منع الكحول يدخل سوريا في توتر طائفي مفتوح

خاص - المدنالأحد 2026/03/29
Image-1774728262
سوريا أمام شارعين متضادين يتواجهان رمزياً حول هوية المجتمع نفسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدأت القصة بقرارٍ إداريٍّ بدا في ظاهره محدوداً، لكنه سرعان ما تحوّل إلى نقطة اشتعالٍ واسعةٍ في المشهد السوري، في منتصف آذار 2026، أصدرت محافظة دمشق قراراً يقضي بمنع تقديم المشروبات الكحولية داخل المطاعم والملاهي الليلية، وحصر بيعها ضمن محلاتٍ مرخّصةٍ في أحياءٍ محددةٍ هي باب توما والقصاع وباب شرقي، مع فرض قيودٍ مكانيةٍ صارمةٍ، ومنع الاستهلاك داخل المحال، ومنح مهلة ثلاثة أشهر لتسوية الأوضاع. وبررت الجهات الرسمية القرار بأنه استجابةً لشكاوى محلية، وضمن مساعي الحد من "الظواهر المخلة بالآداب العامة".

 

الحرية الفردية  

لكن ما بدا إجراءً تنظيمياً، انفجر سريعاً إلى نقاشٍ وطنيٍّ واسعٍ، لم يكن القرار عادياً في توقيته ولا في رمزيته، فالأحياء التي حُصر فيها بيع الكحول ترتبط في الوعي الدمشقي بالحضور المسيحي، وهو ما جعل كثيرين يرون فيه أكثر من مجرد تنظيمٍ أو نوعاً من إعادة توزيع السلوك الاجتماعي على أساسٍ دينيٍّ ضمنيٍّ.

 

خلال أيام، خرجت الاحتجاجات إلى الشارع في 22 آذار 2026، امتلأت أزقة باب توما بمئات المتظاهرين، من طوائف وخلفيات مختلفة، يهتفون للوحدة الوطنية وحرية الاختيار الفردي، لم تكن الشعارات مرتبطة بالكحول بحد ذاته، بل بمسألةٍ أعمق الحريات الشخصية، وحدود تدخل السلطة في الحياة العامة، وقد رُفعت لافتات تؤكد أن القضية ليست "مشروباً"، بل "حقاً في نمط حياةٍ".

 

تحت ضغط الشارع، حاولت السلطات احتواء الغضب، فأصدرت توضيحاتٍ لاحقةً، واعتذرت عن أي شعورٍ بالاستهداف، مع استثناء الفنادق من القيود، غير أن هذا التراجع الجزئي لم يُنهِ الجدل، بل أكد، في نظر كثيرين، أن القرار أصاب نقطةً حساسةً اجتماعياً، وأنه فُهم على نطاقٍ واسعٍ كإجراءٍ يمسّ فئةً بعينها أكثر من غيرها.

 

فرض القيم الدينية

في المقابل، لم يقتصر المشهد على الاحتجاجات، سرعان ما ظهرت حركةٌ مضادةٌ في ساحة العباسيين، رفعت شعاراتٍ دينيةً مباشرةً، مطالبةً بحظر الكحول بالكامل، ومنددةً بما اعتبرته "انحلالاً أخلاقياً" ومطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية "أمة محمد ترفض أم الخبائث" لافتات رفعت في الاحتجاج ، تحوّل النقاش إلى مواجهةٍ بين خطابين أحدهما يرفع شعار الحريات الفردية، وآخر يدعو إلى فرض قيمٍ دينيةٍ على المجال العام، ومع غياب موقفٍ حاسمٍ من السلطة، بدا المشهد وكأنه انقسامٌ بين "شارعٍ" و"شارعٍ مضادٍّ"، يتواجهان رمزياً حول هوية المجتمع نفسه.

في هذه اللحظة تحديداً، لم يعد الموضوع متعلقاً بالكحول، ما بدأ كقضية تنظيمٍ إداريٍّ، تحول إلى اختبارٍ حقيقيٍّ لطبيعة الدولة الجديدة بعد 2024 هل هي دولة مواطنة، أم دولة تميل تدريجياً إلى إعادة تعريف الفضاء العام وفق مرجعيةٍ دينيةٍ؟ وفتح الباب وإن كان من غير قصد أمام انشقاقات واضحة. 

 

التوتر الميداني

هذا الانقسام لم يبقَ في حدود النقاش، في مدنٍ وبلداتٍ أخرى، بدأت تظهر انعكاساته بشكلٍ أكثر حدّةً، في مدينة محردة، ذات الغالبية المسيحية، تعرّضت محال لهجماتٍ نفذها شبان على دراجاتٍ نارية، وهذا ما دفع السكان للخروج في حالة غضبٍ، مرددين شعاراتٍ تضامنيةً مع السقيلبية، ومعبّرين عن شعورٍ متزايدٍ بالاستهداف، تصاعدت الهتافات، وتحولت تدريجياً من تعبيرٍ عن الغضب إلى خطابٍ أكثر حدّةً "يا سقلبية نحنا معاك للموت" " يا محلا الموت على صليبنا"، يحمل طابعاً طائفياً واضحاً، في مشهدٍ يعكس هشاشة التوازن الاجتماعي.

 

حتى الأصوات الدينية التي حاولت التهدئة لم تسلم من الانتقاد، إذ وُجهت اتهاماتٌ لبعض رجال الدين بالتقصير، وهذا ما يعكس عمق الاحتقان، واتساع الفجوة بين الشارع ومرجعياته التقليدية.

 

امتد الغضب إلى دمشق، حيث خرجت تظاهراتٌ في حي القصاع، رفع خلالها بعض المشاركين رموزاً دينيةً، وهتفوا بشعاراتٍ تعبّر عن رفض "الإذلال" والتمسك بالكرامة، كان واضحاً أن القضية تجاوزت حدود السياسة اليومية، ودخلت في نطاق الشعور الوجودي لدى فئةٍ من السوريين.

 

تحول في شكل الدولة

وسط هذا المشهد، برز سؤالٌ مركزيٌّ: لماذا كان وقع القرار بهذه الحدّة تحديداً لدى المسيحيين؟

الجواب لا يكمن في القرار وحده، بل في السياق الذي صدر فيه، فبالنسبة لكثيرٍ من المسيحيين، لم يُقرأ القرار كإجراءٍ إداريٍّ، بل كإشارةٍ إلى تحولٍ أوسع في شكل الدولة، حصر بيع الكحول في أحياءٍ ذات غالبيةٍ مسيحيةٍ بدا في نظرهم كأنه إعادة تعريفٍ غير معلنةٍ لدورهم في المجتمع ليسوا مواطنين متساوين في كل مكان، بل جماعةً لها "مساحتها الخاصة" التي تُسمح فيها بعض السلوكيات.

هذا الشعور بالتأطير لم يكن جديداً، لكنه وجد في القرار تعبيراً ملموساً. 

 

منذ سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024، دخلت الأقليات مرحلةً من القلق الحذر، وبالرغم من الوعود الرسمية بحماية الحريات، شهدت البلاد حوادث متفرقة أثارت المخاوف، من بينها اعتداءاتٌ على مواقع دينية، ودخول مسلحين إلى أحياءٍ مسيحية، وبث رسائل تهديد، هذه الوقائع وإن بدت متفرقةً شكلت في مجموعها مناخاً من عدم اليقين.

لذلك، عندما صدر قرار الكحول، لم يُفصل عن هذا السياق، بل بدا كحلقةٍ إضافيةٍ في سلسلة مؤشراتٍ تشيرفي نظر كثيرين إلى تراجع حياد الدولة الديني.

 

الأبعاد الديموغرافية والطائفية

يزداد هذا الإحساس حدّةً إذا ما أُخذ بعين الاعتبار الوضع الديموغرافي للمسيحيين في سوريا، فبعد سنوات الحرب تراجع عددهم بشكلٍ كبيرٍ. والتقديرات الحديثة تشير إلى أن عددهم بات يتراوح بين نحو 300 ألف و579 ألفاً، بعد أن كان يتجاوز المليوني نسمة قبل 2011.

في ظل هذا التراجع، تصبح أيَّة إشارةٍ إلى التمييز أو الإقصاء مضاعفة التأثير فالجماعة التي تقلص حجمها، تصبح أكثر حساسيةً تجاه أي تحولٍ في موقعها داخل المجتمع.

لهذا، تحوّل القرار، في الوعي المسيحي، من مسألةٍ تنظيميةٍ إلى قضية كرامةٍ وأمانٍ، لم يكن الخوف من المنع ذاته، بل من المعنى الذي يحمله أن الدولة قد تقبل وجودهم لكن ضمن شروطٍ ثقافيةٍ محددةٍ لا على أساس المواطنة الكاملة.

 

السقيلبية: لحظة الانفجار

جاءت التحركات في السقيلبية لتؤكد هذه المخاوف، فجر 28 آذار 2026، تحوّل خلافٌ فرديٌّ إلى هجومٍ واسعٍ، شارك فيه عشرات المسلحين، واستهدف ممتلكاتٍ لمسيحيين ما حدث لم يُقرأ كحادثٍ معزولٍ، بل كدليلٍ على أن أي توترٍ محليٍّ يمكن أن يتحول بسرعةٍ إلى اعتداءٍ جماعيٍّ في ظل المناخ القائم.

 

السقيلبية لم تكن مجرد مدينةٍ أخرى في هذا السياق، فهي تحمل رمزيةً خاصةً إذ شهدت في كانون الأول 2024 حادثة إحراق شجرة عيد الميلاد التي أثارت موجة احتجاجاتٍ، ووضعت مبكراً مسألة حماية المسيحيين على المحك، لذلك فإن تكرار الأحداث فيها عزز الشعور بأن الأمر ليس صدفةً، بل نمطٌ يتكرر.

 

في ضوء ذلك، لم يعد الخوف مقتصراً على جهةٍ واحدةٍ. لم يعد السؤال هل الدولة تهدد؟ أو هل المجتمع يضغط؟ بل أصبح السؤال أكثر تعقيداً ماذا يحدث عندما تتداخل المسافتان؟ عندما تصدر قرارات ذات طابعٍ دينيٍّ من جهةٍ رسميةٍ، وتترافق مع اعتداءاتٍ على الأرض من جهةٍ أخرى، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو سياسة وما هو انفلات.

 

في النهاية، يمكن تلخيص أثر هذه التطورات في أربع خساراتٍ متراكبةٍ يشعر بها المسيحيون اليوم خسارة عددية نتيجة الهجرة المستمرة، وخسارة رمزية حين تُختزل أحياؤهم إلى فضاءاتٍ خاصةٍ، وخسارة نفسية بفعل تكرار التهديدات، وخسارة سياسية بسبب تآكل الثقة في الضمانات الرسمية.

 

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال ما جرى في قرارٍ إداريٍّ أو حادثٍ أمنيٍّ، المسألة أعمق من ذلك بكثير، إنها تتعلق بتحولٍ تدريجيٍّ في شكل الدولة، وفي تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الدين والمجال العام.

 

وإذا كان قرار الكحول قد كشف هذا التحوّل، فإن السقيلبية جاءت لتضعه أمام اختبارٍ واقعيٍّ قاسٍ. بين القرار والهجوم، تتشكّل صورة بلدٍ لا يزال يبحث عن توازنٍ جديدٍ، فيما تعيش أقلياته، وفي مقدّمتها المسيحيون، على إيقاع سؤالٍ واحدٍ لم يجد جواباً بعد: هل ما يجري مرحلةٌ عابرةٌ، أم بداية واقعٍ مختلفٍ بالكامل؟

 

سؤالٌ سرعان ما حاولت الدولة الإجابة عنه بشكلٍ علنيٍّ وصريحٍ، إذ قام أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس الشرع، بجولة على صيدانيا حيث زار كنائسها وأديارها، واستمع فيها إلى وجهاء المسيحيين والمسلمين يتحدثون عن مناخات التآلف والتضامن والمحبة بين أبنائها، ثم أقام صلاة الجمعة في جامع البلدة، بهدف احتواء الموقف وإيصال رسالة واضحة مفادها أن سوريا لن تكون إلا للجميع، مهما بلغت درجة الغليان.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث