يُقال إن أصعب ما في الموت، هي اللحظة التي تسبقه. وأقسى المشاعر هي أن يرى المرء الموت وهو يدنو منه. تُرى بماذا يُفكر المرء في هكذا لحظاتٍ؟ أيعقل أن يُقتل المرء داخل منزله؟ تخيّل أن تكون في منزلك، الذي يفترض أن يكون المكان الأكثر أمنًا للمرء.. أوليست المنازل الملاذ الآمن لسكانها؟ وفجأةً، تطير. نعم، يمكن للمرء أن يطير، ليس بفعل قدرة استثنائية، بل نتيجة غارة إسرائيليّة مليئة باللؤم والحقد. صاروخ واحد قادر على أن يجعل الانسان يطير من مكانه، ليجد نفسه في مكانٍ آخر في ثانية واحدة. غارة واحدة قادرة على إبادة عائلة كاملة، ونسف كل الذكريات.
العالقون تحت الركام..
عاش اللبنانيون هذه اللحظات في يومٍ واحد. عشر دقائق فقط كانت كفيلة بأن تتسبب إسرائيل بمجزرة إنسانية في العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى لبنانيّة. الصواريخ سقطت في أكثر المناطق التي تشكل اكتظاظًا سكانيًا. عداد الموت لم يُقفل بعد؛ عناصر الدفاع المدني تعمل منذ يومين على سحب عشرات المفقودين جراء الغارات الإسرائيلية الفُجائية.
عاينت "المدن" منطقتي حي السلم والأجنحة الخمسة في الشويفات. في هذه المنطقتين قصفت إسرائيل سبع مبانٍ في وقتٍ واحد. من يتأمل في حجم الأضرار، يدرك جيدًا أن إسرائيل ارتكبت مجزرة إنسانية، لأن فرق الإنقاذ لم تتمكن بعد من تحديد العدد النهائيّ للضحايا، لأنها تعمل حتى كتابة هذا التقرير على سحب الركام للبحث عن المفقودين.
مأساة جماعية
يقول حسن، أحد الشبان المقيمين في المبنى المواجه للمبنى المستهدف في منطقة الأجنحة الخمسة الذي لم يتجاوز السبعة عشر عامًا إنه جرّب الطيران للمرة الأولى في حياته. ليست نُكتة بعيدة عن الواقع، بل حقيقة ما حصل معه في الثامن من نيسان. طار من غرفة نومه إلى غرفة الجلوس ووقع على قدميه ونقل إلى المستشفى. لم يدرك ما حصل حينها، عصف مُخيف، تبعه دوي قويّ، شبح أبيض اللون وألسنة النار في كل مكان، وقعت ألواح الزجاج على ظهره، ووجد نفسه فجأة أمام لوحة سوداء تفوح منها رائحة الموت والمأساة، كل ما حوله يحترق بفعل الغارة الإسرائيليّة.
لم تنحصر الأضرار في المبنى المُستهدف، بل شلّت الحيّ السكني كله، وتضررت المباني المحيطة بمكان الاستهداف كلها. البيوت هناك لم تعد صالحة للسكن، تركت الصواريخ فيها فجوات ضخمة. الجرافات تزيل الركام، وفي كل خطوة تتأمل فرق الإنقاذ أن يصرخ أي أحدٍ من تحت الركام، في هذا المبنى سبع مفقودين، لم يُعرف مصيرهم بعد. ويقول أحد عناصر الدفاع المدني لـ"المدن": "الناس تطايرت من المبنى المُستهدف ورفعت أشلاءها من الطريق، وهناك أشخاص احترقوا، وآخرين فقدوا. وسحبوا ثمانية ضحايا يوم أمس".
يتشابه المشهد في منطقة حي السلم، تحديدًا مدينة العباس التي لم يتركها سكانها على الرغم من التحذيرات الإسرائيلية اليومية. أحياء سكنية تحولت فجأة لكومة ركامٍ، يقف أحد سكان المبنى المدمر أمام الدمار، بصوت مرتجف ودمعة سريعة تتساقط على خديه يقول لـ"المدن": "ابني طالب جامعيّ عمره 20 عامًا، قتلته إسرائيل يوم الأربعاء، سقطت جدران المبنى على رأسه واستشهد. يرثيه بدموعه، يتلعثم بالأحرف الذي صارت ثقيلة بخروجها من حلقه. كنت أريد أن يكمل علمه ويتزوج، لكنه قُتل. ساعة واحدة فصلت بين الحياة والموت، بين الأمان والخراب، لو أن والده لم يخرج من المنزل، لكان المبنى تساقط على رأسه أيضًا".
بالقرب منه، تمشي امرأة وهي تتأمل الدمار الذي لحق بالحي. تُحدّق في الخراب. تنفعل غضبًا أمام عدسات الكاميرا التي أتت إلى المنطقة تلبية لجولة إعلامية نظمتها العلاقات العامة في حزب الله لوسائل الإعلام. تقول لـ"المدن": "أنا أقطن في الحي المُجاور، هذه المنطقة تعجّ بالسكان، غالبيتهم لم يتركوا منازلهم، إسرائيل ارتكبت مجزرة. حتى الذين نزحوا من بيوتهم هنا، يعودون كل يومٍ إليها لتفقدها، ويخرجون منها بعد كل تحذيرٍ. ما حصل لا يعدو كونه استهدافاً إسرائيليّاً لمبنى سكنيّ، بل يُطلق عليه مجزرة إسرائيليّة، فالموت تمدد على هذه المنطقة فيما لا يزال البحث جاريًا عن أنفاس أخيرة، أو عن أجسادٍ لم يُعرف هويتها بعد".




