قعبور البيروتي الذي أحببناه وأحب "المدن"

وليد حسينالجمعة 2026/03/27
630.jpg
كان قعبور شديد الإعجاب بتجربة "المدن" ولطالما عبر عن ذلك في لقاءاتنا معه (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

موعده الدائم والثابت كان يوم الجمعة من كلّ أسبوع. لكن أحمد قعبور غالباً ما كان يسرق الوقت ويأتي إلى مكاتب "المدن" خلال أيام الأسبوع. 


كانت معرفتي به سطحية وتقتصر على السلام من بعيد أو باليد، يتخلّله كلام المجاملة والترحيب. وكان قعبور شديد الإعجاب بتجربة "المدن" ولطالما عبّر عن ذلك في لقاءاتنا اللاحقة معه في مكاتب الجريدة.
 

في إحدى زيارته، فيما كان الأستاذ ساطع نور الدين يستقبل ضيفاً، دعوته إلى مكتبي. تبادلنا أطراف الحديث وقال ما مفاده إنّه يعرفني من كتاباتي، مستفسراً عن بعض القضايا لمعرفة مدى دقّتها وإذا كان من "كواليس" لا تُكتب عادة للعموم. 
 

قبل هذا اللقاء المباشر معه، كان يمرّ بجانب مكتبي ملقيًا التحية من بعيد ويتوجّه مباشرة إلى مكتب الأستاذ ساطع. بدا لي أنه خجول أو يفضّل تجنب "الغرباء" أو الابتعاد عن مخالطة العموم، بخلاف أغانيه التي طبعت في ذاكرتنا حبه للناس. 
 

بدّد اللقاء الأول معه الفكرة التي كوّنتها عنه من بعد. كنت في حضرة شخص شديد اللطف وخفيف الظل ومتواضع إلى أقصى الحدود، أو بمعنى آخر ابن الناس الذي يغني للناس. واحد منهم يعيش تفاصيلهم اليومية ولا يحب أن يترك خلفه إلا أثر الفراشة. 
 

قبلها كانت اللقاءات معه في مقاهي شارع الحمراء عرضية عبر كثير من الأصدقاء المشتركين، كنت أخفي ندمي على أيام المراهقة عندما جرّنا زياد الرحباني لمعاداته لأنه خان القضية والطبقة العاملة وباع مواقفه للراحل رفيق الحريري وتلفزيون المستقبل. وقد أفرد له الرحباني مطوّلات على إذاعة صوت الشعب، في مطلع التسعينيات، خصّصها للنيل منه. ورحنا نعيد سماعها مرّات ومرّات ونلعن أحمد قعبور خائن الطبقة العاملة، من دون أي تدقيق أو مراجعة أو "نقد ذاتي"، كما يرطن اليسار. 
 

توطدت علاقتي به من خلال الزميلين يوسف بزي ومنير الربيع. كان يأتي إلى مكتب يوسف ونتبادل معه الحديث في السياسة والفن وحتى الطبخ، فيوم الجمعة مخصص للملوخية في بيروت. كان محبطاً ويائساً منصرفاً إلى أعماله التي ينتجها بين الحين والآخر كقطع فردية أشبه بالحرف اليدوية، مفضلاً الابتعاد عن تنظيم الحفلات الموسيقية والغنائية. ولطالما رفض إصرار الزميل منير على تنظيم سهر غنائية حتى للأصدقاء. وبعد محاولات عدّة رضخ واشترط أن تكون سهرة غنائية للأصدقاء ومن دون فرقة موسيقية. 
 

كان له ما كان وحضر إلى السهرة الغنائية بصوته فحسب. نادى أهل الخيام المحاصرة وسكانها النازحين بعد حرب الإسناد، وغنى غزّة التي كانت تباد حينها. سألني رأيي بالسهرة واقتربت منه وقلت له: كنت أتردد بمصارحتك عما فعله الرحباني بنا في مراهقتنا وكيف جعلنا ننسى أنك واحد منّا وتشبهنا. أنت فعلاً من الناس وتغنّي للناس. أكتفى بأن أبدى أسفه على ما قاله زياد بحقه. وقال لي: أكتب ما تشعر به. ورددت أنني سأفعل يوماً ما. سهوت عن ذلك في غفلة الأيام واستفقت وأنا أرثيه.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث