بصوتٍ مُرتجف وخفيف، يرتفع صوت أحد الشبان من تحت الركام. ليس مشهدًا خياليًا أن تسمع صوت أي انسان يبكي تحت الركام ويطلب القليل من الهواء ليقاوم الموت، بل هو مشهد حقيقيّ يُجسد المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في مدينة بيروت يوم أمس، حين استهدفت العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية في أقل من عشر دقائق.
اكتظاظ سكانيّ
عشر دقائق كانت كفيلة بهدم عشرات الوحدات السكنية في لبنان، وبتشتيت آلاف العائلات، وبقتل مئات المواطنين. فالطائرات الإسرائيليّة ألقت بصواريخها في أكثر المناطق اكتظاظًا ومن دون إنذار أو تحذير.
للمرة الأولى، استهدفت إسرائيل منطقة الشياح. في لحظة سويت بعض المباني أرضًا، ولحقت أضرار كبيرة بالمحلات في منطقة مأهولة بالسكان.
عاينت "المدن" الأضرار في منطقتي الشياح وحي السلم. هناك، باغتت إسرائيل الأهالي الذين لم يتركوا منازلهم أصلًا خلال التهديدات بالإخلاء السابقة.
يروي حسن عوده لـ"المدن" اللحظات الاولى للاستهداف، فهو لم يغادر منزله في منطقة الشياح. يقول: "كنت نائمًا، شعرت بلهيب قويّ، ألسنة النار كأنها تطوّق البيت فجأة، عصف كبير ودخان أبيض وأصوات مُرعبة في كل البيت، للوهلة الأولى ظننت أن المنزل قُصف وهو يتدمر. يشعر المرء وكأن الموت اقترب منه على حين غرة، وهي اللحظات الأخيرة له. خبّأت وجهي بين كفيّ خوفًا من سقوط الجدار عليه، وعرفت بعدها أن الطائرات الإسرائيليّة استهدفت المبنى المقابل لمنزلي، الذي يبعد بضعة أمتارٍ عن شرفتي".
يتجول حسن داخل منزله، لم يبق شيء على حاله، تضرر المنزل بشكل كبير، الزجاج في كل مكان، رائحة البارود قوية. يقول لـ"المدن": "لم أغادر منزلي منذ بداية الحرب، لكن الآن لا أعرف أين عليّ الذهاب لأن منزلي لم يعد صالحًا للسكن".
منطقة صناعية
في هذا الشارع، تتوزع المحال التجارية وعشرات الكاراجات لتصليح السيارات. هي منطقة صناعية، كما يطلق عليها أبناء منطقة الشياح. هناك، تُباع كل القطع التي يحتاجها أي شخصٍ لسيارته. يقول عباس حرقوص لـ"المدن"، وهو صاحب كاراج لتصليح السيارات في الشارع نفسه: "إسرائيل تزعم أنها استهدفت بنية تحتية لحزب الله، لكن هذا شارع صناعي مليء بالكاراجات، الأضرار كبيرة جدًا، كل ما في محلاتنا تدمر، نحاول منذ فجر اليوم أن نسحب كل الخردة التي نجت من الصواريخ، حتى أن موظفاً يعمل لديّ كان نائمًا في الكاراج خلال القصف، فأصيب بجروح ونقل إلى المستشفى. الأضرار جسيمة جدًا. غالبية السكان كانوا في منازلهم لحظة الغارات الإسرائيلية. فهم يخرجون عند كل إنذار ويعودون بعد كل استهداف".
لا يختلف المشهد كثيرًا في منطقة حي السلم، التي سويت بعض مبانيها أرضًا. ففي مدينة العباس، لم يغادر أهلها منازلهم، حتى المتاجر لم تغلق أبوابها أبدًا، وبالرغم من الاستهدافات الإسرائيلية، أعاد التجار فتح كل محلاتهم هناك. جالت "المدن" في أحيائها، غالبية المتاجر مفتوحة، محال الثياب، كاراج لتصليح السيارات، محلات لبيع لوازم السيارات، متاجر لبيع اللحوم والدجاج، حتى محلات بيع الحلويات.. وكأن المنطقة لم تشهد قصفًا إسرائيليًا.
أمام الركام، تعمل الجرافات من دون توقف، يزيل السكان الركام بأياديهم. فالمبنى المستهدف كان مأهولًا بالسكان، ويبعد خطوات قليلة عن نهر الغدير، وبعض الأشخاص عالقون تحت الركام، وتُحاول عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر إغاثتهم، ويوجه الأهالي نداءات لتأمين جرافات إضافية لمساعدة العالقين. لكن الأزمة الكبرى تكمن في صعوبة وصول الجرافات. فأحياء مدينة العباس ضيقة جدًا، هي عبارة عن آلاف الوحدات السكنية المتلاصقة، وكأنها بقعة إسمنتية يصعب على أشعة الشمس اختراق شرفاتها.
يقول أحد السكان لـ"المدن" إن غالبية سكان المنطقة لم يغادروها، فإن الضائقة المالية منعت العدد الأكبر منهم من ترك منازلهم والنزوح إلى أماكن أخرى بسبب عدم وجود خيارات بديلة. أمام مبنى آخر مستهدف في المنطقة نفسها، يقف أب متأملًا عمل عناصر الدفاع المدني، فهو خسر أطفاله داخل المنزل بسبب الاستهداف الإسرائيليّ، ويعلق أمله الأخير على أن يبقى أي أحد على قيد الحياة من عائلته.
مأساة لم تُحصر في مكان جُغرافيّ واحد، شملت كل لبنان في آنٍ. في عشر دقائق تسببت إسرائيل بمجزرة نتج عنها قتل أكثر من 200 شخصٍ وإصابة أكثر من ألف.
