بيوت جاهزة للنازحين: نعمة تركية تبددها المخاوف الطائفية

نغم ربيعالسبت 2026/03/28
WhatsApp Image 2025-03-31 at 9.01.15 AM.jpeg
برزت مبادرة تركية لتقديم عدد من البيوت الجاهزة لإيواء النازحين (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة يتقدّم فيها النزوح على أي ملفّ آخر في الداخل اللبناني، لا بوصفه حدثاً طارئاً فقط، بل كأزمة اجتماعية وسياسية مفتوحة، تعود "البيوت الجاهزة" إلى الواجهة. في هذا السياق، برزت مبادرة تركية لتقديم عدد من البيوت الجاهزة لإيواء النازحين، في خطوة جاءت نتيجة اتصالات سياسية مباشرة، تولاها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مع الجانب التركي، قبل أن تنتقل إلى مستوى حكومي عبر لقاء السفير التركي برئيس الحكومة نواف سلام، الذي طلب بدوره توسيع إطار المساعدات لتشمل حاجات إضافية تتصل بأزمة النزوح المتفاقمة.

لكنّ هذه المبادرة، على أهميتها، لا تُقرأ خارج سياق أوسع: سياق أزمة استقبال تتسع يومياً، وتحوّل ملف الإيواء إلى أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني.

 

أزمة استقبال تتفاقم

لم يعد النزوح مجرّد حركة انتقال سكان من منطقة إلى أخرى. صار اختباراً يومياً لقدرة المناطق اللبنانية على الاحتمال. ومع كل موجة نزوح جديدة، تعود الأسئلة القديمة نفسها: أين سيقيم الناس؟ وكيف يمكن توزيع الأعباء من دون تفجير توترات اجتماعية أو سياسية؟

ما حصل في ملف مركز الكرنتينا شكّل نموذجاً واضحاً عن هشاشة إدارة هذا الملف. فالمشكلة لم تبقَ تقنية أو لوجستية، بل سرعان ما استعادت ذاكرة الحرب، وأعادت التذكير بحساسيات مناطق مثل الأوزاعي وغيرها، حيث يتحول أي نقاش حول الإيواء إلى نقاش حول الهوية والتمركز والتوازنات.

هكذا، لم يعد السؤال فقط عن مكان وضع النازحين، بل عن مكان وضع الأزمة نفسها داخل المجتمع اللبناني.

 

البيوت الجاهزة: حلّ مؤقت أم مشكلة مؤجلة؟

في هذا المناخ، جاءت المبادرة التركية لتقديم عدد من البيوت الجاهزة. وبحسب معلومات "المدن"، فإن المساعدات التركية لن تقتصر على منطقة واحدة فقط، بل يُفترض أن تشمل مناطق مختلفة من لبنان، في إطار دعم أوسع لمواجهة تداعيات النزوح.

غير أنّ المسألة لا تزال في بداياتها التنفيذية. فبحسب مصدر في هيئة إدارة الكوارث، لم يُحسم حتى الآن مكان وضع هذه البيوت، ولا آلية توزيعها، ولا حتى الإطار الإداري الذي سيُشرف على استخدامها. وتتركّز النقاشات حالياً على كيفية الاستفادة منها من دون خلق واقعٍ سكني دائم في المواقع التي ستوضع فيها، خصوصاً أنّ تجربة "المؤقت" في لبنان غالباً ما تتحوّل إلى أمر واقع طويل الأمد.

ويشير المصدر إلى أنّ هذه البيوت كانت قد طُلبت أساساً بعد انهيارات المباني في طرابلس، قبل أن يعود ملف النزوح ليفرض نفسه مجدداً كأولوية، ما فتح الباب أمام إعادة توظيفها ضمن خطة الاستجابة الحالية، شرط أن يجري ذلك ضمن آلية شفافة ومعلنة.

لكن حتى هذه الخطوة، رغم ضرورتها، تبقى مؤجلة زمنياً، إذ لا يُتوقّع وصول هذه البيوت قبل شهرين على الأقل، وهو وقت طويل في حسابات النزوح المفتوح على احتمالات التصعيد.

 

بين الحاجة الإنسانية والهواجس السياسية

المفارقة أنّ لبنان يحتاج اليوم إلى البيوت الجاهزة، لكنه يخاف منها في الوقت نفسه. يحتاجها لأن المدارس ممتلئة، والقاعات العامة مستنزفة، والبيوت الخاصة لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من العائلات. ويخاف منها لأن أي تجمع سكني جديد قد يتحوّل سريعاً إلى ملفّ سياسي، أو إلى مصدر توتر محلي.

لهذا تحديداً، يبدو النقاش دائراً، بحسب المعلومات، على كيفية تحويل هذه البيوت إلى أداة استجابة طارئة قابلة لإعادة الاستخدام لاحقاً في قطاعات أخرى، بدل أن تتحوّل إلى بداية مخيمات جديدة غير معلنة.

في بلد يفتقر إلى سياسة إسكان أساساً، يصبح حتى الحلّ الإنساني المؤقت مشروع أزمة مستقبلية.

 

أزمة النزوح أكبر من الحلول الجزئية

في النهاية، لا تختصر أزمة النزوح بعدد البيوت الجاهزة التي قد تصل بعد شهرين. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فهي أزمة إدارة دولة، وأزمة توزيع أعباء، وأزمة ذاكرة جماعية تستيقظ بسرعة كلما تحرّك السكان داخل الجغرافيا اللبنانية.

لهذا، تبدو المبادرة التركية خطوة ضرورية، لكنها غير كافية وحدها. إذ إنّ لبنان لا يحتاج فقط إلى بيوت جاهزة، بل إلى سياسة جاهزة للتعامل مع النزوح، قبل أن يتحوّل الإيواء نفسه إلى أزمة موازية للحرب.

 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث