يوميات الحرب والنزوح.. ملحمة التكرار العقيم

محمد أبي سمراالجمعة 2026/03/27
Image-1774516992
وبماذا تعِدُ النكباتُ البشرَ بغير العبث (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تنعاد عليك، قال رجل سبعيني معتكر الوجه والصوت، لرجل آخر يصغره ربما بنحو عقدين. كان الرجلان يقفان صباحًا أمام خيمة نزوح صغيرة منصوبة على رصيف مستديرة الطيونة. وهي إحدى الحدود الفاصلة بين مدينة بيروت الإدارية وضاحيتها الجنوبية، التي أُسقطت نسبتها إلى العاصمة، وإلى موقعها الجغرافي في جنوبها، وسماها أحدهم "النّوّارة" في ثمانينيات القرن الماضي أو "عشرية لبنان السوداء" من حروبه الأهلية - الإقليمية. ثم حُمّل اسمها العلم وبأل التعريف، الضاحية، شحنةً أو طاقة اجتماعية وسياسية ونفسية جبارة، فصلتها عن بيروت. 

 

إرث عقود الأذى

والطاقة تلك وسواها من طاقات الجماعات في لبنان، راحت قوتها تتضاعف وتتنافر، حتى بلغت حدها الأقصى المنذر اليوم بتفكيك البلاد والجماعات اللبنانية وانفجارها، فيما القصف الإسرائيلي يغرقها في الخوف والرعب. 

ومنذ نحو 3 أسابيع أخلى القصف اليومي الإسرائيلي الضاحية الجنوبية من سكانها وشرّدهم، للمرة الثالثة منذ العام 2006، في بيروت ومناطق كثيرة من لبنان، وصولًا إلى دمشق في المرة الأولى، أثناء حرب تموز 2006، عندما كان "حزب الله" حليفًا حميمًا لنظام بشار الأسد. 

لكن خيم النزوح والتشرد المنصوبة اليوم على رصيف مستديرة الطيونة الحدودية والأرصفة الممتدة حول حرج بيروت الحدودي أيضًا، لا تأوي نازحين من ضاحية بيروت الجنوبية، بل من بلدات جنوب لبنان، جراء حرب "إسناد إيران" المفتوحة هناك بين "حزب الله" وإسرائيل التي يعمل جيشها على احتلال جنوب نهر الليطاني لتحويله أرض خراب ويباب خاليًا من البشر والحياة. 

أما مناسبة المعايدة الصباحية المعتكرة بين الرجلين على رصيف النزوح، فهي ثالث أيام عيد الفطر الفائت. ووقعتْ كلمتا تلك المعايدة في سمعي وقعًا مفاجئًا. فانفلتتْ، بلا إرادة مني، التفاتةٌ سريعة عابرة إلى الرجلين. كنت أسير على مسافة خطوات منهما على الرصيف، مستطلعًا في ذاك الصباح أحوال النازحين. وكان استطلاعي بصريًا خالصًا. أي صامتًا، ولا يتجاوز التفاتات سريعة مضطربة إلى الخيم. 

لقد كنت خائفًا وأكتم خوفي من أن تكسر التفاتاتي، إذا طالت مدتها، ذاك الحاجز غير المرئي بيني وبين النازحين، نزلاء الخيم. وهو حاجز ثقيل الوطأة، كصخرة هائلة تراكمت طبقاتها في الصدر منذ عقود، تعود بدايتها إلى مطلع شبابي في نهاية ستينات القرن العشرين، حين بدأت ملحمة النزوح من جنوب لبنان.

وجّه الرجل، السبعيني مثلي، معايدته إلى الرجل الآخر الأصغر منه سنًا، والذي كان ينحني أمام الخيمة على الرصيف، ويغسل وجهه بماء يصبه على يده من إبريق بلاستيكي. وسمعته يرد المعايدة للرجل السبعيني قائلًا له: تنعاد علي وعليك وعلى الجميع.. إن شاء الله هون. أي هنا على الرصيف في مخيم النزوح بعد سنة.

 

تجرّأت وأطلتُ إلى الرجلين التفاتتي الخائفة. كنت أريد أن ألمح على وجهيهما وقع العبارة التهكمية المأسوية التي قالها الرجل الأصغر سنًا. لم ألمح، لا على وجهيهما ولا في المكان كله، إلا فائضًا من الفراغ والصمت اللذين رافقاني طوال نحو ساعة من سيري على الرصيف بين الخيم. كنت مدركًا أن ذاك الحاجز الثقيل غير المرئي بيني وبين النازحين، هو وحده الذي يتيح، إلى جانب مصادفات مفاجئة، أن أسمع كلامًا حقيقيًا، تلقائيًا وعابرًا، عن نكبات البشر العبثية.

وهل من نكبات غير عبثية؟ وبماذا تعِدُ النكباتُ البشرَ بغير العبث؟

العبث الذي أفصحتْ عنه كلمات قليلة قالها رجلان على رصيف مخيم نزوح على حدود بيروت. وهي كلمات حميمة وغير مفكر فيها تقريبًا، وقالت تلقائيًا وبتهكّم عبثي على النفس والعالم وأفعال البشر، أشد المشاعر قسوة ومرارة حيال واقع يجعله عبثيًا وتافهًا وأليمًا تكرار حوادثه المؤذية أذىً جسيمًا منذ عقود وجيلين أو ثلاثة.

وفي نحو الساعة التي أمضيتها أمشي صامتًا على رصيف النزوح والنازحين، عبثًا حاولت أن أسمع منهم كلمات أخرى غير التي سمعتها من الرجلين. كانوا صامتين صمتًا ثقيلًا في ذاك الصباح، كالصخرة المتأرثة التي تكبر في صدري وصدورهم منذ عقود.

وماذا جنى أهل هذه البلاد طوال تلك العقود، سوى هذه الصخرة، سوى هذا الأذى المتأرث، الأخرس الأصمَّ والعقيم؟

 

ملحمة النزوح والصناعة

وفي مخيم النزوح الصامت في ذاك الصباح، لمحتُ نساء قديمات يجلسن صامتات على كراس أمام الخيم. قديمات كاللواتي لمحتهن قبل نحو 3 أسابيع هناك، في أقاصي ضاحية بيروت الجنوبية، حيث كانت صحراء زيتون الشويفات التي تحولت منذ بدايات الحروب الأهلية في لبنان مخيمات إسمنتية عشوائية للنازحين.

كنت قد ذهبت إلى هناك مستطلعًا أيضًا. لكن كيف يعيش أهل النزوح القديم المتأرث منذ عقود، خوفهم اليوم من النزوح الجديد، جراء إنذارات الإخلاء التي يوجهها لهم الجيش الإسرائيلي، يومًا بعد يوم. 

ومن حي البطريركية البيروتي، الذي تحولت نحو 7 مدارس فيه مأوىً لألوف النازحين وسياراتهم المكدّسة في شوارع الحي بلا حركة تقريبًا، ذهبتُ صباحًا مع صاحب مصنع كبير شيّده كصرح ضخم معزول على تخوم تلك المخيمات الإسمنتية القديمة، مآوي قدامى النازحين في ما سُمّي حي السلم. 

قبل انطلاقنا من بيته في البطريركية، متوجهين بسيارته إلى مصنعه، شربنا معًا القهوة الصباحية على شرفة بيته العالية المطلة على مبنى مدرسة البطريركية التراثي القديم، إحدى أقدم مدارس بيروت. فجأة هبت من أقاصي ذاكرتي كلمات مطلع قصيدة الشاعر بول تسيلان: "يا حليب الفجر الأسود/ نشربك أسود في الفجر وفي العشية".

كنت من الشرفة العالية أنظر إلى نساء قديمات من النازحين، واقفات بجمود خلف نوافذ مدرسة البطريركية. أبداهن لي مشهدهن في إطار النوافذ المفتوحة، أنهن سجينات، وأن خيم النزوح الصغيرة المنصوبة في ملعب المدرسة، مخيم اعتقال.

 

كان الرجل السبعيني اليوم، قد أسس في شبابه بعد حرب السنتين (1975- 1976) مصنعه، فأشفقت عليه عندما رأيته يعمل فيه وحده بأدوات يدوية بدائية على تطعيج علب معدنية تُجمَعُ فيها احتياجات شواحن (شارجيرات) لتخزين الطاقة في بطاريات سيارات صارت تُستعمل لإنارة المنازل بعد توقف تزويدها بالطاقة الكهربائية من شركة "كهرباء لبنان" العامة الحكومية التي عطّلتها الحرب.

أسس الرجل مشغله البدائي ذاك، في ملجأ بناية على أطراف حارة حريك في الضاحية الجنوبية. ولما دمرته إسرائيل في حرب تموز 2006 مع البناية، كان المشغل قد صار منشأة صناعية كبيرة نسبيًا، ويزيد عدد عمالها عن الثلاثين. 

صامتًا ذاك الصمت العقيم، وقف الرجل الصناعيُّ أمام ركام الإسمنت والآلات التي استوردها من الصين. قال إنه مما راكمه بجهده العصامي طوال عقود، لم يتعرف على شيء في مصنعه سوى على طاولة مكتبه الكبيرة، معلقة بسن رافعة في الفضاء فوق الركام.

لكن الرجل أعاد تأسيس مصنعه، ضخمًا ومتطورًا وبجهد شبه ملحمي، في منطقة تكثر فيها المعامل والمصانع بين الشويفات وحي السلم العشوائي لنازحي الحروب العشوائية المتعاقبة. وفي حرب "إسناد غزة" (2023- 2024) فقد الرجل 10 كلغ من وزنه، فيما كانت تلك الصخرة المتأرثة في صدره تكبر وتكبر في كل يوم، خوفًا على مصنعه الذي صار عدد عماله وموظفيه نحو المئة. وكان الخوف قد حمله على نقل نصف آلات المصنع إلى البقاع، مصممًا على إنشائه وتشغيله هناك. لكن لما توقفت الحرب عزف عن ذلك، وأعاد الآلات الضخمة إلى مكانها في مصنعه الذي نجا من الدمار في الضاحية الجنوبية.

 

كنا ذاهبين في سيارته إلى مصنعه هناك: هو لتشغيله بنصف طاقته، مغافلًا زوجته وخوفها عليه من قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية، ومن إنذاراتها المفاجئة لإخلائها. وأنا لأستطلع أحوال بقايا من لم يفروا بعد من حي السلم. وكنت أحدثه عن زيارتي الأخيرة دمشق وحضوري معرضًا للكتب فيها. فجأة قال إنه يريد نقل مصنعه إلى هناك، وطلب مني مساعدته في ذلك. وهو منذ ذلك الوقت لم يتوقف عن استطلاع المتطلبات القانونية والعملية لتنفيذ الانتقال إلى دمشق، ما دام نصف عمال مصنعه في لبنان سوريين.

كنا قد تجاوزنا بوابة الحديد الخارجية الضخمة للمصنع، الذي بدا لي كصرح كبير وسط حديقة تعلو على جنباتها أشجار مثمرة، خلفها سور إسمنتي مرتفع يعزل الصرح الصناعي وحديقته عن محيطه: فوضى العمران العشوائي للنزوح القديم في حي السلم الذي بدت بناياته صامتة خالية من السكان. 

فجأة صدحت في السكون الموحش زقزقة عصفور وحيد أضفت على المشهد وحشة مضاعفة، ثم ضاعفها مشهد امرأة تقف وحيدة على شرفة بناية من طابقين. امرأة كالنسوة القديمات اللواتي أبصرتهن صباحًا خلف نوافذ مدرسة البطريركية للنازحين. فتذكرت ما قاله صديق لنا يدرس في الجامعة الأميركية ببيروت: ما أن تدخل من بوابة المصنع الخارجية، ثم إلى داخله، وتشاهد تجهيزاته وآلاته وكيف يُنظم العمل فيه، حتى يتهيأ لك أنك دخلت مصنعًا في ألمانيا.

وفيما كنا واقفين خلف باب المصنع الداخلي، منتظرين أن يُقتح آليًا، أخذ الرجل صاحبُه يحدق صامتًا في شاشة هاتفه. ولما طال صمته وتحديقه القلق في الشاشة، وسألته ما به، قرب الهاتف من وجهي، فقرأت على شاشته: أنت في مكان طُلب إخلاؤه. هناك خطر على حياتك. عليك المغادرة فورًا.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث