أهالي بيروت يلملمون ضحايا الأربعاء: يقفون أمام حياتهم تتهاوى

نغم ربيعالخميس 2026/04/09
Image-1775728451
أكثر من 90 جثة كانت ما زالت مفقودة الهوية، وتنتظر من يتعرف إليها (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد يوم دموي شهده لبنان يوم أمس، والذي سُمّي بـ"الأربعاء الأسود"، بدت بيروت صباح اليوم مدينة تسير على رؤوس أصابعها. الصمت لم يكن هدوءاً. كان تعباً، تعب فرق الإنقاذ بحثاً عن مفقودين، وتعب الأهالي، وتعب مدينة لم تنتهِ من عدّ خساراتها بعد.

كانت الشوارع أقل ضجيجاً من المعتاد، لكن أكثر امتلاءً بالوجوه القلقة. رجال يقفون أمام أبنية مفتوحة الواجهات كأنها بيوت بلا أسرار بعد الآن. نساء يحملن أكياساً صغيرة، لأن ما تبقّى صار قليلاً جداً.

عدد من الشهداء جرى سحبهم يوم أمس من تحت الركام. بعض الطرقات فُتحت على عجل لتسهيل مرور سيارات الإسعاف والجرافات، فيما بقيت طرقات أخرى مغلقةً بالحجارة والزجاج والذاكرة الثقيلة. وما زال البحث مستمراً عن مفقودين. أسماء ينادى بها بصوت مرتفع بين الركام: "لقيت زهراء؟" ويأتي الجواب بالنفي.. دائماً بالنفي.

Image-1775725325

في أحد الأزقة، كان رجل يرفع حجراً صغيراً بيديه العاريتين، ثم حجراً آخر. لم يكن يبحث عن شيء محدد. كان يبحث فقط. أكثر من 90 جثة كانت ما زالت مفقودة الهوية، تنتظر من يتعرف إليها. تنتظر اسماً، أو قطعة ثياب، أو خاتماً، أو صورة في هاتف مكسور تشير إلى صاحبها. في كل حيّ تعرّض للاستهداف، يأتي بعض الأهالي بصمت ثقيل، يحملون صوراً على هواتفهم، يسألون عنها كما لو أنهم يسألون عن طريق ضائع.

 

في المدينة حداد عام، لكن الحركة لم تتوقف تماماً. بيروت لا تعرف كيف تتوقف. تتحرك ببطء، بحذر، وبقلق ظاهر على وجوه المارة. سيارات ودراجات نارية تمرّ ببطء قرب الأبنية المدمرة، كأنها تخاف أن توقظ الركام. شرفات معلقة على حافة السقوط، ستائر تتحرك مع الهواء من دون نوافذ، وروائح الغبار والبارود ما زالت عالقة في الهواء، تلتصق بالملابس والأنفاس والذاكرة.

 

نساء ورجال عادوا إلى الأبنية المتضررة ليأخذوا ما تبقى. حقيبة صغيرة، أوراق ثبوتية، صورة عائلية، أو حتى قطعة ملابس لطفل.
امرأة خرجت تحمل إطار صورة فقط. شابّ خرج يحمل قفص طائر فارغاً.رجل أخرج جواز سفره، وبقي ينظر إلى الباب المكسور طويلاً قبل أن يمشي.

Image-1775718504

في كورنيش المزرعة، يقف صاحب موقف السيارات الذي دُمّر بالغارة الإسرائيلية أمام المكان كمن يقف أمام حياته نفسها وهي تتهاوى. يشير بيده إلى الفراغ حيث كانت السيارات مصطفّة. يقول إن خساراته كبيرة: سياراته وسيارات الزبائن، وأكثر من 20 ألف دولار نقداً كانت في سيارته، اختفت مع الضربة.
لا يرفع صوته. لا يحتج. فقط ينظر إلى الركام، كأنه يحاول أن يتذكّر أين كانت كل سيارة.

 

الدمار هنا هائل. خسارات لا تعدّ ولا تُحصى. فرق الإنقاذ والإسعاف تعمل منذ ساعات طويلة بلا توقف. وجوههم متعبة، وملابسهم مغطاة بالغبار. أحدهم جلس إلى طرف الرصيف لدقائق، شرب ماءً بسرعة، ثم عاد إلى الحفر. آخر كان ينادي بصوتٍ خافت: "في حدا سامعنا؟"

 

في تلة الخياط، يقف عبد القادر، الذي يعمل ويسكن في المنطقة منذ أكثر من عشرين عاماً، أمام الأبنية المتضرّرة. ينظر حوله طويلاً قبل أن يتكلم، كأن الكلمات تحتاج وقتاً لتخرج من هذا المشهد.


يقول: "كارثة، بكل معنى الكلمة. ما شفت أكتر من هيك إجرام". يصمت قليلاً، ثم يضيف: "خلقت أعرف الحرب… وسأموت أعرفها. تعبنا. ما عاد فينا نتحمل".

Image-1775725307

عيسى نقري، النازح من الشياح إلى منزل أخيه في كورنيش المزرعة، ما زال تحت أثر الصدمة. يقول إنهم احتاجوا نصف ساعة فقط "حتى نلقط نفسنا". يشير إلى الأبنية المتضرّرة ويضيف: "البناية والبيت تضرّرا. جينا ننفد بريشنا من الشياح… أكلنا نصيبنا هون".

كان يحمل كيساً صغيراً بيده. يقول إنه لم يجد غيره.

أما في عين المريسة، فكان وقع الضربة مختلفاً. البحر قريب جداً من الركام هنا. قريب إلى حدّ أنّ صوت الموج كان يصل إلى موقع الانفجار، كأنه يمرّ فوق الغبار. نحو 18 شهيداً سقطوا، فيما ما زالت عمليات البحث مستمرة لانتشال المفقودين.

 

منى سردوق تقول إنها لم تتوقع "ولو واحد بالمئة" أن تُستهدف المنطقة. كانت تعتبرها منطقةً هادئة، بعيدةً عن هذا النوع من القصف.

Image-1775716651


تقول: "أولاد طاروا من البناية… وفي ناس من أولاد المنطقة منعرفهم بعدهم تحت الردم". ثم تضيف بصوتٍ خافت، كأنها تسأل نفسها أكثر مما تسأل أحداً:"نحنا هلّق صرنا نخاف أكتر. إذا إسرائيل وصلت لهون يعني بعدها مستمرة. هيك رح نضل؟ الأولاد شو ذنبها؟".

في كورنيش المزرعة أيضاً، يختصر أحد السكان المشهد بكلمات قليلة: "هذا إجرام إسرائيلي. المنطقة سكنية ومدنية ومختلطة، وما إلها علاقة بشي". ثم يضيف:"نحنا متعودين على إسرائيل… ومتعودين على إجرامها".

لكن المدينة لا تعتاد على خساراتها بسهولة. لا تعتاد على أسماء تُنادى ولا يجيب أصحابها. ولا على أبوابٍ تُفتح ولا يعود منها أحد.

هكذا بدت بيروت بعد "الأربعاء الأسود". مدينة تمشي بين الركام ببطء، تبحث عن مفقوديها تحت الحجارة، وعن أسمائهم بين الجثث، وعن معنىً لكل هذا الخراب الذي صار، مرّةً جديدة، جزءاً من يومياتها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث