الجدل حول مركز الكرنتينا: بيروت على حافة انفجار اجتماعي؟

نغم ربيعالأحد 2026/03/22
Image-1774188695
مخاوف من إضافة كتلة سكانية جديدة إلى منطقة لا تزال تعيش هواجس أمنية واجتماعية (حسين فقيه)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مدينة تعيش أصلاً تحت ضغط الحرب والنزوح والقلق، يكفي قرار إداري واحد لفتح مركز إيواء جديد حتى يتحوّل إلى مادة انقسام طائفي وأهلي. هكذا يبدو المشهد في بيروت، مع تصاعد الاعتراضات على إنشاء مركز لإيواء النازحين في منطقة الكرنتينا، وسط مخاوف سياسية وأمنية وطائفية واجتماعية.

 

المركز الذي تستعد وحدة إدارة الكوارث لافتتاحه في منطقة المسلخ، قرب مرفأ بيروت، هو عبارة عن هنغار قديم يمكن أن يستوعب بين 500 و700 نازح، أي حوالي 200 عائلة وفق مصادر رسمية، بينها نحو عشر غرف ستضم أشخاصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة. الهدف منه، وفق المعنيين، بسيط ومباشر: نقل مئات العائلات من الأرصفة والواجهة البحرية والشوارع إلى مكان يحميهم من العراء. 

Image-1774188710

من الشارع إلى الهنغار

مع استمرار النزوح وتراجع القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء في بيروت، تحاول الدولة إيجاد حلول عاجلة لإخراج مئات العائلات من الشوارع، بعدما اصطدمت محاولاتها برفض شريحة من النازحين التوجّه إلى مراكز الإيواء في الشمال. وهذا يفرض البحث عن بدائل داخل العاصمة نفسها. في المقابل، القيادات السياسية الشيعية تتحمّل بدورها جزءاً من المسؤولية، إذ لا تملك القدرة على توجيه النازحين نحو مناطق الشمال أو توزيعهم جغرافياً، وهذا ما يزيد الضغط على بيروت ويضاعف حساسياتها.

 

سبق وفتحت المدارس كمراكز إيواء، انطلاقًا من مبدأ أن مسؤولية استضافة النازحين يجب أن تتوزّع على مختلف المناطق. إلا أنّ نواب الأشرفية رفضوا فتح أي مدرسة ضمن نطاقها. من هنا جاء خيار استخدام الهنغار في الكرنتينا كمركز إيواء مؤقت، بقرار من هيئة إدارة الكوارث وموافقة رئاسة الحكومة، نظراً لكون العقار تابعاً للأسواق الاستهلاكية التي تقع ضمن صلاحياتها. وتشير معلومات "المدن" إلى أن رئيس الحكومة لن يتراجع عن خطة فتح مركز الإيواء في الكرنتينا، رغم الاعتراضات السياسية والمحلية.

 

مخاوف طائفية أم مبالغات؟

غير أنّ الاعتراضات لم تقتصر على البعد الإداري أو التنظيمي، بل اتخذت في بعض الأحيان طابعًا طائفيًا واضحًا، مع تداول مخاوف في أوساط مسيحية وسنية في بيروت من إقامة مركز إيواء للنازحين الشيعة. يستند جزء من هذه المخاوف إلى هواجس مبالغ فيها تُختصر أحيانًا بعبارات من نوع "أكلونا الشيعة"، فيما يعيش مئات النازحين في الشوارع وعلى الواجهة البحرية بلا أي مأوى.

 

بالرغم من الطابع المؤقت المعلن للمركز، تبرز مخاوف إضافية تبالغ في تقدير الموقف بحجج إمكانية تحوّله تدريجيًا إلى تجمّع سكني دائم، عبر إنشاء غرف إسمنتية ومرافق داخل مساحة الهنغار، بما يشبه تجربة "الأوزاعي" في مراحل سابقة، وهو ما يزيد من حدّة الاعتراضات ويُضفي على النقاش طابعًا يتجاوز البعد الإنساني المباشر.

 

ويقول النائب غسان حاصباني لـِ "المدن": "الاعتراض على إنشاء مركز الإيواء في الكرنتينا يستند إلى نوعين من المخاوف: الأولى تتعلّق بالموقع نفسه، لكونه قريبًا من حرم مرفأ بيروت، وما قد يسببه ذلك من تأثير على حركة الشحن والعمل في المرفأ. أمّا الثانية فتتصل بإضافة كتلة سكانية جديدة إلى منطقة لا تزال تعيش هواجس أمنية واجتماعية منذ انفجار مرفأ بيروت، وسط تخوّف من تحوّل المركز المؤقت إلى واقع دائم قد يخلّف تداعيات لاحقة على مستوى التنظيم العمراني أو الاستقرار المحلي.

 

ويشير حاصباني إلى هناك بدائل يمكن الاستفادة منها، مثل المدينة الرياضية التي لم تُستنفد بعد قدرتها الاستيعابية، معتبرًا أنّ مسؤولية اختيار مواقع الإيواء تقع على عاتق الدولة لا على النازحين أنفسهم. ويؤكد أنّ الاعتراض ليس على مبدأ إنشاء مركز إيواء بحدّ ذاته، بل على موقعه، داعيًا إلى معالجة المخاوف المطروحة بما يوازن بين الضرورات الإنسانية وهواجس سكان المنطقة.

Image-1774188678

تخبط رسمي

القرارات الرسمية لم تراع الهواجس المحلية. وتقول مصادر في محافظة بيروت: "لا خلفيات للموضوع. هناك هنغار متوفر يجب استخدامه لإيواء الناس من الشوارع ومن تحت المطر والبرد"، مضيفة: "لا يمكن كلما أردنا استخدام مبنى متوفر أن نعود إلى تاريخه أو إلى تأويلات سياسية. تفاجأنا من حجم ردّة الفعل". 

 

وتتابع المصادر: "همّنا أن نؤمّن لهم مكاناً من دون إلحاق ضرر بأحد. والقرار النهائي يعود إلى رئيس الحكومة".

 

وحيال الجدل الحاصل وكيف وقع الخيار على هذه المنطقة، تؤكد مصادر رسمية في وزارة الشؤون الاجتماعية أن قرار فتح المركز "ليس بيد وزارة الشؤون، بل المحافظ. إذا كان مركز الإيواء مدرسة يكون القرار مشتركاً مع المحافظ ووزارة التربية، أما إذا كان مبنى آخر فيعود القرار إلى المحافظ، فيما تتولى وزارة الشؤون الإدارة التشغيلية للمركز".

 

في موازاة ذلك، يتساءل البعض: إذا كان مركز إيواء يشرف عليه النائب ملحم خلف يضم نحو 500 نازح في المنطقة نفسها من دون اعتراضات، فلماذا يثير مركز جديد يمكن أن يستوعب نحو 700 نازح كل هذا القلق؟

عضو بلدية بيروت محمد بالوظة يعتبر أنه "جرى تسييس الموضوع بالرغم من أنه إنساني بحت"، ويؤكد أنه بجانب الموقع " تستخدم جمعية فرح العطاء مساحة كمركز إيواء منذ العام 2024. وما يحصل اليوم هو بمثابة توسيع المكان لاستيعاب المزيد من النازحين".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث