نهاية الاختباء وتآكل منطق الصراع اللامتكافئ  

نافع سعدالاثنين 2026/03/23
Image-1774178902
في الحروب الحديثة لم تعد البيئة الحاضنة كما كانت سابقاً، بل باتت اليوم فضاء من البيانات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خضم المواجهة الراهنة بين الحلف الأميركي-الإسرائيلي وإيران وأذرعها الإقليمية، يتعذر فصل الأبعاد السياسية والإيديولوجية عن بنية الابتكار التكنولوجي العسكري. فبينما تتصاعد السياسات التوسعية والنزعات الإبادية لليمين الإسرائيلي، متقاطعةً مع ميل أميركي متزايد نحو خوض "حرب نهائية"، تبرز في المقابل الطموحات الإيرانية بمرتكزاتها الإيديولوجية-النووية، التي تستحضر بدورها، اليوم أكثر من أي وقت مضى، سردية "حرب نهاية الزمان".

 

تآكل الصراع اللامتكافئ

لم يعد الحديث عن "شكل" الصراع ترفاً تحليلياً، بل مدخلاً لفهم عامل الحسم فيه. فالمواجهة الراهنة تنزاح تدريجياً نحو "صدام الآلات" والمنظومات الحربية، عوضاً عن الصدام التقليدي بين الجيوش. وفي هذا السياق، يتآكل نموذج "حروب الاستنزاف" بين الأطراف اللامتكافئة تحت وطأة تحول تكنولوجي أعاد رسم حدود القوة ومعادلات التكافؤ، مسقطاً عن الفاعلين الأضعف تكنولوجياً ميزة الاختفاء داخل النسيج الاجتماعي.

 

لقد قامت استراتيجيات الفاعلين غير "الدولتيين"، لعقود، على فرضية مفادها أنّ المجتمع يوفر ستاراً، وأن الجغرافيا تمنح ملاذاً. غير أنّ هذه الفرضية تتفكك اليوم مع تحوّل البيئة نفسها إلى فضاء رصد دائم.

 

ينحصر الرهان الإيراني، في هذا الإطار، في إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بإسرائيل، وكسب الوقت قبل تدمير ترسانتها الباليستية، عبر ممارسة ضغوط اقتصادية من خلال التهديد بإغلاق ممرات النفط في مضيق هرمز، وتعطيل العجلة الاقتصادية في دول الخليج عبر القصف الصاروخي اليومي. غير أنّ هذا الرهان، في ظل المعطيات الحالية، لا يوفّر سوى فاعلية مؤقتة، ويبدو محفوفاً بمخاطر عالية، خصوصاً مع مؤشرات إلى استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لامتصاص خسائر كبيرة في سبيل تحقيق نصر عسكري حاسم.

 

الرؤية الشاملة: نهاية الاختباء

تشير تقارير صادرة في السنوات الأخيرة عن مؤسسات دولية مثل RAND Corporation ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى تحوّل جوهري في أنماط القتال، يقوم على مفاهيم مثل القتال الشبكي (networked warfare) وحلقة المستشعر–الرامي (sensor-to-shooter loop)، حيث تُدمج منظومات الاستشعار الشاملة مع تحليل البيانات والقدرة النارية الدقيقة ضمن دورة زمنية شبه فورية.

 

في هذا السياق، لم يعد التفوق محصوراً بكتلة العتاد التقليدي من دبابات وطائرات، بل بامتلاك الرؤية العملياتية الشاملة، والتتبع المستمر، واتخاذ القرار استناداً إلى بيانات آنية. وقد تحوّل ما يُعرف بسلسلة القتل (Kill Chain) إلى ما يشبه "شبكة قتل" لحظية (Kill Web)، تتكامل فيها المستشعرات، والخوارزميات، والمنصات النارية ضمن منظومة واحدة عالية الاستجابة.

 

انعكس هذا التحول مباشرة على شروط الصراع غير المتكافئ. فبينما اعتمدت حركات مسلحة مثل حزب الله على إمكانية التواري داخل المجتمع، جاءت الثورة الرقمية لتقوّض هذا الشرط البنيوي. وتشير تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أنّ انتشار المسيّرات، ومنظومات الاستشعار، إلى جانب خوارزميات تحليل الصور والبصمات الحيوية، قلّص بشكل كبير قدرة الفاعلين غير الدولتيين على المناورة من دون رصد مسبق.

 

ووفق دراسة لمركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS)، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الاتصالات وصور الأقمار الصناعية مكّن الجيوش المتقدمة، وفي مقدمتها إسرائيل بدعم استخباري وتقني أميركي، من تقليص الزمن الفاصل بين الاكتشاف والاستهداف إلى دقائق معدودة. هذا التحول لا يسرّع العمليات فحسب، بل يعيد تعريف الاختفاء نفسه: فالمجتمع المتصل رقمياً، ببنيته التحتية وشبكاته، يغدو بيئة قابلة للرصد المستمر.
 لم تعد البيئة الحاضنة كما كانت؛ إنها اليوم فضاء بيانات.

 

بنية التفوق: التكامل الاستخباري–الناري

في الشرق الأوسط، يقود التفوق التكنولوجي الإسرائيلي تحولاً حاداً نحو أنماط قتال قائمة على التكامل التقني، في ظل فجوة آخذة في الاتساع مع إيران وأذرعها العسكرية. فإسرائيل من أكثر الدول استثماراً في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، لا سيما في مجالات الدفاع الجوي، والاستخبارات السيبرانية، ومنظومات القيادة والسيطرة، التي تحوّل ساحة المعركة إلى بيئة رقمية مكشوفة إلى حد بعيد.

 

ووفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، يتجاوز الإنفاق العسكري الإسرائيلي 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، من دون احتساب كلفة الحرب الجارية، وهي من أعلى النسب عالمياً. كما تشير بيانات المعهد إلى تصدّر إسرائيل صادرات أنظمة المسيّرات وتقنيات المراقبة على مستوى العالم.

 

في مضمار الدفاع الجوي، تمثّل منظومات "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"حيتس" نموذجاً متقدماً لبنية دفاعية متعددة الطبقات. وقد تناولت تقارير عسكرية نسب اعتراض مرتفعة للصواريخ في جولات التصعيد السابقة، رغم أنّ هذه النسب تبقى موضع نقاش تقني في الحرب الحالية، خصوصاً في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية القابلة للانشطار، التي تطرح تحديات إضافية لمنظومات الاعتراض، رغم محدودية أثرها التدميري نسبياً.

 

غير أنّ العنصر الحاسم لا يكمن في امتلاك هذه المنظومات بحد ذاته، بل في التكامل العضوي بين الاستخبارات والقدرة النارية. فقد بات الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في تحليل الأهداف، وتسريع عملية تحديدها، وتوجيه الضربات بدقة عالية، بما يحوّل الحرب إلى عملية شبه حسابية تُدار في أجزاء من الثانية.

 

السيادة التكنولوجية وموازين الحسم

مع تعمّق الهوة التكنولوجية، لم يعد الرهان على الوقت، أو على كثافة النيران الصاروخية وحدها، كافياً لإحداث أثر استراتيجي مستدام. ففي مقابل نمط يعتمد الإيلام الناري الواسع النطاق، يبرز نمط آخر يقوم على تحويل التفوق الاستخباري–التكنولوجي إلى تعطيل بنيوي دقيق، يشمل اختراق البنى القيادية وتحييدها، وتدمير البنية اللوجستية على نحو منهجي.

 

يشير هذا التباين إلى أنّ عامل الحسم لم يعد يتحقق عبر حجم النيران فحسب، بل عبر القدرة على ترجمة الرصد إلى شلل عملياتي متعدد المستويات. وحتى مفهوم التفوق الجوي لم يعد يُختزل في السيطرة على السماء لأغراض القصف، بل بات يرتبط بتحويلها إلى مظلة رصد استخباري شاملة، تجعل البنى القيادية مكشوفة زماناً ومكاناً.

 

ومن دون امتلاك قدرات مضادة على التضليل الرقمي وحماية الاتصالات، تغدو القيادات العسكرية والسياسية عرضة للاستهداف الدقيق، بما يقوّض استمرارية التنظيم من رأسه لا من أطرافه، ويعيد صياغة ميزان الردع من جذوره.

 

غير أنّ السيادة التكنولوجية لا تُختزل في سباق تسلح عشوائي، بل تقوم على استثمار منهجي في الإنسان: في التعليم الهندسي، والبحث العلمي، والصناعات الدفاعية الاستباقية التي تُنتج التفوق، لا تلك الردعية التي تكتفي بتكديس وسائل الإيلام.

 

الفجوة الإدراكية وسيادة المعرفة

ما يكشفه هذا التحول لا يقتصر على موازين القوة المادية، بل يمتد إلى وعي المجتمعات ذاتها بطبيعة ما يتغير من حولها. فبينما يغمر الذكاء الاصطناعي حياتنا اليومية بوصفه أداة راحة وإنتاجية، يتشكّل أثره الحاسم في المجالين العسكري والاستخباري، حيث تُعاد صياغة مفاهيم الرؤية والردع والسيطرة.

 

تعيش مجتمعاتنا اليوم داخل بيئات رقمية كثيفة من دون أن تدرك كيف ومتى تحولت هذه البيئة نفسها إلى فضاء رصد مكشوف بالكامل في زمن الصراع. فكل اتصال، وكل حركة، وكل أثر رقمي، يتحول إلى إشارة قابلة للالتقاط والتحليل ضمن منظومات رصد متكاملة.

 

إن تحصين المجتمعات لا يبدأ من إطلاق الصواريخ ولا من الشعارات، بل من القدرة على إنتاج المعرفة التكنولوجية ذاتها. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُختزل بالحدود أو الترسانة العسكرية، بل بالبنية العلمية والهندسية التي تتيح للدول حماية فضائها المعلوماتي قبل الجغرافي.

في زمن تتحول فيه المجتمعات إلى بيانات، لم يعد الاختباء خياراً، بل وهماً. وكل من لا يمتلك سيادته التكنولوجية، لن يخسر الحرب فحسب، بل سيفقد القدرة على خوضها من الأساس.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث