أسرع طارق اسماعيل الى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، بحثاً عن شقيقه المُصاب في استهداف البسطة. تلقى اتصالاً من الجيران، يفيدونه بأن المبنى الذين يتواجد فيه متجر شقيقه مروان (بناية السلام) لبيع الألعاب والادوات المنزلية، أصيب في استهداف إسرائيلي، ونُقل مروان الى أحد المستشفيات.
بدأ طارق بالاتصال بفرق الدفاع المدني، ليعرف وجهة نقل شقيقه. وصل الى الجامعة الأميركية، بعد المرور بعدة مستشفيات، حسبما يروي طارق لـ"المدن".
بحثٌ عن أخٍ
هنا، أمام باب الطوارئ في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، يقف طارق مرتبكاً وغاضباً. طمأنه الأطباء والممرضون عن صحة شقيقه، لكنه لا يزال مصدوماً من هول ما شاهده في تلك اللحظات. "كان المنظر مخيفاً… رأيتُ عشرات الأشخاص المصابين يتم نقلهم الى المستشفى"، في إشارة إلى حجم الخسائر البشرية التي خلّفتها الغارات في قلب العاصمة.
فور بدء الغارات، التي طالت العديد من المناطق في بيروت، اندفع سكان العاصمة للاستفسار عن أقاربهم. واندفع العديد منهم، من جيران وأقارب المباني المستهدفة نحو المستشفيات بحثاً عن أقاربهم، جراء انقطاع الاتصال بهم. أرادوا الاطمئنان عنهم وعن المصابين، بعد سلسلة الغارات الإسرائيلية. وعمّت الفوضى أجواء العاصمة، كذلك مداخل المستشفيات. تكدّس العشرات أمام مداخل المرافق الطبية، في مشهدٍ تختلط فيه الصدمة بالترقب.
عشرات الأشخاص يقفون أمام أبواب المستشفيات. أغلق الوافدون المداخل بأجسادهم، يحاول كل منهم استراق السمع لمعرفة مصير من يحب. الهواتف لا تتوقف عن الرنين. كلٌّ يسأل قريبه: "أين أنت؟". عناصر الدرك يحاولون تنظيم الفوضى، فيما يجول الطاقم الطبي في الممرات بصمتٍ ثقيل. يهول الممرضون، كلما سمعوا صفارة سيارة إسعاف.. وخلف القضبان ينتظر الأهالي بقلق، فيما تُفتح أبواب الطوارئ تباعاً لاستقبال الجرحى.
يعبّر الموجودون هنا عن غضبهم من الغارات، معتبرين أن ما جرى يؤكد أن إسرائيل "لا تلتزم بمفاوضات ولا باتفاقات، وأن همجيتها تتجاوز كل ذلك".
وبحسب وزارة الصحة أدت الغارات التي نفذها العدو الإسرائيلي في مختلف المناطق اللبنانية، في حصيلة غير نهائية إلى 112 شهيدا و837 جريحا. ويكون هذا اليوم الدامي أكبر حصيلة للشهداء والمصابين في يوم واحد منذ العام 2024، نتيجة تفجيرات أجهزة البايجر، أو نتيجة الضربات الجوية المتزامنة في 23 أيلول في أولى أيام الحرب الموسعة.
أما المديرية العامة للدفاع المدني، فأعلنت أرقاماً مرتفعة، وذلك بناء على المعطيات المتوافرة لدى مراكزها المنتشرة على الأراضي اللبنانية، كما قالت في بيان. وقد توزّعت الشهداء والجرحى بحسب الدفاع المدني على:
بيروت: 92 شهيداً و742 جريحاً
ضاحية بيروت الجنوبية: 61 شهيداً و200 جريحاً
بعلبك: 18 شهيداً و28 جريحاً
الهرمل: 9 شهداء و6 جرحى
النبطية: 28 شهيداً و59 جريحاً
قضاء عاليه: 17 شهيداً و6 جرحى
صيدا: 12 شهيداً و56 جريحاً
صور: 17 شهيداً و68 جريحاً
وأعلن الدفاع المدني ارتفع العدد الإجمالي إلى 254 شهيدًا و1165 جريحًا. وأكد أن عناصره يعملون على تنفيذ عمليات الإسعاف وإخلاء الجرحى، ونقل الشهداء من المواقع المستهدفة، إضافة إلى إنقاذ عدد من المواطنين الذين كانوا محتجزين تحت الأنقاض، وذلك في ظل ظروف ميدانية بالغة الخطورة والتعقيد.
بنك الدم في الواجهة
هذا المشهد، يوازيه مشهد إنساني، بات شعاراً للبنانيين عند كل أزمة من هذا النوع. في داخل المستشفى، بدا بنك الدم يستقبل المتبرعين. المصاعد لا تهدأ، يتنقل المتبرعون صعوداً إلى الأقسام المخصصة لعطاء الدم. كثيرون حضروا من دون أن يكون لهم قريب مصاب، بدافع إنساني بحت. إحدى السيدات وجّهت عبر "المدن" نداءً عاجلاً: "تقدّموا للتبرع بالدم، فالمستشفى بحاجة إلى جميع الفئات". طلاب وشبان اصطفوا في طوابير طويلة، فيما انشغل الطاقم الطبي بتنظيم عملية التبرع ونقل الدم إلى المصابين.
بين الألم والسخرية
اللافت في هذا المشهد بأكمله، أن المستشفى الذي كان على قائمة الأهداف الايرانية بالقصف في الاسبوع الماضي، بعد استهداف الجامعات الإيرانية، بات وجهة اساسية لإسعاف الناس، وملتقى لجمع المتبرعين بالدم وإنقاذ الأرواح. يؤشر أحد المتبرعين الى هذا الواقع بسخرية وألم. "هنا كلنا لبنانيون، المستشفى لبناني، والمصابون لبنانيون.. هذه الواقعة وحدها، كفيلة بدعمنا جميعاً لحماية منشآتنا، من اي جهة جاء التهديد".
وتمنت وزارة الصحة من جميع المواطنين تخفيف الازدحام في أحياء العاصمة بيروت، سواء أمام المباني المستهدفة أو أمام المستشفيات، وذلك افساحا في المجال لأولوية الإنقاذ والاسعاف. كما ناشد نقيب الأطباء في بيروت الياس شلالا جميع الأطباء، كلّ ضمن اختصاصه، التوجه إلى المستشفيات لتقديم المساعدة، بعد الأعداد الكبيرة من الإصابات، داعياً إلى أداء "الواجب الطبي والإنساني في هذه اللحظات الصعبة".
هكذا بدت بيروت اليوم: مدينةٌ تتقاطع فيها الدماء والانتظار والغضب، بينما تواصل سيارات الإسعاف نقل الجرحى إلى أبواب الطوارئ.




