسرعة.

 

النساء يبتكرن طرقاً للستر، يضحكن أحياناً على هذا الابتكار، لكنّ الضحكة قصيرة ولكنها ظاهرة لي رغم أنّهم حاولوا إخفاءها. يكملُ وهو يحدّثني عن الاستحمام، هذا إن وُجد، فإنه لن يكون فعلاً عادياً. هو حدثٌ يدعو إلى البهجة والسّرور والإحساس بأنّ صاحبه المحظي ما زال على قيد الحياة. يحتاج الاستحمام إلى خطة محكمة، إلى انتظار دور، وإلى ماء نادر قد لا يكون كافياً هنا. 

ننتقل لنحدثه عن الطعام البسيط. كيف يحضّرونه؟ ومَن يأتي به؟ وكيف لهم الطبخ هنا في هذه الزحمة؟ فيأتيني الجواب سريعاً. موقد صغير، أو أي وسيلة بدائية أخرى تكفي لإعداد وجبة سريعة تسدُّ جوعنا. الرائحة تنتشر بسرعة داخل الخيمة، تختلطُ بكلّ شيء. بالملابس، بالفرشات، وحتى بالهواء نفسه. والأكل يتمّ غالباً بصمت، أو بكلامٍ قليل. ربما لأنّ كلّ واحد منهم مشغولٌ بشيء في داخله.

أنظرُ إلى باب الخيمة فأجدُ أنّه ليس باباً فعلياً. هو قطعة قماش تُرفع وتُسدل. ومع ذلك، هو الحدّ الوحيد بين الداخل والخارج. بين ما هو خاص وما هو مكشوف. النازحون يدخلون ويخرجون بحذر. نظرة سريعة إلى الداخل قبل الدخول، كأنّهم يطلبون إذناً غير معلن. وفي كثير من الأحيان، يبقى الباب شبه مفتوح ربما لأنّ إغلاقه الكامل يولّد شعوراً لديهم بالاختناق والعجز.

ابنة محدّثي طفلة في التاسعة. تعيدُ إلى ذهني صورة الأطفال الآخرين الذي يسرحون هناك في تلك الأرض القاحلة. الأطفال يتكيّفون بسرعة. يحوّلون المساحة الضيّقة إلى لعبة، يركضون حيث يمكن الركض، يضحكون فجأة. لكنّ لعبهم دائماً محدود بحدود الخيمة. يسألون كثيراً: متى نرجع؟ ولا إجابة واضحة. هكذا منذ شهر ونيّف يتعلّمون أن لا يسألوا عن العودة كلّ مرّة.

ساعتان من الوقت قضيتهما داخل الخيمة. الوقت داخل الخيمة مختلف. الساعات أطول ولربما الأيام متشابهة. لا شيء يفصل صباحاً عن مساء، إلا الضوء الذي يدخل من القماش. الانتظار هو النشاط الأساسي. انتظار خبر، انتظار نهاية الحرب، انتظار تحسّن بسيط. انتظارٌ يتحوّل مع الوقت إلى عادة يتقنُها النازحون وأهلهم في أوكارهم وقبورهم البعيدة على حافة المدينة. هنا حيث لا ناصر ولا معين. وحده الفراغ والعجز هو الذي شقَّ وجهي وأنا أستمعُ لهذه الحكايا. ربما لأحفظها وأرويها الآن. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث