"كود الأضرار الجانبية": المدنيون وقود الحرب الخوارزمية

نافع سعدالاثنين 2026/04/06
Image-1775313015
الآلات تراقب وتقرر وتوجه، بينما يقتصر دور القادة على التنفيذ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على مدى عقود، جرى الترويج لمفهوم "الحرب الدقيقة" بوصفه ارتقاءً نحو صراعات أكثر إنسانية، عبر تقليص هامش الخطأ البشري وتحييد المدنيين. وساد اعتقاد ساذج بأن بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي سيؤرّخ لعصر الحروب "المطهّرة"، نزاع ينحصر بين مجالين آليين في حلبة تقنية تحاكي الحلبات الرومانية. غير أنّ المشهد الدامي في الشرق الأوسط اليوم، وقبله حرب الإبادة في غزّة، يُثبت أنّ المدنيين ليسوا مجرّد ضحايا على هامش الحرب الخوارزمية، بل هم في صميم حساباتها.


أدّى الدمج بين الذكاء الاصطناعي المتقدّم والمنظومات القتالية المستقلّة إلى تشكّل ما يُعرف بـِ "كود الأضرار الجانبية" (The Collateral Code)، وهو إطار تقني-اجتماعي تتجاوز فيه سرعة تطوير هذه الأنظمة القتالية الأطر القانونية الراهنة، وتُستَخدم فيه "الدقّة" ذريعةً لرفع "عتبة التسامح" حيال الضحايا المدنيين. فبعد أن قلّصت الدقّة حسابياً الأضرار الجانبية، يُوسّع النظام دائرة أهدافه لتشمل أهدافاً محتملة جديدة. إنّ المنطق الذي يُدير هذه الأنظمة لا يكتفي بتعزيز كفاءة الجندي، بل يُحلّ النسق الإحصائي البارد للخوارزمية محلّ تبصّر القائد العسكري، مولّدًا بيئةً لا يُمثّل فيها القتل الجماعي إخفاقاً في النظام، بل نتاجاً برمجياً مقصوداً.

 

شهر التفاوت الأكبر
تُقدّم بيانات الشهر الأول من الحرب الحالية شهادةً على الفجوة التكنولوجية بين أطراف الصراع. فمنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة الأولى، توسّعت حصيلة القتلى المدنيين بسرعة توحي بتبنّي نهج صناعي لتصفية البشر. ففي لبنان، أكدت بيانات وزارة الصحة مقتل أكثر من 1345 شخصاً في مطلع نيسان 2026، وهو رقم مرشّح للارتفاع انفجارياً في ظل تصاعد الاشتباكات جنوباً وما يرافقها من كثافة في الغارات. أما في إيران، فالوضع لا يقل فداحةً، إذ تشير تقديرات حقوقية مستقلة إلى تجاوز الحصيلة عتبة 3500 قتيلاً، بينهم 1606 مدنياً جرى تأكيد هوياتهم، مع نسبة كبيرة من الأطفال. وتبرز هذه الأرقام التفاوت الصارخ مع الخسائر المدنية في المقلب الآخر، التي لا تزال دون الثلاثين قتيلاً، بالرغم من الضربات الانتقامية الإيرانية الواسعة التي شملت آلاف المسيّرات والصواريخ.


هذا التفاوت ليس نتاجاً لنقص في نوايا الإيلام الإيرانية، بل هو التجسيد المادي لـِ "الدرع الحسابي" (Computational Shield)، حيث أدى دمج أنظمة "باتريوت" و"ثاد" في شبكات إنذار واعتراض تعمل بالذكاء الاصطناعي، وتمتد من الخليج العربي إلى تل أبيب، إلى حاجز شبه تام أمام الأسلحة التقليدية، بينما تُستخدم المنظومة التكنولوجية ذاتها لتحديد وتصفية آلاف الأهداف في لبنان وإيران. ففي أول 24 ساعة من عملية "الغضب الملحمي" وحدها، نُفّذ ما يقرب من 900 ضربة؛ وهي وتيرة عملياتية كان من المستحيل تحقيقها بشرياً من دون دمج أنظمة مثل "مافن" (Maven) و"لافندر" (Lavender) التابع للوحدة 8200.

 

داخل كود الأضرار الجانبية
تُعدّ المنظومات القتالية القائمة على الذكاء الاصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبل" (The Gospel) جوهر هذا النموذج، إذ تعمل كـ"مصنع أهداف" يُحوّل التمييز بين المدني والمسلّح إلى احتمال إحصائي قائم على بيانات المراقبة. يمنح "لافندر" تصنيفاً من 1 إلى 100 لكل فرد بناءً على احتمال انتسابه لجيش أو جماعة مسلّحة، مستنداً إلى بيانات مثل استخدام الهاتف والنشاط الرقمي والاستخبارات البشرية. وقد أنتج في ذروته قائمةً تضم 37,000 هدف بشري محتمل، مع هامش خطأ يقارب 10 في المئة، أي نحو 3,700 مدني صُنّفوا كأهداف.


في المقابل، يركّز "غوسبل" على البنية التحتية، مقترحاً أهدافاً من المباني والمنشآت للقصف. وقد غيّر دمج هذه الأنظمة وتيرة العمليات جذرياً، إذ انتقل التوليد من نحو 50 هدفاً سنوياً إلى 100 هدف يومياً، يُستهدف نحو 50 في المئة منها خلال ساعات.


ولا يقتصر "كود الأضرار الجانبية" على كونه منطقاً تقنياً، بل يعكس خياراً سياسياً، حيث تُحدَّد مسبقاً "عتبات تسامح" للخسائر المدنية. فمقابل كل هدف "صغير" حدّده "لافندر"، سُمح بقتل 15 إلى 20 مدنياً، بينما ارتفعت العتبة إلى أكثر من 100 مدني في استهداف الشخصيات الرفيعة، كما في ضربات 28 شباط. وفي هذا الإطار، ومع جمع هامش الخطأ البالغ 10 في المئة إلى "عتبات التسامح" هذه، يتكشّف بوضوح نهج القتل الصناعي.

 

أسطورة التحذير
يُقدَّم "التحذير"، أو ما يُعرف بأوامر الإخلاء، بوصفه ركيزة في القناع اللغوي للذبح الآلي. فخلال العدوان على لبنان، يستشهد الجيش الإسرائيلي بإصدار التحذيرات كدليل على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، غير أنّها تقتصر على استهداف البنية التحتية لحزب الله؛ أي مخرجات "غوسبل"، ولا تشمل استهداف الأفراد ضمن منظومة "لافندر".


ويمثّل نظام "أين أبي؟" (Where's Daddy) التطبيق الأكثر ترويعاً لهذا المنطق، إذ يتتبّع الأفراد المصنّفين ويحدّد لحظة عودتهم إلى منازلهم. ولا يُعدّ استهدافهم في منازلهم خياراً عرضياً، بل مقصوداً لسهولة ضرب هدف ثابت يمكن التنبؤ به، ما يؤدي عملياً إلى تدمير عائلات كاملة، وأحياناً الجيران. ويُختزل الإشراف البشري إلى "ختم موافقة" لا يتجاوز 20 ثانية لكل هدف، يكتفي خلالها المشغّل بالتحقق من موقع الهدف ضمن التطبيق دون مراجعة جوهرية للمعطيات. وبهذا، تتحوّل ساحة المعركة إلى فضاء يُدار فيه وجود المدنيين كمتغيّر إحصائي، لا كقيد أخلاقي.

 

الكفاءة الخوارزمية والبعد الإنساني
هناك ثمن إنساني يتجاوز الخسائر المباشرة الناتجة عن هذا الجنوح الخوارزمي. فقد أشار ضباط الاستخبارات الذين استخدموا نظام "لافندر" إلى أن "برود" الآلة يجعل عملية القتل الجماعي أكثر سهولة، إذ تصبح مهمتهم أشبه بـِ "آلية تصديق". ووصف أحد الضباط امتلاكه ثقة أكبر بـِ "الآلية الإحصائية" مقارنة بزميل متردد، مشيراً إلى أن الآلة تنجز عملها من دون التأثيرات الضبابية للعاطفة البشرية.


تأتي هذه "الكفاءة" على حساب البعد الإنساني. فاختزال البشر إلى "درجات استهداف" و"نسب أضرار جانبية" يمثل انتصاراً للآلة على القانون. في الحرب الحالية، تم ضغط دورة "راقب-وجّه-قرر-نفذ" (OODA Loop) إلى خطوتين فقط: الآلات تراقب وتقرر وتوجه، بينما يقتصر دور القادة على التنفيذ. هذا التحوّل أصبح جزءاً أصيلاً من عقيدة الحرب الحديثة، فالاعتماد المتزايد على القرارات المؤتمتة في ساحة المعركة يتحدى أطر حوكمة الأمن العالمي والقوانين الإنسانية.

 

وتتجلّى العواقب المادية لهذا التحوّل في التدمير الواسع للمناطق الحضرية في لبنان والضربات المدمّرة في إيران. وتكمن المفارقة هنا في استخدام ذخائر ثقيلة عالية التدمير على أهداف حدّدها الذكاء الاصطناعي، يُفترض أن تكون جراحية، لكن ما يحدث هو العكس، إذ تقود أحدث أنظمة الاستهداف أكثر وسائل القتل واسعة النطاق. وتُدمَّر أبنية كاملة لقتل شخص واحد.

 

إفلات "السحابة" من العقاب

قدّم الشهر الأول من حرب 2026 دليلاً حاسماً على "كود الأضرار الجانبية"، إذ لم يخرج المدنيون من دائرة الاستهداف، بل خرج القادة العسكريون من دائرة المساءلة. فقد أوجد الإنتاج الآلي الفائق للأهداف عالماً صارت فيه قوانين الحرب إجراءات شكلية تُستوفى بـِ "ختمٍ مطاطي" لا يتجاوز عشرين ثانية، ويُعتبر القتل الجماعي للمدنيين جزءاً محسوباً ضمن المنطق الإحصائي للآلة.


التفاوت الصارخ لشهر آذار 2026؛ أي الفارق بين آلاف القتلى في لبنان وإيران والأمان النسبي للسكان المحتمين بـِ "الدرع الحسابي"، يشكّل جوهر هذه الحرب وليس هامشها. غدت "السحابة" جلاداً ودرعاً في آن واحد، توفر البيانات للاستهداف وقوة الحوسبة للدفاع، بينما تظل صندوقاً أسود لا تستطيع أي محكمة دولية استجوابه، ولا تملك أي ضحية حق استئنافه.


التحدي الجوهري للقرن الحادي والعشرين يكمن في استعادة القانون الدولي السيطرة على "الكود"، قبل أن تحوّل سرعة الآلة مفهوم المحاسبة إلى أثر قديم مهجور. بالنسبة للعائلات التي فجعت بفقدان أحبائها لمجرد أن جارهم كان على قائمة استهداف "لافندر"، كان قرار الخوارزمية نهائياً قبل أن تظهر الطائرة المسيّرة أو الحربية في السماء، وهذا ليس تفصيلاً.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث