حقائب النازحين: وطنٌ مصغّر ونتفٌ من الماضي لمستقبل قاتم

بثينة عوضالثلاثاء 2026/03/24
Image-1774258408
داخل الحقيبة أوراق تثبت من أنت، وأشياء تذكرك بمن كنت، وأملٌ صغير بمن قد تصبح (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الساعة الرابعة فجراً. بيروت تغطّ في نومٍ هشّ، كمن ينام بعينٍ مفتوحة. فجأة يخترق الصمت صوتٌ معدنيّ قاسٍ: إطلاق نار تحذيري، يتبعه نداء إخلاء. لا يحتاج الناس إلى تفسير. خلال دقائق، يتحوّل الليل إلى ساحة ارتباك، صراخ، تدافع، أبواب تُفتح بعنف، وأقدام حافية تهرول على الإسفلت البارد.

في تلك اللحظة، لا يكون السؤال: إلى أين نذهب؟ بل: ماذا سنأخذ معنا؟

يظهر التحذير، أو تصل رسالة، أو يُسمع صوت افيخاي ادرعي مهدداً، يعرف الناس أنَّ خلفه دماراً وشيكاً. دقائق قليلة فقط تفصل بين البيت والركام. الزمن يتقلّص، العالم ينكمش، وكل ما كان يشكّل حياةً كاملة ــ غرف، صور، كتب، روائح ــ يتحوّل إلى خيارٍ واحد: حقيبة.

 

جراحة الذاكرة

في الحروب، لا تعود الحقيبة مجرّد أداة سفر، تصبح كائناً آخر، تابوتاً صغيراً للماضي، أو رحماً هشّاً لمستقبلٍ غير مضمون، هي عملية جراحية للذاكرة، يُجبر فيها الإنسان على بتر أجزاء من حياته لينجو بما تبقّى منها. داخل كل حقيبة نازح، معركة لا تُرى.

 

العقل يصرخ: "الأوراق، الدواء، النقود، الهاتف"، القلب يهمس "الصورة، الرسالة القديمة، لعبة الطفل، قطعة القماش التي ما زالت تحتفظ برائحة من نحب".

 

تقول مريم (من إحدى مدن الجنوب ونزحت تحت القصف مرتين متتاليتين): "في تلك الدقائق، شعرت أنّ يديّ تخونانني، وضعت رغيف خبز بجانب شهادتي الجامعية، ثم أخرجت الخبز لأضع ثوباً لوالدتي الراحلة، كنت أحاول أن أختصر عمري كله في حقيبة… ولم أستطع".

 

في الشوارع، تتكشّف الحكايات. على رصيفٍ في بيروت، يجلس أبو حسين على كرسي بلاستيكي تحوّل إلى سريرٍ مؤقت، يغطّي نفسه ببطانية سميكة، ويضع حقيبته الصغيرة تحت رأسه، كأنها وسادة، أو صندوق كنز، داخلها جواز سفر مهترئ، سند ملكية لبيتٍ قد لا يكون قائماً، وهاتف محمول.

 

يقول بصوتٍ خافت: "هذا الهاتف… هو كل شيء. منه أعرف من بقي حيّاً، ومن صار خبراً".

 

غير بعيد عنه، امرأة مسنّة تمسك بحقيبة أصغر، تفتحها بحذر، كأنها تفتح جرحاً، تُخرج مفتاحاً صدئاً: "هذا بيتي"، تقول.

لكن البيت لم يعد هناك، تُخرج أيضاً حفنة تراب، وخصلة شعر ملفوفة في منديل، وتبتسم بحزن: "قصصت شعره يوم كان صغيراً… نذراً. ومنذ ذلك اليوم وأنا أحمله معي".

 

هذه الأشياء، التي لا وزن لها في الميزان، تصبح أثقل ما في الحقيبة حين يتعلّق الأمر بالبقاء على قيد الحياة… نفسياً.

 

الحقيبة كهوية

في مراكز النزوح، تتحوّل الحقيبة إلى كل شيء، هي خزانة الملابس، درج الذكريات، وسادة النوم، وحدود الجسد، هي المساحة الشخصية الوحيدة في عالمٍ مكتظّ بالغرباء.

 

عمار، شاب في العشرينات، ينام فوق حقيبته، ليس فقط خوفاً من السرقة، بل خوفاً من الضياع. "لو ضاعت… بضيع أنا"، يقول.

بالنسبة له، الحقيبة ليست ما يملك، بل ما يثبت أنه ما زال هو نفسه، داخلها بقايا "أنا" قديمة، تقاوم أن تذوب في الفوضى.

 

ما لا تحمله الحقيبة

لكن المأساة الحقيقية لا تسكن داخل الحقيبة، بل في كل ما تُرك خارجها.

في الستائر التي لم تُغلق، في فناجين القهوة التي بردت، في الكتب التي بقيت مفتوحة على صفحاتٍ لن تُقرأ.

نجاة، رجل خمسيني، يجلس في خيمة ملونة قرب بشارة الخوري، يغمض عينيه ويبدأ بتعداد أسماء كتبه: "دوستويفسكي… كافكا… نزار قباني…"

يسردها بترتيبٍ دقيق، كأنه يتفقد أبناءه، ثم يفتح عينيه، ينظر حوله، ويتمتم: "مكتبتي كانت أغلى ما أملك".

تلمع الدموع في عينيه قبل أن يضيف: "هل تعرف ما يعني أن تترك حياتك على رفّ؟"

الحياة داخل حقيبة هي تجسيد لما يمكن تسميته "الخفة الإجبارية". أن تمشي وكأنك لا تملك شيئاً، بينما تحمل على ظهرك عالماً كاملاً انهار دفعة واحدة.

 

عندما يُغلق النازح سحّاب حقيبته، لا يغلق قماشاً فقط، بل يغلق باباً على ماضٍ لن يعود كما كان، ويفتح باباً على مستقبلٍ لا يعرف عنه شيئاً، ومع ذلك… يحمل معه الأمل، حتى الأمل في الحرب يصبح شيئاً مادياً يُطوى بعناية، ويوضع بين الوثائق والصور، ويُحمل رغم ضيق المساحة.

لكن ليس الجميع يملك رفاهية هذا الأمل، في بعض الأحيان، لا إنذار، لا وقت، لا حقيبة، قرار باغتيال شخصية ما، ضربة واحدة تكفي، صاروخ يسقط على "هدف محدد" ويأخذ معه كل شيء: البيت، الذاكرة، الحقيبة… ومن فيها.

هناك، لا يبقى شيء ليُحمل. ومع ذلك، تستمر الحياة… بطريقة ما.

 

الحب في زمن النزوح

على أحد الأرصفة، بين بطانياتٍ متفرقة وأكياسٍ بلاستيكية، نشأت قصة حب.

شاب وفتاة، نزحا من قريتين مختلفتين في الجنوب، التقيا مصادفة. في البداية، كان الحديث عن الماء والطعام وأماكن النوم، ثم صار عن الذكريات، ثم عن الخوف، ثم عن الغد.

في مساءٍ بارد، اشترى لها وردة حمراء من طفلة سورية تبيع الورد ــ طفلة أخرى نزحت من حربٍ أخرى.

 

ضحكت الفتاة، ضحك الشاب، وللحظة، بدا أن العالم… طبيعي.

 

الحقيبة، في النهاية، ليست مجرد غرض. إنها وطنٌ مصغّر، وطن بسحّابٍ واحد. داخلها أوراق تثبت من أنت، وأشياء تذكّرك بمن كنت، وأملٌ صغير بمن قد تصبح.

 

لكن السؤال يبقى معلقاً، كجرحٍ مفتوح هل يمكن لحقيبة أن تتّسع لعمرٍ كامل؟ أم أن الحرب، ببساطة، أكبر من أن تُحمَل؟

ثانية من فضلكم… لم ننتهِ بعد. هل تعلمون أن أكثر من قصة حب وُلدت بين شابٍ وفتاةٍ نزحا من قرى الجنوب، والتقيا على رصيف التشرد؟

في الحرب، قد تُنتزع البيوت، وتُمحى الشوارع، وتُدفن الذكريات تحت الركام، لكن شيئاً واحداً ينجو دائماً: الحبّ… حتى في زمن الحرب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث