وسط مشهد النزوح المتكرر في لبنان، حيث تتحوّل المدارس إلى مراكز إيواء، والحقائب إلى خزائن حياة مصغرة، لا تظهر المبادرات الاجتماعية بوصفها أعمالًا خيرية عابرة، بل كجزء من بنية الصمود اليومية. في هذه المساحة الرمادية بين الحرب والحياة، تتقدّم مبادرات أهلية صغيرة الحجم كبيرة الأثر، وتعيد تنظيم الحدّ الأدنى من الكرامة المعيشية للنازحين.
في هذا السياق، برزت حملة "معطف" التي انطلقت عام 2023 كمبادرة إنسانية من مؤسسة هاني فحص الاجتماعية، التابعة لأكاديمية هاني فحص للحوار والسلام، لتكون واحدة من التجارب التي وُلدت من الحاجة المباشرة، وتوسّعت تدريجيًا مع اتساع رقعة النزوح وتفاقم آثار الحرب.
شبكة دعم ميدانية
بدأت حملة "معطف" بفكرة بسيطة: توفير الدفء للنازحين خلال أشهر الشتاء، عبر توزيع الحرامات والثياب الأساسية. لكن مع تطوّر الأحداث وتزايد موجات النزوح، لم تعد الحملة محصورة بالإغاثة الشتوية، بل تحوّلت إلى إطار دعم ميداني مستمر، يواكب الحاجات اليومية للعائلات النازحة.
انطلقت الحملة بالتعاوت مع المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ومبادرة "ريفنا"، مستندةً إلى رمزية وطنية وإنسانية ترتبط باسمَي هاني فحص وحبيب صادق، بما يحملانه من دلالات عابرة للانقسامات السياسية والطائفية.
هذا البعد الرمزي لم يكن تفصيلاً ثانويًا في عمل الحملة، بل شكّل جزءًا من هويتها، باعتبارها مبادرة تسعى إلى تقديم دعم إنساني غير مشروط، يستهدف العائلات المتضرّرة من دون تمييز.
توسّع العمل مع اتساع النزوح
مدير المبادرة مصطفى فحص يوضح لـ"المدن" أن الحملة بدأت عملها خلال "حرب الإسناد الأولى"، مركّزةً على تأمين الحاجات الأساسية للنازحين، قبل أن تتوسّع لاحقًا مع اشتداد الحرب واتساع حركة النزوح.
حجم الأزمة فرض توسيع نطاق العمل ليشمل نحو ألف عائلة، بدعم من متبرعين ومانحين، وبمساندة من الهيئة العليا للإغاثة، ما سمح بتوسيع مروحة المساعدات لتشمل مواد أساسية تتجاوز الثياب والحرامات. يقول "في هذه الحرب توسع نشاطنا أكثر. هذه الحرب أكثر ضراوة من السابقة، وحركة النزوح أكبر. وتمكنا من توسيع مروحة العمل لتشمل 1000 عائلة من خلال إمكانيات متبرعين ومانحين ومساعدة الهيئة العليا للإغاثة".
ويضيف أن العمل لا يقتصر على النازحين في مناطق الإيواء الكبرى، بل امتدّ أيضًا إلى العائلات التي بقيت في قراها، خصوصًا في منطقة النبطية، ضمن إطار حملة موازية حملت اسم "صمود"، ركّزت على دعم من اختاروا البقاء رغم المخاطر الأمنية والضغوط المعيشية.
كما شمل العمل الميداني نازحين في إقليم الخروب والشوف وبيروت ومحيطها، حيث يجري تأمين ما أمكن من الحاجات الأساسية ضمن الإمكانات المتاحة.
دعم العائلات
من جهته، يشير مسؤول مبادرة "ريفنا" الدكتور علي مراد إلى أن جزءًا كبيرًا من العمل الإغاثي يتركّز على العائلات التي نزحت إلى بيوت مستأجرة أو استُضيفت لدى أقارب ومعارف، لا تلك الموجودة في مراكز الإيواء الرسمية فحسب.
ويشرح أن هذه الفئة غالبًا ما تكون أقل ظهورًا في المشهد الإغاثي، رغم أنها تتحمّل أعباء مالية كبيرة مع مرور الوقت، إذ تستنزف مدّخراتها تدريجيًا كلما طال أمد النزوح.
ويضيف أن "الأيام الأولى للنزوح كانت الأكثر إلحاحًا من حيث الحاجة إلى الفرش والحرامات والمستلزمات الأساسية، قبل أن تتغيّر طبيعة الاحتياجات لاحقًا مع استمرار الأزمة وتحولها إلى حالة طويلة الأمد".
ويؤكد أن "المبادرة تعمل بالتعاون مع هيئات محلية مختلفة داخل لبنان، إضافة إلى شراكات مع جهات داعمة مثل مؤسسة "استدامة"، فضلًا عن مساهمات عينية مباشرة من متبرعين أفراد".
العودة باعتبارها أولوية اجتماعية لا مطلبًا سياسيًا
في مقاربة تتجاوز الإطار الإغاثي المباشر، يضع مراد مسألة العودة إلى القرى في صلب العمل الاجتماعي للمبادرة، معتبرًا أن عودة الناس إلى مناطقهم ليست تفصيلاً ثانويًا في مسار الأزمة، بل شرطًا أساسياً للحفاظ على كرامتهم الاجتماعية والاقتصادية. ويقول "عودة الناس إلى قراهم غير قابلة للتفاوض والمقايضة ولا التنازل، لأن عودتهم هي التي تحفظ لهم كرامتهم وتأمين قوتهم من تعبهم رزقهم".
ويشير إلى أن استمرار النزوح لفترات طويلة يهدّد قدرة العائلات على تأمين مصادر رزقها، ويزيد من هشاشتها الاقتصادية، ما يجعل دعم العودة جزءًا من استراتيجية العمل الميداني والاجتماعي في المرحلة المقبلة. ويقول: "همنا العودة. وما نعيشه هو حالة استثنائية نتعامل معها. وتركيزنا بالسياسية والعمل الميداني والاجتماعي هو لعودة الناس ودعم صمودهم في المرحلة المقبلة".
بين محدودية الإمكانات واتساع الحاجة
رغم توسّع العمل الميداني، تبقى الفجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتوافرة، وفق ما يؤكد العاملون في المبادرتين، إذ إن الطلب على المساعدات يفوق القدرة على الاستجابة في كثير من الأحيان.
وفي هذا الإطار، يوجّه القائمون على المبادرات دعوة مفتوحة إلى الراغبين في تقديم تبرعات عينية، مؤكدين أن عملية التوزيع تتم وفق آليات واضحة وشفافة، وبالتنسيق مع شبكات محلية تتيح الوصول إلى العائلات.
في ظل هذا الواقع، تبدو هذه المبادرات، رغم تواضع إمكاناتها، أشبه بشبكات أمان اجتماعي غير رسمية، تنشأ في لحظة الغياب المؤسسي، وتحاول أن تحافظ على الحدّ الأدنى الممكن من الاستقرار الإنساني في زمن النزوح المفتوح.
