درويش لـ"المدن": مظلّة "اليونسكو" تحمي الآثار من جرائم الحرب

رنا البايعالجمعة 2026/04/03
Image-1775204655
باتت المواقع الأثرية الموسومة بالدرع الأزرق والأحمر بحماية القانون الجنائي الدولي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بينما ينشغل لبنان بمعارك الدفاع عن حدود الجغرافيا، ثمّة حربٌ أخرى أشدّ خبثاً تخوضها اسرائيل، لا تستهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل تسعى لاغتيال التّاريخ.

 

لم يكن استهداف محيط موقع "البص" الأثري في مدينة صور مؤخراً، ولا الاهتزازات التي طالت أعمدة بعلبك في عام 2024، مجرد أضرار جانبية، بل هي فصولٌ في استراتيجية ممنهجة لمحو الشواهد التي تمنح هذه الأرض هويتها.

 

أمام خطر "المحو" هذا، لم تعد حماية المواقع الأثرية اللبنانية مجرّد ترفٍ ثقافي، بل تحوّلت إلى ضرورة وطنية قصوى. لذا لم تكتفِ الدبلوماسية اللبنانية بدور المراقب، بل قادت بعثة لبنان جهوداً بالتنسيق الوثيق مع وزارة الثقافة، وانتزعت قراراً وُصف بـ"التاريخي والاستثنائي" خلال الاجتماع الاستثنائي الخامس للجنة حماية التراث في باريس. فأُدرج 39 موقعاً أثرياً وثقافياً تحت الحماية المعزّزة بالإضافة إلى الـ 34 الموضوعة عام 2024 ليبلغ العدد الإجمالي 73 موقعاً. وبهذا يتصدّر لبنان عالمياً قائمة الدول التي تحظى مواقعها بأعلى درجات التحصين القانوني ضدّ الهجمات والاستخدام العسكري. كما أقرّ طلب المساعدة المقدّم من لبنان لتنفيذ القرار المعتمد ووضع الدرع الأزرق والأحمر على جميع المواقع التي تمّ تسجيلها.

 

نجاح الدبلوماسية اللبنانية

القوة القانونية لهذا الإنجاز تستمدّ زخمها من "بروتوكول عام 1999" المنبثق عن اتفاقية لاهاي لعام 1954، وهو الإطار الدولي الأكثر صرامة في توفير الحماية المعزّزة. "وما يرفع من شأن هذا القرار هو الإجماع المطلق والسريع من قِبل الدول الأعضاء الـ 12، الذين صادقوا في وقت قياسي على ملفات تقنية أعدّتها المديرية العامة للآثار بجهدٍ جبار واحترافية عالية"، تشرح لـ"المدن" المندوبة الدائمة للبنان لدى الأونسكو السفيرة هند درويش.

 

وتشير إلى أنّه في عام 2024 تم تسجيل 34 موقعاً كانت محصورة في الجنوب والبقاع، أما في الطلب الأخير، ونظراً لشعور الدولة بخطر يهدّد كل لبنان، تمّ رفع العدد إلى 73 موقعاً أثرياً تشمل كافة المناطق من عكار وطرابلس شمالاً وصولاً إلى أقصى الجنوب.

 

وتلفت درويش إلى أن "استهداف محيط الموقع الأثري في صور (منطقة "البص") كان له أثر كبير في تسريع وتيرة طلب الحماية المعززة، لشعور المعنيين بخطر داهم يحيط بالمواقع حتى وإن لم تُقصف مباشرة، وكان جرس إنذار حقيقي دفعنا للتحرّك استباقياً لتأمين حماية شاملة لا تستثني أي معلم ذي قيمة إنسانية".

 

شارة الحماية

من الناحية الإجرائية، الحماية المعزّزة تعني أن هذه المواقع الأثرية والثقافية أصبحت تحت مجهر القانون الجنائي الدولي، ما يوجب التزاماً باحترام القوانين وتحييد هذه المواقع عن الأعمال العدائية. وتشرح درويش: "عملياً، يتم وضع شارة "الدرع الأزرق والأحمر" على الموقع، وتُعمّم إحداثياته دولياً ولدى الأطراف المتنازعة، وقانونياً يُصنف أي اعتداء على موقع يحمل هذه الشارة كـ"جريمة حرب" ويُعرض الجهة المعتدية (سواء كانت دولة أو أفراداً) للملاحقة القانونية الدولية بموجب اتفاقية لاهاي".

 

علاوة على ذلك، سيوفر قرار "اليونسكو" دعماً فنياً ومالياً ملموساً لتعزيز هذه الحماية، حيث خصّصت مبالغ تزيد عن 100 ألف دولار أمريكي من صندوق الطوارئ التابع للمنظمة لدعم الإجراءات التقنية الوقائية، مثل تحسين إدارة المخاطر الميدانية وتقديم تدريب تخصّصي للعاملين في القطاع الثقافي وحتّى العسكريّ حول كيفية تحييد هذه المعالم أثناء العمليات الحربية.

 

إن قائمة المواقع الـ 73 تمثل "أرشيفاً حياً" للحضارات التي تعاقبت على أرض لبنان. وهذا الاعتراف الدولي بها كممتلكات ثقافية ذات "قيمة إنسانية استثنائية" يعطي بصيص أمل للبنان، ويؤكد أن حماية الآثار اللبنانية هي مصلحة إنسانية مشتركة، ويضع مسؤولية كبيرة على عاتق الجميع للحفاظ على هذا الإرث وتوريثه للأجيال القادمة، تشير درويش.

 

تحدّيات التصنيف

في ظلّ تصاعد العدوان الإسرائيلي وتوسّع رقعة الخطر لتشمل كافة الأراضي اللبنانية، كشف مستشار وزير الثقافة المهندس جاد تابت لـ"المدن" عن جهود استثنائية تبذلها الفرق الفنية لتعزيز حماية المعالم التاريخية. وأوضح أن هذه الملفات أعدّت في وقت قياسي لم يتجاوز 15 يوماً، نظراً للحاجة الملحّة لإظهار "القيمة العالمية الاستثنائية" لهذه المواقع أمام اليونسكو. وعن خصائص الموقع الاثري، يشير تابت إلى تحديات إدراج موقع أثرى على لائحة الجرد الوطنية في مديرية الآثار، اذ لا بدّ للموقع أن تكون له قيمة وطنية وأثرية استثنائية. وعزا تأخّر بعض الملفات إلى تعقيد الشروط الدولية، حيث تشترط اليونسكو خلوّ الموقع تماماً من أي مظاهر عسكرية وتعهّداً رسمياً من قيادة الجيش ووزير الدفاع بعدم استخدامه لأغراض حربية لضمان حمايته.

 

وحول جدوى هذه الإجراءات في ردع العدوان، أجاب تابت:" إن وضع "الدرع الأزرق والأحمر" يمثّل عامل ضغط دولي، وعلى الرغم من أن اسرائيل قد تتجنّب استهداف المواقع مباشرة لتفادي الإدانة الدولية، إلا أنها تعمد إلى القصف في المحيط القريب (كما حدث في بعلبك وصور)، مما يؤدي إلى تضرّر البنية الإنشائية للآثار بفعل الاهتزازات"، وهو ما وصفه بـ "البروبغندا" التي تحاول إظهار الالتزام بالقوانين بينما الواقع يثبت العكس.

 

جغرافية الذاكرة

في قرار لجنة حماية التراث أضيف على اللائحة السابقة 39 موقعاً أثرياً موزعة على مختلف المحافظات. ففي بيروت، شملت الحماية المكتبة الوطنية اللبنانية، ومركز "بيت بيروت" الثقافي ومستودع التحويطة الأثري. وفي الجنوب تضمنت المواقع المضافة تل شواكير الأثري، صور- موقع مغارة قانا الأثري- نصب قبر حيرام الأثري- مركز صيدا التاريخي( تجمع خان الإفرنج ودير تراسنطا- خان القشلة- تجمع قصر دبانة-وقصر صاصي وخان صاصي- تجمع حمام الشيخ وجامع الكيخيا- كنيسة مار نقولا (سان نيكولا)- متحف عودة للصابون- الجامع العمري الكبير- حمام الورد)- وسراي الشهابي في حاصبيا.

أما في البقاع فشملت الحماية هرم الهرمل- معبد بكا- موقع دكوة الأثري- معبد دير العشاير- تل كامد اللوز الأثري- موقع نبي صفا الأثري- موقع نيحا الأثري. وفي الشمال، تمّ تحصين موقع عرقة الأثري- قلعة فليسيوم ودير سيدة القلعة- معبد مقام الرب- مدافن منجز - مركز طرابلس التاريخي (تجمع جامع المنصور الأثري- تجمع المدارس المملوكية- جامع البرطاسي- جامع التوبة- جامع طينال- تجمع حمام الجديد- تجمع حمام عز الدين- تجمع خان العسكر- تجمع خان الصابون وحمام العبد- سوق حراج - برج برسباي. وفي جبل لبنان أضيف موقعا حمانا وشحيم الأثريين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث