أجراس ومَدافع وغصن زيتون: شعانين قرى الحدود فعل تشبّث بالأرض

نغم ربيعالأحد 2026/03/29
Image-1774784385
لم يكن المشهد هذا العام مشابهاً للسنوات السابقة. حضور الأهالي كان أقل بكثير (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في القرى الحدودية الجنوبية، جاء أحد الشعانين محمولاً على أصوات القصف، وعلى خرائط النزوح، وعلى أسئلة البقاء نفسها التي صارت جزءاً من الحياة اليومية لسكان الشريط الحدودي. ومع ذلك، قرّر أبناء هذه القرى أن يحيوا العيد، ولو بحدّه الأدنى، كفعل إيمان وكفعل حضور في آن واحد، تحت وطأة التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل، وتبادل العمليات العسكرية، في مشهد يختلط فيه صوت الأجراس بأصداء المدفعية.

 

العيد كفعل بقاء في الأرض

لم يكن المشهد هذا العام مشابهاً للسنوات السابقة. حضور الأهالي كان أقلّ بكثير، لا سيما أن كثيرين من أبناء هذه القرى المقيمين في بيروت لم يتمكنوا من العودة لإحياء العيد في بلداتهم الحدودية، إضافة إلى اضطرار عدد كبير من السكان إلى مغادرة منازلهم خلال الأشهر الماضية، خصوصاً في القرى المواجهة مباشرة للمواقع الإسرائيلية أو القريبة منها، كما في برج الملوك ودير ميماس.

وفي بلدة دبل، دخل الجيش الإسرائيلي أحد الأحياء خلال المواجهات، ما دفع عدداً من السكان إلى مغادرة بعض مناطقها. وكذلك الحال في عين إبل، حيث غادر بعض الأهالي عدداً من الأحياء نتيجة المخاطر الأمنية المتصاعدة واتساع رقعة الاستهداف.

أما في إبل السقي، المتاخمة لمدينة الخيام التي تدور في محيطها اشتباكات، فلم تُحيَ احتفالات أحد الشعانين هذا العام بسبب الظروف الأمنية. ويستعيد أبناء البلدة أيضاً إصابة الخوري غريغوريوس سلوم خلال الحرب الماضية، في حادثة ما زالت حاضرة في ذاكرة الأهالي وتثقل مشهد العيد هذا العام. يقول رئيس بلدية إبل السقي، جورج رحّال، لـ"المدن" "تعزّ علينا هذه السنة. الأمر مؤلم وحزين، خاصة مع إخلاء 128 منزلاً في البلدة". نزوح فرضته الغارات المتكررة واتساع رقعة الاستهداف.

على الرغم من الحرب، حافظت القرى المسيحية الحدودية على إقامة قداديس الشعانين ورفع أغصان الزيتون، ولو ضمن نطاق ضيق ومحدود حول الكنائس، بعدما استُبدلت الزياحات التقليدية الطويلة بمسيرات قصيرة داخل ساحات الرعايا أو محيط الكنائس.

بالنسبة إلى كثير من الأهالي، لم يعد إحياء الشعانين مجرد مناسبة دينية، بل تحوّل إلى رسالة واضحة بأن الحياة الدينية والاجتماعية في هذه القرى لم تتوقف بالكامل رغم الحرب. فالمشاركة في القداس هذا العام حملت معنى إضافياً: التأكيد على التمسك بالأرض وعدم تركها نهائياً.

يقول رئيس بلدية القليعة حنّا ضاهر لـ"المدن"في غصّة هذا العام برحيل الأب بيار، لكن أكيد سنحيي الشعنينة. لن تكون هناك مسيرة كما في كل عام، بل ضمن محيط الكنيسة فقط".

ويضيف: "هذه حياتنا اليومية والدينية، ولا أحد عم يجرب يمنعنا نمارسها. المهم نقدر نتحرك ونعيشها رغم الحرب والصواريخ".

في رميش، أيضا أحييت القداديس واختصر الحضور على أبناء القرية الصامدين فيها، وكانت الرسالة عن السلام.

 

Image-1774784480
رميش

زياحات مختصرة… ورسائل طويلة

في كوكبا أيضاً، لم يُلغَ العيد، بل اختُصر.يقول رئيس البلدية طوني أبو نقول لـ"المدن" "طبعاً سنقيم القداس، وسيكون هناك زياح مختصر. هذا موضوع إيماني وغير قابل للنقاش. الناس بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى هذه المناسبات".

ويزيد: "نريد أن يشعر أولادنا أن لا شيء تغيّر".

لكن ما تغيّر فعلياً هو شكل العيد وتفاصيله اليومية. فالكثير من العائلات لم تتمكن من العودة إلى قراها، فيما حضر من بقي بظروف صعبة، وتحت قلق دائم من أي تطور أمني مفاجئ.

 

شعانين بملابس الأعوام الماضية

حتى تفاصيل العيد الصغيرة حملت هذا العام بصمة الحرب. الأطفال الذين اعتادوا ارتداء ثياب جديدة في الشعانين، سيكتفون هذا العام بما هو متوفر لديهم. يقول أبو نقول: "سيلبسون ثياب العيد الموجودة عندهم، لأن طبعاً لا أحد يستطيع شراء ثياب جديدة. لكن الأساس هو المعنى والتشبث بأراضينا وقرانا وممارسة عاداتنا".

 

بين النزوح والعودة اليومية

منذ بداية التصعيد على الجبهة الجنوبية، تعيش القرى الحدودية المسيحية، كما غيرها من قرى الشريط الحدودي، حالة نزوحٍ جزئي ومتدرّج. بعض العائلات غادرت بشكل كامل، فيما اختار آخرون البقاء أو العودة المؤقتة لتفقد منازلهم وأراضيهم ومتابعة الحد الأدنى من حياتهم اليومية.

وفي زمن الأعياد، يتخذ هذا البقاء معنى إضافياً. فإحياء الشعانين، حتى بزياحٍ قصير داخل محيط الكنيسة، بدا كأنه محاولة لإبقاء الإيقاع الاجتماعي والديني قائماً، وعدم السماح للحرب بأن تتحول إلى قطيعة كاملة مع الحياة الطبيعية.

هكذا مرّ أحد الشعانين هذا العام في القرى الحدودية: أقلّ ضجيجاً، أكثر قلقاً، لكنه أكثر تمسكاً بمعناه. ففي هذه القرى، لم يعد الاحتفال بالعيد مجرد طقس ديني، بل صار إعلاناً يومياً بأن الإقامة في الأرض ما زالت خياراً ممكناً، ولو تحت القصف.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث