العقد الاجتماعي والحق الديمقراطي: حين تتحول الغلبة إلى تعسّف

لؤي مريودالسبت 2026/03/21
Image-1774081330
فتحت السلطة الجديدة الباب أمام قرارات تبدو مشروعة شكليًا لكنها تمس جوهر الحريات العامة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار قرار محافظة دمشق بحصر بيع الكحول في مناطق معينة جدلاً واسعًا حول مدى اتساقه مع مبادئ العقد الاجتماعي وحقوق المواطنين. فالقرار الذي جاء كإجراء إداري في بلد لا يوجد فيه نص دستوري يمنع استهلاك الكحول، يشير في نصه إلى أنه صدر "بناء على طلب المجتمع المحلي وورود مجموعة من الشكاوى".
 

يُقدَّم القرار في ظاهره بوصفه استجابة لمقتضيات تنظيمية تهدف إلى الحد من بعض الآثار الاجتماعية المحتملة، بما يوحي بأنه انعكاس لإرادة مجتمعية أو لما يُفترض أنه مصلحة عامة. غير أن هذا الطرح يفتح بابًا لتساؤل مشروع: ماذا لو برزت مطالب مقابلة من سكان مناطق أخرى تطالب بالسماح بدل المنع؟ هل ستُقابَل بالاعتبار ذاته؟
 

غلبة غير ديموقراطية

مثل هذا التساؤل لا يستهدف القرار بحد ذاته، بقدر ما يكشف هشاشة الأساس الذي تقوم عليه القرارات المبنية على مطالب جزئية، حين تُقدَّم بوصفها تعبيرًا عن إرادة عامة. فالديمقراطية ليست مجرد الاستجابة لأصوات متفرقة، بل هي عملية تراكمية معقدة، قوامها الوعي العام، وأداتها الأساسية منظومة تمثيلية سليمة تبدأ من البنى المحلية، كالأحياء، مرورًا بالمجالس البلدية، وصولًا إلى الهيئات التشريعية الأوسع.
 

عند هذا المستوى فقط، حيث تتوافر الشفافية وتتكامل أدوات التمثيل، يمكن الحديث عن غلبة ديمقراطية حقيقية. غلبة لا تقوم على ترجيح كفة فئة على أخرى، بل على تحقيق توازن عادل يحترم حقوق الجميع ويصون الحريات الأساسية. أما في غياب هذه الشروط، فإن أي قرار ولو استند ظاهريًا إلى "رغبة مجتمعية" يبقى عرضة لأن ينزلق إلى شكل من أشكال التعسف، بما ينعكس سلبًا على العقد الاجتماعي ويقوّض أسس الدولة المدنية.

 

التراث الإسلامي وعدم التعارض

تاريخيًا، لم يكن استهلاك الكحول مقصورًا على أبناء مناطق معينة أو على طائفة محددة، بل شمل مختلف السكان عبر العصور، بما في ذلك في عصور الإسلام الأولى، حتى وإن كانت الشريعة تضع قيودًا على ممارسته. كما أن من البديهي التذكير بأن الإسلام لم يدخل إلى سوريا في 8 كانون اول 2024 ، بل هو جزء أصيل من تاريخها الممتد لقرون طويلة، حيث تعايش الناس ضمن أطر اجتماعية ودينية واضحة، واحترموا خصوصيات بعضهم البعض، وتطورت عبر الزمن مساحات من الحريات المنظمة ضمن هذا التوازن.
 

هذا الإرث التاريخي لا يتعارض مع حقيقة أن سوريا اليوم هي دولة مدنية تقوم على قواعد قانونية ودستورية حديثة، تشكل مرجعية لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا، فإن الخلط بين المجالين—الديني كمرجعية قيمية واجتماعية، والقانوني كإطار ناظم للحقوق والواجبات—قد يؤدي إلى إرباك في فهم حدود السلطة، ويفتح الباب أمام قرارات قد تبدو مشروعة شكليًا لكنها تمس جوهر الحريات العامة.
 

انعكاس القرار على العقد الاجتماعي

تأثير مثل هذه القرارات على العقد الاجتماعي والحريات العامة ملموس في عدة أبعاد:
1. تراجع الثقة بالمؤسسات: إذ يشعر المواطنون بأن قرارات السلطات المحلية  قد تُطبّق على المواطنين  بظلم، ما يضعف شرعية السلطات ويزيد النفور من الالتزام بالقوانين. 


2. تقييد الحقوق الفردية: فرض قيود على ممارسة نشاط مشروع في أماكن محددة يحد من حرية الاختيار والحقوق الشخصية. 


3. إثارة الاحتجاج الاجتماعي: القرارات التي تتجاوز التوازن  و المساواة بين المواطنين تؤدي إلى شعور بالظلم، ما يثير مقاومة اجتماعية أو رفضًا ضمنيًا للتعليمات. 
 

في النهاية،  لا أبالغ بالقول إنه إذا ما تحقق للإدارة الجديدة التي أتت بعد 8 كانون اول 2024 من رصيد كبير جداً من التأييد والدعم المفعم بأمل بتمثيل طموحات السوريين لم يتحقق لأحد ربما منذ المؤتمر السوري الأول 8 اذار 1920... لذا فإن الرجاء من السلطات الحفاظ عليه لأن تكرار الأخطاء و القرارات العشوائية تجفف أي رصيد مهما كان كبيراً.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث