في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم يكن الموت يوماً حدثاً استثنائياً في حياة الأسرى الفلسطينيين. تاريخياً، ارتبطت منظومة الاعتقال الإسرائيلية بالتعذيب والإهمال الطبي والقتل تحت التحقيق، لكنّ هذه الممارسات كانت تُدار دائماً تحت عناوين ملتبسة: "خطأ فردي"، أو "حادث عرضي" داخل التحقيق؛ أي إنها بقيت، لسنوات طويلة، خارج التشريع الرسمي… وداخل الممارسة اليومية.
القتل كمسار مفتوح
بين الأعوام 1967 و2023 استُشهد نحو 130 أسيراً فلسطينياً تحت التعذيب أثناء التحقيق. لكن خلال سنتين ونصف السنة فقط منذ اندلاع الحرب الأخيرة في تشرين الأول 2023، ارتفع العدد إلى نحو 90 أسيراً، في مؤشر حاد إلى انتقال سياسة القتل داخل السجون من هامش معتم إلى مسار مفتوح. واليوم، مع إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، تنتقل هذه السياسة من حيّز الإنكار إلى حيّز التشريع.
فقد أقرّ الكنيست، مساء الاثنين، قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 نائباً، في خطوة تُعدّ تحوّلاً نوعياً في التعامل مع ملف الأسرى: من سياسة القتل غير المعلن إلى تثبيت الإعدام كعقوبة رسمية داخل المنظومة القانونية الإسرائيلية.
ووفق نص القانون، تصبح عقوبة الإعدام شنقاً إلزامية بحق كل من "يتسبب عمداً في وفاة شخص آخر بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل"، على أن يُنفّذ الحكم خلال 90 يوماً من صدوره، مع إمكانية تأجيل التنفيذ بقرار من رئيس الوزراء، شرط ألا يتجاوز مجموع فترات التأجيل 180 يوماً.
من التعذيب إلى التشريع
عملياً، لا يشكّل القانون قطيعة مع ما كان قائماً داخل السجون الإسرائيلية، بقدر ما يشرعن مساراً طويلاً من الانتهاكات. فمنذ احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة في العام 1967، قُتل عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات الإسرائيلية نتيجة التعذيب، أو الإهمال الطبي، أو خلال لحظة الاعتقال نفسها.
في الحرب الأخيرة على غزة تشير مؤسسات الأسرى الفلسطينية إلى أن منذ العام 2023 إلى اليوم، استشهد حوالى 90 أسيراً خلال سنتين ونصف السنة، وذلك وسط تصاعد غير مسبوق في سياسات الاعتقال الإداري، واحتجاز آلاف المعتقلين من دون توجيه تهم، وفي ظروف وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها غير إنسانية.
خلال تلك المدة، أكد أسرى أُفرج عنهم حديثاً، تعرّضهم للتنكيل والتجويع والضرب، وظهور آثار التعذيب على أجسادهم، إضافة إلى إصابة عدد منهم باضطرابات نفسية حادّة نتيجة ظروف الاعتقال.
الأسرى اللبنانيون أيضاً
الخطر نفسه لا يقتصر على الأسرى الفلسطينيين. لا يزال أكثر من 20 أسيراً لبنانياً محتجزين في سجون الاحتلال من دون معلومات واضحة عن مصيرهم، في ظل منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتهم، وهذا ما يجعلهم عملياً في وضع أقرب إلى "رهائن" خارج أيَّة رقابة إنسانية دولية.
ويحذّر رئيس مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا من أن "الخطر الذي يهدد الأسرى الفلسطينيين يهدد أيضاً الأسرى اللبنانيين، وهذا ما يستوجب رفع الصوت عالياً من الحكومة اللبنانية الصامتة، ومن المدافعين عن حقوق الإنسان".
قانون الإعدام… كاشف أزمة
بالنسبة إلى الأسير المحرّر أنور ياسين، فإن إقرار قانون الإعدام لا يمكن قراءته إلا في سياق الأزمة العميقة داخل إسرائيل نفسها. ويقول لـِ "المدن": "نحن تحرّرنا بالجسد، لكن جزءاً كبيراً منا ما زال يتألّم ويحمل همّ الأسرى الحاليين". ويصف ما يحصل اليوم بـِ "تصعيد خطير جداً. فهذا القانون يعبّر عن أزمة عميقة داخل الكيان الصهيوني. في السابق كانت هذه الممارسات موجودة، لكن من دون تشريع رسمي، اليوم أصبحت سياسة معلنة".
ويضيف: "رهاننا يبقى على قوى المقاومة، في فلسطين ولبنان، وعلى كل الدول الداعمة لحق الشعب الفلسطيني".
صمت رسمي وغضب حقوقي
في المقابل، ترى المستشارة الحقوقية شهناز غياض أن إقرار قانون الإعدام يشكّل لحظة اختبار للموقف العربي الرسمي والشعبي. وتقول إن "هذه أكثر قضية إنسانية، لأن هؤلاء الأسرى مظلومون ويدافعون عن كرامة أمة ويضحّون".
وتضيف أنَّ "الإدانة والاستنكار لا يكفيان أمام قرار إجرامي كهذا اتخذته حكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. المطلوب وقفة غضب عربية شاملة".
وتنتقد غياض الصمت العربي الرسمي والديني، معتبرةً أن "استمرار هذا الصمت أمام الإعدام يجعل الصمت نفسه جريمة".
من سياسة الإهمال إلى سياسة الإعدام
في المشهد الأوسع، لا يبدو قانون إعدام الأسرى حدثاً معزولاً. فهو يأتي في سياق تصعيد شامل داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية، التي انتقلت خلال الحرب الأخيرة من سياسات الإهمال الطبي والتعذيب والتجويع، إلى محاولة تثبيت الإعدام كأداة قانونية ضمن منظومة الردع.
وفي ظل استمرار احتجاز آلاف الأسرى في ظروف قاسية، ومنع الزيارات الدولية عن عدد منهم، وغياب أي ضغط سياسي فعلي لوقف هذا المسار، تبدو السجون الإسرائيلية اليوم واحدة من أكثر جبهات الصراع صمتاً… وأكثرها خطورة.
