الأشرفية قبل الحرب.. القوة والفتوّة أداءٌ مسرحي

محمد أبي سمراالثلاثاء 2026/04/07
Image-1775464137
من أجواء الملاهي الليلية في بيروت السبعينات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحلُّ الذكرى الـ 51 لبداية الحروب الأهلية أو اللعنة اللبنانية، فيما البلاد المنكوبة والمنقسمة غارقة في واحد من أقسى فصول الحرب الإقليمية: أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران و"حزب الله" اللبناني الإيراني من جهة أخرى. وهي حرب مستمرة منذ عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 1923، وما تلاها من حرب إبادة شنتها إسرائيل على غزة.

وهناك من يرجح أن ما بدأ في لبنان في 13 نيسان 1975، بل بعد هزيمة إسرائيل جيوش 3 دول عربية مع المشروع العروبي الناصري في حزيران 1967، أرهص بتحول الحروب الأهلية "نظامًا سياسيًا" في بلدان عربية كثيرة، كان لبنان أولها، من دون حسبان الأردن لأن حربه الأهلية انتهت سريعًا لتستوطن مديدًا وحتى الساعة في لبنان. 

بل هناك من يرى أن الحروب الأهلية الإقليمية الملبننة شكلت صورة مسبقة لما آلت إليه سياسات القوى الدولية الكبرى والإقليمة الفاعلة في العالم: توطين سياسات الهوية والحروب الأهلية والحروب بالوكالة، وجعلها سياسة دولية وإقليمية.

 

أما كل ما قيل عن مزايا لبنان النموذج والمثال -"الصيغته الفريدة"، "الجسر بين الشرق والغرب والحضارات والشعوب والأديان"، "اللقاء والتعايش بين المذاهب والثقافات، اختلاطها وتمازجها"، "رسالة السلام والمحبة"... وصولًا إلى "حسبي أني من جبل هو بين الله والأرض كلام" (سعيد عقل) بعد مديحه وتمجيده الشام/دمشق- لم ينقلب إلى عكسه فحسب، بل بينت الوقائع أنه لم يكن سوى أضغاث أحلام أو كلمات، أو "كلام الليل الذي يمحوه النهار"، ليس بنوره وإنما بسواده.

ثم إن نظرة سريعة خاطفة إلى حال عالمنا اليوم، تبيّن أن الوعود الوردية التي صاغها العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن أكثر من "حلم ليلة صيف". وربما كان ما حصل ويحصل في لبنان حتى الساعة، بشيرًا بأول قتلى ذاك الصيف.

في هذه المناسبة من السواد المستمر، نحاول هنا استعادة صور ووقائع وشهادات لبدايات حروب لبنان في سنتيها الأوليين (1975- 1976)، كما حصلت تفصيليًا في شوارع وأحياء منطقة محددة. 

وليس اختيار الأشرفية لهذا النوع من التأريخ "التحتي"، التفصيلي الميكرو سوسيولوجي، إلا من باب المصادفة: توفر مادة من الشهادات الحية عنها من مصادر متنوعة.

ونستهل هذا العمل التسجيلي بحلقة أولى ترسم صورًا وملامح سريعة للأشرفية قبل بداية الحرب. 

 

لماذ "الأشرفية بتضيّع"؟

"الأشرفية بتضيّع"، عبارةٌ شاعت عنها قديمًا، والأرجح أنها بدأت تتردد على ألسنة سكانها المحدثين الوافدين إليها من مناطق أخرى، وسواهم من العابرين فيها بسياراتهم، إذ تراءى لهم أن شوارعها تقودهم في متاهة تنغلق عليهم ويصعب خروجهم منها. وقد يكون سبب ذلك نظامُ سير السيارات المعتمد باتجاه واحد في شوارع الأشرفية (عشرات الشوارع). وهي ضيقة متعرجة غير مستقيمة، تصعد وتهبط، وكثيرة الالتفافات والتقاطعات والتفرعات التي تجعلها شبيهة بمتاهة عنكبوتية، يصعب على من لم يخبر نظام السير فيها ويألفه أن يهتدي ويصل إلى مكان أو عنوان يقصده فيها، إلا بعد لأي. 

أما شوارعها التي يزدوج سير السيارات عليها في اتجاهين، فثلاثة فقط: اثنتان شبه متوازيين ويصعد أحدهما (سُمي جادة شارل مالك بعد وفاة الرجل سنة 1987) من ساحة الدباس (قبل الحرب سنة 1975) في وسط بيروت، وينحدر وصولًا إلى طرف برج حمود. ويصعد الآخر (شارع الاستقلال) من ساحة بشارة الخوري في السوديكو إلى ساحة ساسين، وينحدر منها إلى مجرى نهر بيروت. وكلاهما يخترقان الأشرفية من غربها إلى شرقها. أما الثالث (مار متر) فيصل بينهما، صاعدًا من طرف حي التباريس قريبًا من مدرسة الحكمة إلى ساحة ساسين، ثم ينحدر منها وصولًا إلى المستشفى الفرنسي (أوتيل ديو) وقصر العدل جنوبًا. 

وساحة ساسين قمة تلة الأشرفية. وهي تشكل مع محيطها القريب مركزها التجاري. وفيها تتقاطع ومنها تتفرع بعض الشوارع ذات الاتجاه الواحد، ويتقاطع فيها أيضًا شارعا مار متر والاستقلال الذي يشطر الأشرفية ويقسمها إلى قسمين: قسم قريب من وسط بيروت، يضم أحياء الصيفي، التباريز، حي بيضون (وحده سكانه مسلمون سنة)، مار متر، السراسقة، الجميزة، مار مخايل، الرميل، الجعيتاوي، البدوي، والمدور، وصولًا إلى تخوم المسلخ والكرنتينا قرب مرفأ بيروت. أما القسم الآخر فيضم أحياء الأشرفية العليا: مستشفى الروم، ساسين، السيوفي، فسوح، نزولًا إلى كرم الزيتون أو السريان، فالعدلية والمتحف.

 

ملامح سكانية واجتماعية

والأشرفية منفصلة جغرافيًا عما يتاخمها ويجاورها. فهي ليست معبرًا أو ممرًا إلى سواها من المناطق، إلا فيما ندر. 

السكان الأقدم زمنًا، كي لا نقول سكانها الأصليين، هم من المسيحيين الأرثوذوكس. أما الموارنة، الأحدث سكنًا وإقامة فيها، فتوافدوا إليها من أنحاء جبل لبنان منذ مطالع القرن التاسع عشر، وصاروا غالبية سكانها الذين طبعوا نمط الحياة الاجتماعية والسياسية فيها. وهم يتوزعون على درجات السلم الطبقي، من الفئات الشعبية إلى الوسطى الواسعة عددًا، والمقبلة على الانخراط في دورة حياة مدينية، بلا تردد ولا مصاعب.

فآل سرسق (في الحي المشهور باسم عائلتهم التي كانت صاحبة ثروة دولية معولمة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في الحقبة الأخيرة من عهد الإمبراطورية العثمانية، أو "رجل أوروبا المريض"، الذي كان يقترض المال من عائلة سرسق لتمويل خزينته المفلسة) وآل بسترس -وهما العائلتان الأرثوذوكسيتان الأرستقراطيتان والأقدم عهدًا والأشهر في الأشرفية- كانت حياتهما مترفة باذخة في قصورهما التي كانت موئل ما سُمي "الصالون السياسي البيروتي" بقطبيه المسيحي والمسلم. وذلك منذ أن صارت بيروت مركز ولاية عثمانية (1888). وفي الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) كان قائد الجيش العثماني الرابع، جمال باشا، يحلّ ضيفًا على موائد أحد قصور السراسقة في مناسبات كثيرة. وأيام الانتداب الفرنسي (1920- 1943) وحتى نهاية عهد كميل شمعون الرئاسي (1958)، ظلت تلك القصور من مواطن الصالون السياسي البيروتي واللبناني، إلى جانب قصور القنطاري وزقاق البلاط. 

ومن تلك القصور كانت تتسرب صور طقوس حياة سكانها وأخبارهم التي كانت تفعل فعلها في مخيلة أبناء الفئات الاجتماعية الأخرى في بيروت كلها.

 

على الطرف الاجتماعي الطبقي والجغرافي المقابل لحي السراسقة وحياتهم المترفة الباذخة في قصورهم، هناك حياة أبناء جماعة السريان المتواضعة، وفي المرتبة الاجتماعية الأدنى في الأشرفية. ويقطن السريان في حيّين اثنين: حي قريب من العدلية، وكرم الزيتون على طرف الأشرفية الشمالي، الذي يخالطهم فيه سكان متواضعون من جماعات أخرى. 

وكان كثيرون من شبان السريان يحترفون ألعابًا رياضية شعبية: كرة القدم، المصارعة الحرة، كمال الأجسام، ورفع الأثقال. وفي بدايات الحرب الأهلية كان هؤلاء من أشرس المقاتلين وأشدهم مراسًا وبأسًا. ويحضر في هذا السياق الاجتماعي "حي السلام" الشعبي الطابع، والذي استمد اسمه المتداول محليًا من "نادي السلام الرياضي" لكرة القدم ونجومه من الشبان الأرثوذوكس المقيمين في الحي. 

وبين هذين الطرفين الاجتماعيين المتقابلين -ترف قصور السراسقة وآل بسترس الارستقراطي من جهة، وشعبية حي السلام وسريان كرم الزيتون من جهة أخرى- هناك أشرفية الطبقة الوسطى الواسعة بتدرجاتها، وبغالبيتها المارونية الوافدة واالمتوطنة المستقرة، والتي طبعت بطابعها نمط حياة الأشرفية العامة في الستينات والسبعينات: منزل مرتب، عائلة نواتية أو مصغّرة يتراوح عدد أفرادها بين 3 و5 أشخاص كحد أقصى، سيارة خاصة، منزل في الجبل للاصطياف، عمل في وظائف إدارية ومهن حرة، تعليم الأبناء في مدارس إرسالية فرنكوفونية اللغة، بمعزل عن مكوناتها وقيمها الثقافية الفرنسية... إلخ. 

 

مفارقات الهجرة إلى بيروت

هكذا تحولت الأشرفية منطقة كثيفة السكان، غلب على الإقامة فيها أسلوب حياة الطبقة الوسطى المسيحية، المنتظمة والمستقرة في دورة حياة مدينية محلية وأدوارها. فأبناء هذه الطبقة تخلّو تدريجيًا عن تنظيم حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية الموروثة عن مصادرهم أو منابتهم الريفية السابقة في جبل لبنان، من دون أن يعرِّضهم ذواؤها لا لرضة نفسية وعاطفية، ولا لشعور ممض بالانسلاخ عن المنبت الريفي، ولا بالتمزق في المدينة التي أقبلوا على الإقامة والعيش فيها بلا رضوض ولا فقد ولا مكبوتات. 

وقد يكون سبب ذلك أن نمط الحياة الريفية، وخصوصًا في مناطق جبل لبنان الجنوبي (أقضية المتن وعاليه والشوف)، كانت قد بدأت تتمدن منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بفعل توسع نشاط التعليم الإرسالي فيها، وصناعة الحرير وتجارته، وصلتها القوية بمدينة بيروت. لكن على الرغم من هذا كله، لم يتوقف الأدب اللبناني الحديث عن مديح الريف والطبيعة الريفية ونمط الحياة القروية وقيمها وإعلائه من شأنها، في مقابل ذمّه قيم الحياة المدينية، ترذيلها والحطّ من شأنها. وهذا على خلاف الوئام الاجتماعي والنفسي الذي طبع، في الواقع الحي، حياة الوافدين من جبل لبنان إلى مدينة بيروت. 

وقد يلتقي أدب جبل لبنان المحدث في بيروت مع الأدب الجنوبي البيروتي في كونها يذمّان المدينة وقيمها، ولو على نحوين مختلفين. ومثال هذا كله حال الهجرة الشيعية الجنوبية والبقاعية إلى بيروت وضواحيها. وهي أحدث زمنًا بنحو قرن من هجرة الموارنة إلى الأشرفية. 

فالهجرة الجنوبية طبعتها رضّة اجتماعية "درامية"، أفصح عنها في أواخر ستينات القرن العشرين الشاعر محمد العبدالله، حين كتب قصيدة عنوانها "بيروت"، فنالت جائزة للشعر في كلية التربية- الجامعة اللبنانية، وخاطب فيها المدينة قائلًا: "بيروت يا بنت الحديد الصلب/يا بنك الدماء الآسيوية (...) أي موت شدّ رجليّ إلى ظهري/ رماني/ عند قدميك أبيع الضحك/ أزني بالأغاني/ لست أمي/ إنما أنت خياناتي لأمي/...". وفي أواخر السبعينات كتب أيضًا: "الدم الزراعي مات/ رأيت دمًا بفصلين/ فصل تراجع إلى الحكاية/ وفصل يصير إلى ما لا نهاية". 

 

زعران وقبضايات

بين حرب 1958 الأهلية الصغيرة والأخرى الكبيرة التي بدأت جولاتها في 13 نيسان 1975، ظهرت في بعض شوارع الأشرفية شلل صغيرة من فتيان الشوارع (الزعران). أما قبضايات الأحياء الذين كانت تربطهم مصالح وولاءات برجال السياسة وزعمائها، فكانوا أسبق عهدًا من حرب 58 وصاروا "نجومها" في الأشرفية بمواجهة منطقتي البسطة على التلة التي تقابلها في غرب بيروت، والخندق الغميق المتصل بوسط المدينة. 

كانت أندية فليبرز وبلياردو ومقاه محلية وأندية رياضية، ملتقى شلل فتيان الشوارع التي ينخرط فيها طلاب مدارس فاشلون ومتسربون منها. وأخذ قبضايات يستميلونهم ويستعملونهم لأغراضهم في الأحياء. وكان العنف الجسماني واللفظي شبه المسرحي لغة هذه الشلل التعبيرية في الشارع. لكن زعران الأشرفية غالبًا ما كانوا يتحدثون عن زعران آخرين يهابونهم، وأشد منهم قوة وشكيمة وبأسًا وفتكًا، ويشكلون مثالاتهم بصورهم شبه الخرافية في مخيلاتهم: إنهم زعران الأرمن في برج حمود. وكان هؤلاء يحترفون استخدام أمواسٍ وبونات، وأحيانًا مسدسات، كأسلحة ترعب زعران الأشرفية، شأن السكاكين التي كانت تلازم صورة عرب المسلخ الذين كانوا يعملون لحامين في مسلخ بيروت القريب.

 

كان لدى زعران الأشرفية ميل إلى استعراضٍ جسماني أو بدني شبه مسرحي، أكثر بكثير من ممارستهم العنف الفعلي أو الحقيقي الذي يتطلب أو ينطوي على قوة أو طاقة داخلية مستبطنة. وقد يكون ميلهم ذاك "فني" ومستوحى من رياضة كمال الأجسام التي تستعرض تناسق الجسم الجمالي وليس قوته. والزعرنة أو الفتوّة في هذه الحال، إيحاءٌ بالقوة يكاد يقتصر على أداء خارجي، مداره وميدانه اللغة واللهجة والسلوك والزي وأشكال حركات الجسم الاستعراضية كلها في الغالب وعلى العموم. وهذا للتعبير عن رغبة في التميز والجاذبية والتباهي بالجسم والشخصية الفردية. 

كأنما الفتوّة لدى فتيان الأشرفية وشبانها تتميز بصناعة دور وشخصية يؤديان على مسرح أمام مشاهدين، أكثر مما هي إقدام على العنف الذي يصدر عن شراسة غرائزية ورثاثة اجتماعية، ويفضي بمن يمارسونه ويحترفونه إلى هامشية قصوى وخروج على سوية اجتماعية. وقد يعكس ما يتميز به فتوّة الأشرفية المتوسط، طبيعة مجتمعها المديني والطبقي الذي تغلب فيه الفئات الوسطى.

وربما يفيد في هذا السياق تمييز السيمولوجي رولان بارت بين محترفي الملاكمة والمصارعة الحرة. فهو يرى أن المصارعَين يؤديان على الحلبة عرضًا جسمانيًا أدائيًا يُظهر قوتهما وحركاتهما البدنية على نحو استعراضي خالص. وهذا على خلاف الملاكمَين اللذين يغيب الأداء الاستعراضي عن مواجهتهما، ويتربص كل منهما بالآخر على حلبة الملاكمة، فينطوي على نفسه، ولا يستعرض جسمه ولا قوته على نحو خارجي، بل يستبطن القوة في داخله لحماية أعضاء جسمه الحساسة.   

 

نموذج مافيوي للقبضايات

إلى جانب هؤلاء الزعران أو الفتوّات الاستعراضيين الذين كانت شللهم تلابس مشهد الحياة اليومية في بعض شوارع الأشرفية، كان هناك القبضايات المحترفون الذين اشتهروا كـ"نجوم" وأصحاب حظوة فيها، وتجاوزها صيتهم إلى بيروت كلها. وكان يدير هؤلاء وينظم نشاطهم رجال نافذون محليًا، ومن بطانة الزعماء السياسيين أو الأجهزة الأمنية الرسمية، وغالبًا ما كانوا مفاتيح انتخابية ومخاتير وأصحاب محطات وقود ومقاه شعبية في بعض الأحياء. 

من نماذج هؤلاء القبضايات- النجوم في الأشرفية، أحدهم الشبيه برجال المافيا، وكان من أتباع المكتب الثاني = مخابرات الجيش في العهد الشهابي بعد حرب 1958. وقد جاراه أخوه الأصغر حتى تفوق عليه في "القبضنة"، فكان مصيره القتل في ملهى ليلي بمنطقة الزيتونة. أما أخوه الأكبر فكان يملك محطة محروقات، ويتعاطى التهريب على رأس عصبة من أتباعه الذين كانوا يقتنون بنادق أوتوماتيكية (بومب أكشن) ويعتمرون قبعات على غرار أفراد عصابات المافيا في الأفلام السينمائية، فلا تخلو ممارستهم العنف من أداء استعراضي. 

 

كان هذا القبضاي مرهوب الجانب، ومحبوبًا من أهالي بعض الأحياء الذين يخشونه ويتجنّبونه مع رجال عصبته وينفرون منهم. لكن الأهالي إياهم كانوا، من وجه آخر، يتقربون منه ويطلبون مساعدته لحل بعض مشكلاتهم في دوائر إدارية حكومية، ولا سيما في المحاكم، فيلبي طلباتهم. وهو كان كريمًا مقدامًا وصاحب نخوة، فيستغيث به بعض أهل الضعف والهوان، فيغيثهم ويستميلهم ويكسب ولاءهم. وغالبًا ما كان أهالٍ كثيرون يختمون شكواهم وتذمرهم من ظلمه وقهره وتسلطه في حالات كثيرة، بقولهم إنه "ابن حكومة" و"أيدو طايلة". ولا بد أن تحضر في هذا السياق العبارة الشائعة في حالات التظلّم: "اليد التي لا تقوى على رد ظلمها عنك، قبّلها وادعُ عليها بالكسر". وقد تكشف هذه العبارات وأمثالهاعن حقيقة موقف الأهل وموقعهم من أصحاب السطوة والقوة، وممن هم في بطانة أجهزة حكومية، ويستمدون منها سطوتهم وقوتهم اللتين غالبًا ما لا يجد الأهل سبيلًا إلى مواجهتهما وردهما عنهم وتداركهما، إلا بالحيلة والتواطؤ، أو بالتجنّب والرضوخ. 

ومن الأمثلة على علاقة هذا القبضاي بأجهزة السلطة الحكومية وبالأهالي أن من كلّفه من رجال عصبته بتصفية رجل آخر منها، لم يمكث أكثر من شهر واحد في السجن. ولما خرج منه عاد إلى مزاولة "مهنته"، ثم تزوج وأنجب أطفالًا وسكن في الحي الذي كان يقيم فيه القتيل، كأن شيئًا لم يكن. 

أما ما تبقى في ذاكرة ومخيلة عارفي شقيق القبضاي الأصغر، قتيل ملهى الزيتونة الليلي، فيكاد يكون مشهدًا سينمائيًا خالصًا من أفلام المافيا، ويدغدغ أحلام من يعرفونه ورغباتهم: شاب ساحر. بهي الطلعة والإطلالة. أنيق الملبس، ببذلة بيضاء وقبعة أميركية من اللون نفسه. وها هو يقود سيارته الأميركية الحمراء المكشوفة، وإلى جانبه فتاة أوروبية من فتيات عالمه الليلي الكثيرات في ملاهي الزيتونة. ومن دون أن يفتح ذاك الشاب الساحر باب سيارته، يقفز فوقه، ويخرج منها في حركة استعراضية ساحرة. 

والمشهد السينمائي الشبيه بسينما الواقع من أداء هذا للشاب المافيوي، لم يكن سحره ليقلَّ في مخيلات روايات شبان وفتوات في الأشرفية، عن مشهد تشييعه الذي كان حدثًا مشهودًا ومهيبًا فيها وفي بيروت، شأن مقتله في ملهى الزيتونة الليلي.

لكن هذا السحر كله سرعان ما قضت عليه الحرب وأزالته إلى متحف الذكريات الجميلة. 

(يتبع)

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث