بينما ينشغل المسؤولون في العاصمة بيروت بتقدير "أثمان" الحرب في محاولة لإيجاد حلول لأزمة النزوح، يتحول الشمال اللبناني، من طرابلس وصولاً إلى أقاصي عكار، إلى "غرفة طوارئ" إنسانية... استنفدت قدرتها الاستيعابية.
يزداد أعداد النازحين يوماً بعد يوم، وسط تساؤل يتردد في غرف إدارة الكوارث في الشمال: إلى أي مدى يمتلك الشمال "النفس الطويل" لاستيعاب موجات نزوح كبرى إذا ما قدّر للعاصمة وضواحيها أن تشهد أزمة تهجير ونزوح أشدّ؟
مراكز الايواء تقترب من الامتلاء
تكشف البيانات التي حصلت عليها "المدن" من مسؤول غرفة إدارة الكوارث في عكار ربيع وهبي، عن واقع ميداني داهم. ففي الوقت الحالي تشهد محافظة عكار نزوح 3108 عائلات؛ أي ما يعادل 11869 فرداً، يتوزعون على جغرافيا المحافظة المتهالكة أصلاً، بين مراكز الإيواء والشقق السكنية. وتكمن الصدمة الحقيقية في "مدى القدرة الاستيعابية" للمراكز المُخصّصة. فمن أصل 22 مركز إيواء جرى اعتمادها في المحافظة، هناك 20 مركزاً وصلت بالفعل إلى قدرتها القصوى بعد أن أوت نحو 1274 نازحاً. وهذا يعني أن عكار استهلكت 91% من مراكزها الرسمية، ولم يتبقَّ سوى مركزين اثنين لمواجهة أي طارئ لاستقبال النازحين من الجنوب أو الضاحية أو حتى العاصمة.
يبقى الثقل الأكبر (أكثر من 2700 عائلة) خارج هذه المراكز، موزعين بين بيوت أقارب، شقق مستأجرة، أو مبادرات استضافة فردية في أكثر من 80 بلدة وقرية. من أكروم ووادي خالد شمالاً، إلى ببنين والمنصورة وشدرا والقبيات، وصولاً إلى رحبة وفنيدق وبرقايل. تتحوّل معها عكار بكل تلاوينها إلى "بيئة حاضنة" يحكمها الهدف الانساني.
سيناريو "الخطة ب"
السؤال الكبير الذي يؤرق غرفة العمليات هو: ماذا لو انفجرت أزمة النزوح في بيروت؟ تؤكد المصادر وجود "الخطة ب" (Plan B)، والتي تتضمن تجهيز 6 مراكز إضافية قادرة على استيعاب نحو 500 شخص فوراً. لكن بلغة الأرقام الباردة، ماذا الفائدة من قدرة المراكز على استضافة 500 أو حتى 1000 نازح في حال تدفق عشرات آلاف النازحين؟ والمستغرب بهذه الأرقام أن وحدة إدارة الكوارث في بيروت تدعو ليل نهار النازحين في العاصمة إلى الصعود شمالاً إلى عكار على اعتبار أن مراكزها قادرة على استيعاب النازحين!
ورداً على السؤال السابق، أي في حال حصلت موجة نزوح طارئة، تجيب المصادر أن هناك إمكانية لافتتاح مدارس رسمية جديدة بالتنسيق مع وزارتي التربية والشؤون الاجتماعية. لكن بالرغم من ذلك تبدو الفجوة هنا واسعة بين الأعداد الممكنة وتلك التي تستطيع عكار استضافتها. أما التعويل في إغاثة النازحين فيبقى حصراً على سرعة استجابة المنظمات الدولية وتأمين التمويل المباشر للبلديات التي باتت تعمل بـِ "اللحم الحي".
نقص في المستلزمات
في جولة ميدانية داخل أحد مراكز الإيواء في عكار، يبدو المشهد منظماً في ظل التنسيق اليومي مع بعض المنظمات الدولية وأبرزها "اليونيسف" ومنظمة الغذاء العالمية. وتؤكد المعطيات أن الأخيرة تلتزم بتأمين وجبات الغداء والعشاء يومياً داخل المراكز، بل وتوسع مروحة خدماتها لتشمل النازحين القاطنين خارج المراكز عبر توزيع حصص تموينية (Packages) وإعاشات دورية.
لكن، خلف وجبات الطعام المؤمنة، تبرز أزمة "يوميات الصمود" التي روتها لنا "بتول"، النازحة من بلدة ميس الجبل: "الأكل موجود، والمنظمات مش مقصرة، بس المشكلة صارت باللي أبعد من اللقمة". تشرح بتول كيف يتحول تأمين جرة غاز للطهي أو توفير المازوت لتدفئة الغرف في ليالي عكار الباردة إلى معركة يومية.
ويضاف إلى ذلك العبء الثقيل لتأمين أدوية الأمراض المزمنة (ضغط وسكري) وحليب الأطفال، وهي تفاصيل تسقط أحياناً من حسابات المنظمات الدولية الكبرى، وتُترك كحمل ثقيل على كاهل المبادرات الفردية المحلية التي بدأت أنفاسها تضيق تحت ضغط الاستنزاف المادي.
هواجس متبادلة
بالرغم من أن مراكز الإيواء في عكار طرقت أبواب قدرتها الاستيعابية القصوى، إلا أن الأعداد الإجمالية للنازحين في الشمال لا تزال "خجولة" مقارنة بعدد النازحين في مناطق أخرى. ويرى البعض أن هذا التردد في التوجه إلى عكار مرده إلى "كم من الهواجس المتبادلة" الذي نشأ بين النازحين وأهالي القرى المضيفة. بما يتعلق بالنازحين، لا تزال أصداء الوقفات الاحتجاجية، التي شهدتها مناطق الشمال في بداية الحرب، والمطالبات بتشديد الرقابة الأمنية على النازحين، تتردد في ذهنهم، وهذا ما يؤدي إلى توجس النازح من "البيئة المضيفة" و"البعيدة" جغرافياً وسياسياً عنهم.
في المقابل، تطغى عند ابناء قرى عكار والشمال، مثل سائر المناطق، هواجس أمنية بحتة ووصول الاستهدافات الإسرائيلية إلى مناطقهم. فبينما يفتح الأهالي بيوتهم للنساء والشيوخ والأطفال بترحيب إنساني، يبقى الخوف دفيناً من احتمال وجود "عناصر حزبيّة" أو مقاتلين بين صفوف المدنيين.
هذه الهواجس ليست موجهة ضد النازحين، بل تعبّر عن خوف مشروع من استجلاب الغارات الإسرائيلية إلى مناطق كانت تاريخياً بعيدة عن فوهة المدافع. هذا "التوازن في الحذر" من كِلا الطرفين، جعل النزوح نحو الشمال عملية انتقائية ومحكومة بضوابط أمنية ونفسية غير معلنة، بانتظار "ضمانات" تكسر حدة القلق المتبادل.




