بين الترحيب بالنازحين ورفضهم: هل تنجو طرابلس من الانقسام؟

جمال محيشالثلاثاء 2026/03/31
Image-1774691013
رفض الشيخ الرافعي استقبال النازحين في مدارس منطقة "أبي سمراء" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُخطئ القراءات التي تحصر مشهد النزوح في طرابلس بـِ "أرقام الوافدين" أو "حجم المساعدات". خلف هذه العناوين، مدينة تحاول احتواء تداعيات حرب لم تخترها، لكنها وجدت نفسها في قلب ارتداداتها. وبين مراكز إيواء تفتقر للحد الأدنى، ومخاوف أمنية تتصاعد، تقف عاصمة الشمال أمام اختبار صعب: كيف توازن بين واجبها الإنساني وهواجس الأمان؟

 

أعداد قليلة وخطط بديلة

تُشير الأرقام التقديرية إلى أن عدد النازحين المسجلين في 13 مركز إيواء رسمياً يقتصر على 1450 نازحاً، فيما يبقى الثقل الأكبر للنازحين "مستتراً" في الشقق المستأجرة ولدى المعارف والأقارب. وتُقدر أعداد هؤلاء بأكثر من 10 آلاف نازح، تماشياً مع المؤشر الوطني الذي يظهر أن أكثر من 80% من نازحي لبنان يقطنون خارج مراكز الإيواء الرسمية. ورغم أن الأرقام الحالية في مراكز الإيواء لا تزال تحت السيطرة تقنياً ولوجستياً، إلا أن المصادر الإدارية في المدينة كشفت عن وضع "خطة ب" استباقية لمواجهة أي "انفجار نزوحي" مفاجئ قد يطرأ مع اشتداد التصعيد. وتقضي هذه الخطة بفتح مدارس رسمية جديدة لتجنب سيناريو افتراش الطرق، وضمان استيعاب الموجات البشرية الضخمة المتوقعة.

 

مرض وبرد وصمت

في مدرسة "الجديدة الرسمية"، تسقط الشعارات الرنانة عند عتبة الصفوف التي تحولت إلى ملاجئ قسرية. هنا، التقينا بأبي محمد، النازح من ضاحية بيروت الجنوبية، الذي يختصر مأساة جُلّ النازحين، هو الذي لم يحمل معه من حطام منزله سوى ذكريات الهرب المريرة من محيط مركز "القرض الحسن" المستهدف.

 يقول أبو محمد: تركت البيت على عجل، تركت كل شيء، حتى "حبة الدواء التي تسند جسدي المنهك بمرض السكري"، ليجد نفسه في مواجهة عدوٍّ جديد لا يقل ضراوة عن القصف.

 

القاطنون في هذا المركز يعانون من ثالوثٍ قاتل: غيابٌ حاد للأدوية المزمنة يترافق مع انعدام تام لوسائل التدفئة، في ظل برد قارس لا تكسر حدّته بطانية رقيقة أو جدران متهالكة. يضاف إلى ذلك شحّ المستلزمات الأساسية في غرفٍ خالية إلا من عزة نفس أصحابها، يقابلها صمت المسؤولين الذين يكتفون بإحصاء أعداد النازحين دون الالتفات إلى حاجاتهم اليومية.

 

مفارقة جغرافية بلون طائفي

تتحدث المصادر الإدارية الرسمية المعنية بملف الاستجابة عن "مفارقة جغرافية"غريبة. ففي الوقت الذي تفيض فيه شوارع بيروت الإدارية وساحلا المتن وبعبدا بأعداد هائلة من النازحين الذين يفترشون الأرصفة، لا تزال مراكز الإيواء المُعدّة في طرابلس والكورة وعكار والضنية تسجل أعداداً خجولة نسبياً، ولم تصل بعد إلى قدرتها الاستيعابية القصوى.

هذا التفاوت بالأعداد في توزع النازحين، وإن حاول البعض تبريره بالأعذار اللوجستية، إلا أنه يصطدم في العمق بجدار صلب من "المخاوف المتزايدة". 

 

رفض وترحيب بالنازحين!

هذه المخاوف لم تعد مدفونة، بل عبّر عنها الشيخ عمر الرفاعي برسائل انتشرت على مجموعات العاملين في مراكز الإيواء، ووجدت أصداء مرحبة وأخرى خجولة رافضة تحميل النازحين مسؤولية الحرب. وأكد الرافعي في اتصال مع "المدن" أقواله، معلناً رفضه القاطع لفتح مدارس منطقة "أبي سمراء" أمام النازحين. وبرر أقواله بأن القلق مزدوج، فهو أمنيٌّ في الدرجة الأولى، وتربويٌّ في الدرجة الثانية، كي لا يضيع العام الدراسي على طلاب طرابلس. وتذرّع بعدم وجود ضمانات تحول دون تحول الأحياء الآهلة والمدارس إلى أهداف عسكرية في حال وجود مسلحين بين النازحين. 

 

في مقابل هذه الأصوات، رفض النائب حيدر ناصر، ابن طرابلس، منطق فرز الناس، واعتبر أنَّ "من المعيب أصلاً إثارة النقاش حول أحقية استقبال النازحين من زاوية الخوف أو الرفض".

وقال ناصر إن هؤلاء الوافدين أهلنا وناسنا، انتقلوا من منطقة لبنانية إلى أخرى هرباً من الموت، مشدداً على أن طرابلس كانت وستبقى "بيوتاً مفتوحة" لكل اللبنانيين دون قيد أو شرط. 

 

ورأى ناصر أن احتضان النازحين هو بديهية إنسانية ووطنية تسمو فوق كل الحسابات، داعياً إلى تعزيز التضامن الاجتماعي لتجاوز هذه المحنة بدلاً من إثارة الهواجس التي قد تزيد من الهوة بين أبناء الوطن الواحد.

 

مبادرات تغطي العجز الرسمي

احتضان الطرابلسيين للنازحين تترجمه مبادرات أهلية وشبابية تحاول سد الفراغ الذي خلفه غياب الأجهزة الرسمية. ويبرز دور "هيئة الإسعاف الشعبي" التي استنفرت كوادرها لتنظيم عملية الإغاثة. ويقول أحد الناشطين في الهيئة لـِ "المدن": "نحن موجودون على الأرض ليلاً ونهاراً، وهدفنا الأساسي هو تنظيم وصول المساعدات وتوزيعها بشكل لائق، بما يحفظ كرامة النازحين، ويضمن وصول الدواء والغذاء إلى كل محتاج بعيداً عن العشوائية".

 

إلى جانب هيئة الإسعاف الشعبي، برز دور جمعية «طرابلس أهلك»، وهي مبادرة مدنية أخذت على عاتقها تأمين وجبات طعام يومية وتوفير الأدوية الضرورية قدر المستطاع، بالاعتماد الكلي على تقديمات وتبرعات خاصة من أبناء المدينة ومغتربيها.

 

بين واجبٍ إنساني تمليه الأصالة الطرابلسية، وخوفٍ مشروع تفرضه تعقيدات الحرب، هل تنجح عاصمة الشمال في الحفاظ على توازنها، أم أن رياح الانقسام ستكون أقوى من محاولات الاحتواء؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث