تتموضع الحرب اليوم في منطقة برزخية، فلا هي امتداد للتراث العسكري التقليدي الذي نظّر له كارل فون كلاوزفيتز، ولا انقضت كلياً نحو أفق "ما بعد الإنسان"، كما أنها لم تتحرر تماماً من نزعة العنف البشري الكامنة. ما نشهده ليس قطيعة، بل انزياحاً بنيوياً عميقاً في طبيعة الصراع، حيث صارت الساحة الميدانية شبكة متصلة من بيانات ورصد مستمر، تتكامل فيها المستشعرات والخوارزميات والمنصات النارية في منظومة فائقة الاستجابة. لم يعد الفعل العسكري مجرد عمل ميداني، بل أصبح نتاجاً مباشراً لتدفق البيانات وتحليلها.
الضباب يعيد تعريف نفسه
ظلّ مفهوم "ضباب الحرب" (Fog of War) الذي ابتكره كلاوزفيتز يحكم التفكير العسكري قرنين من الزمن، مشيراً إلى حالة عدم اليقين والارتباك في الميدان. اليوم، تمنح تقنيات الذكاء الاصطناعي رؤية شاملة، لكنها لا تزيل الضباب، بل تعيد تشكيله في هيئة "ضباب خوارزمي". فالمصادفة والاحتكاك لم تعد مفاهيم ميدانية فقط، بل برمجية أيضاً؛ فالبيانات نفسها يمكن أن تتحوّل إلى حقل ألغام من التضليل والهلوسة الرقمية، والأنظمة الأكثر تطوراً ترتكب أخطاءً لا يمكن التنبؤ بها. بهذا يصبح اليقين التكنولوجي وهماً هشاً يخفي وراءه فوضى أعقد وأصعب في السيطرة.
في الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يبرز خطر "استبداد التكتيك"، حيث تغري الدقة المتناهية للأسلحة القيادات السياسية بالاعتقاد بأن النجاح الميداني (تدمير هدف، اغتيال قائد) هو نجاح استراتيجي تلقائياً. لكن الثابت تاريخياً أن تكديس الانتصارات التكتيكية لا يضمن تحولًا سياسياً مستداماً. الخوارزمية تحسن "الوسيلة" لكنها لا تدرك "الغاية"؛ فهي تستطيع تدمير البنية التحتية للخصم، لكنها لا تستطيع بناء شرعية سياسية بديلة أو إرغام الخصم على القبول بتسوية أو اتفاق.
أوهام السيطرة وفخ التصعيد
تبرز هنا معضلة نفسية وتقنية تُعرف بـ"انحياز الأتمتة" (Automation Bias)، إذ يميل البشر إلى الوثوق المفرط في قرارات الأنظمة الآلية حتى عند وجود دلائل متناقضة. في هذا الإطار، لا يتجاوز دور البشر في "الحلقة" (Human-in-the-loop) الإقرار النهائي لقرارات صيغت مسبقاً داخل الأنظمة، ما يعزز وهم السيطرة.
يجادل روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، بأن هذا الإغراء ينبع من النجاح التكتيكي العالي للذخائر الموجهة بدقة، حيث يولد إحساساً بالنصر عند تدمير مبنى أو اغتيال قائد، رغم أن هذه النجاحات غالباً ما تؤدي إلى تفولذ المدافعين وتقود إلى ردود فعل عنيفة وتصعيد الصراع.
في مقاله في Foreign Affairs حول الحرب مع إيران، يوضح روبرت بيب أن ما يجري لا يمنح الولايات المتحدة التفوق، بل يُدخل جميع الفاعلين في "فخ التصعيد"، حيث يتحول النجاح التكتيكي إلى محرك لتوسيع الحرب، ويتجلّى في ثلاث مراحل:
-المرحلة الأولى: "مطرقة منتصف الليل" وأزمة اليورانيوم الإيراني
في 22 حزيران 2025، نفذت الولايات المتحدة عملية "مطرقة منتصف الليل" لاستهداف مرافق تخصيب اليورانيوم في فوردو ونطنز وأصفهان، مستخدمة قنابل خارقة للتحصينات من طراز GBU-57 بوزن يقارب 14 طناً، إلى جانب قاذفات شبحية B-2 ومقاتلات F-35 وF-22. ورغم الدقة، فشلت العملية في إزالة التهديد الاستراتيجي الحقيقي، إذ جرى نقل اليورانيوم المخصب إلى مواقع سرية خارج متناول الضربات.
- المرحلة الثانية: "الغضب الملحمي" وقطع رأس القيادة
في 28 شباط 2026، أطلقت الإدارة الأمريكية عملية "الغضب الملحمي" لاستهداف القيادة الإيرانية، بمعدل نحو 1000 طلعة يومياً. ورغم مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يؤد الفراغ القيادي إلى انقلاب موالٍ للغرب، بل إلى "تصعيد أفقي" وسّع نطاق الصراع، خصوصاً عبر تهديد مضيق هرمز وإمدادات النفط، وتصاعد الضربات الصاروخية على إسرائيل ودول الخليج العربي.
- المرحلة الثالثة: عتبة التدخل البري والإرهاب العالمي
مع استمرار الحملة الجوية دون حسم استراتيجي، بدأ النقاش حول نشر القوات البرية، ما يمثل بحسب روبرت بيب المرحلة الأكثر خطورة من فخ التصعيد، حيث قد تلجأ إيران في المقابل إلى نمط انتقام عالمي غير متماثل، عبر خلايا سرية تستهدف المصالح الغربية حول العالم، بما يتخطى التكتيكات الإيرانية المعهودة في إدارة الوكلاء الإقليميين، فتفقد القنابل الذكية فعاليتها في صراع لامركزي.
دينامية استبداد التكتيك
يخلق "فخ التصعيد" بمراحله الثلاث، كما يصفه روبرت بيب، مأزقاً جوهرياً في سبيل تحقيق الغايات الاستراتيجية للحملة العسكرية الأمريكية. فرغم التقارب الظاهري في المصالح بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن "استبداد التكتيك" الإسرائيلي يقوم على استراتيجية تدمير كافة الأصول القابلة للتفكيك، بما يشمل تصفية القادة والمفاوضين الإيرانيين؛ وهو ما يضع صانع القرار الأمريكي أمام معضلة كبرى. فبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل انهيار النظام الإيراني ممراً محتملاً لتأمين مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، والذي يكفي بحسب التقديرات لإنتاج 16 رأساً حربياً، بينما تنظر إسرائيل إلى هذا الانهيار بوصفه سبيلاً وحيداً ليس فقط لتحييد التهديد النووي بل أيضاً للتفكيك الشامل لمنظومة الوكلاء وعلى رأسهم حزب الله، وليس فقط تجريده من سلاحه.
وبعد تعثر عملية "الغضب الملحمي" في إحداث الانهيار المنشود، يجد الرئيس ترامب نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما السعي نحو اتفاق يضمن تجريد طهران من اليورانيوم المخصب ويحول دون قدرتها على التخصيب مجدداً، أو الهروب نحو الأمام عبر التماهي مع الطموحات الإسرائيلية الرامية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بـ "النموذج الغزاوي"؛ بكل ما يستلزمه ذلك من نشر للقوات البرية، والمغامرة بنقل الصراع إلى الأراضي الأمريكية، وتحمل أكلاف اقتصادية باهظة، ومزيد من الخسائر البشرية والعمرانية.
البيانات كذخيرة التكتيك
في العصر الرقمي، تحولت البيانات إلى "الذخيرة الجديدة"، وصار التحكم في تدفقها معادلاً حديثاً للسيطرة على المرتفعات. تُحوّل البيانات الضخمة الميدان إلى أهداف دقيقة، حيث تُستغل ثغرات الشبكات لبناء بروفايلات المقاتلين والقادة واستهدافهم بدقة متناهية. هذا الدمج اللحظي بين الصور والبيانات يقلص الزمن بين الرصد والضرب إلى دقائق، لكنه يرسخ "استبداد التكتيك"؛ إذ يوهم القادة بأن السيطرة على التدفق المعلوماتي تعني بالضرورة السيطرة على مسار الحرب. غير أن الاعتماد الكلي على هذه البنية يمكن أن يعرض الجيوش لـ "العمى التكتيكي"؛ فقدان وصلة بيانات واحدة يمكن أن يحوّل وحدات متطورة إلى كيانات عاجزة. كما أن غزارة البيانات تمنح تفوقاً تقنياً، لكنها لا تمنح وضوحاً استراتيجياً.
في المحصلة، تتجه الحروب الحديثة نحو سيادة خوارزمية شاملة، تتآكل فيها الأدوار البشرية أمام هيمنة الشبكات الذكية وسرعتها الفائقة، والتأثير الخوارزمي هنا ليس فقط عسكرياً بل سياسياً أيضاً. إلا أن المخرج من "فخ التصعيد" والتحرر من "أوهام السيطرة" لا يكمن في مراكمة الانتصارات التكتيكية أو كفاءة التدمير، بل في استعادة السياسة لمركزيتها بوصفها الضابط الوحيد لإيقاع الحرب؛ فالفرق الجوهري بين تدمير الهدف والوصول إلى الغاية يكمن في القدرة على تحويل الفعل العسكري إلى واقع سياسي مستدام.




