الفطر وزمن الحرب: عيدٌ يقاس بحجم الخوف ويُختصر بحلم العودة

نغم ربيعالجمعة 2026/03/20
Image-1773926820
بيوتهم إما مغلقة على الغياب أو مدمرة، والعائلات مشتتة بين مراكز الإيواء والأقارب (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

"عيد، بأيّ حال عُدت يا عيد؟"… لا تأتي العبارة هنا كاستعارة أدبية، بل كجملة يومية يرددها النازحون في مراكز الإيواء، حيث العيد مؤجّل، أو بالأحرى مُعلّق بين ذكرى وقلق.

في إحدى القاعات المكتظة في معهد بئر حسن، تقول زينب لـِ "المدن": "لا عيد… نشعر بالعيد فقط حين يتوافر الأمان والاستقرار. أما الآن، فكل ما نريده هو أن نعود إلى بيوتنا". تتوقف قليلاً، كأنها تستعيد صورة بعيدة، ثم تضيف: "كان العيد أجمل في البلدة… ليتنا نعود، ولو إلى خبزة وزيتونة".

Image-1773927014

حرب وعيد

لطالما كان عيد الفطر بالنسبة لأهالي الجنوب والبقاع، الذي يقطنون في بيروت، فرصة لزيارة بلداتهم لقضاء الوقت إلى جانب أحبائهم وزيارة قبور موتاهم. لكن اليوم، الجميع نزح من ويلات الحرب. ويعيش نازحو مراكز الإيواء والخيام في لبنان على حافة النجاة، في مساحات ضيّقة تُعلّق فيها الحياة بين انتظار ثقيل وخوف يومي. لا يطلبون الكثير، فقط أن تتوقف الحرب، وأن يستعيدوا حقهم البسيط في يوم عادي: صباح هادئ في البيت، قهوة تُشرب على مهل، وباب يُفتح من دون قلق. بالنسبة لهم، لم يعد العيد طقساً دينياً أو مناسبة اجتماعية كما كان، بل تحوّل إلى معنى واحد: الأمان. صار العيد مرادفاً له، ومشروطاً به، ومؤجّلاً إلى حينه.

 

غابت فرحة عيد الفطر عن معظم هؤلاء. لا أبواب تُفتح لاستقبال الأقارب، ولا ساحات تضجّ بالزيارات والتهاني، ولا ضحكات تتردّد في الأزقة. البيوت الأصلية إمّا مغلقة على الغياب أو مدمّرة، والعائلات موزّعة بين مراكز الإيواء ومناطق اللجوء الداخلي.

 

"لا عيد خارج البيت"

في هذا الواقع، تتبدّل الأولويات على نحو قاسٍ: يصبح الأمان هو العيد، والعودة هي العيد، ولمّ الشمل هو العيد. تختفي التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع بهجة المناسبة، لتحلّ مكانها رغبة واحدة تختصر كل شيء.

يُجمع كثيرون على فكرة واحدة، تُقال بلهجات مختلفة لكنها تحمل المعنى ذاته: لا عيد خارج البيت، ولا فرح بعيداً عن الأرض. وبين همسات الأمهات، وأحاديث الرجال، وتنهيدات الكبار، تتكرّر العبارة نفسها كدعاء يومي: "الله يردّنا إلى بلادنا".

من بلدة عيناتا، تختصر وردة فضل الله المشهد بعبارة قاطعة "لستُ في حال عيد على الإطلاق". وتضيف لـ"المدن": "كان العيد أجمل في البلدة، في ظلّ الأمان والاطمئنان… نحن نعيش مأساةً طويلة، ووضعنا بالغ الصعوبة".

أمّا حسن حلاوي، النازح من قعقعية الجسر، فيبدو مثقلاً بما يتجاوز الكلام. يحاول أن يشرح ما لا يُشرح، وعيناه تحملان حزناً ثقيلاً وحسرةً صامتة. يقول لـ"المدن" "نحن، كنازحين، مثقلون بالهمّ… فالعيد أن ترى من تحبّ، أن تجتمع بهم. أمّا اليوم، فلا أحد يرى أحداً، كلٌّ في مكان".

 

"نريد أن نشعر بالأمان"

في زاوية أخرى، أمين عامر، ابن قانا، يفتّش عن توازن داخليّ أكثر منه عن راحة جسدية. يكرّر جملة واحدة، بنبرة خافتة، كأنها تعويذة يتمسّك بها: "نريد الأمان… فقط نريد أن نشعر به". لا يطلب أكثر من ذلك، كأن كل ما عدا الأمان صار ترفاً مؤجّلاً.

يصمت قليلاً، ثم يعود إلى ذاكرته، إلى صورة العيد كما عرفها يوماً: "كان العيد مع الأحبّة، مع الأصدقاء، مع أهل البلدة… كنّا نلتقي، نضحك، نرقص ونؤدّي الدبكة". يتوقف، كأن المشهد ينكسر فجأة، ثم يختم بصوت مثقل: "أمّا اليوم، فتهجير… ولا شيء".

 

حلّاق العيد

وبالرغم من كلّ شيء، تظهر محاولات خجولة لإحياء ما يمكن إنقاذه من معنى العيد، كأنها مقاومة صغيرة في وجه هذا الخراب الثقيل. في مركز بئر حسن، يصل "حلّاق العيد" حاملاً معدّاته.

علي حمود، الذي اعتاد أن يكون العيد بالنسبة إليه موسم عمل وازدحام، يأتي اليوم إلى مركز الإيواء لا ليكسب، بل ليمنح شيئاً من الإحساس بالحياة. يجلس الرجال والأطفال تباعاً على الكرسي البلاستيكي، بعضهم يبتسم على استحياء، وآخرون يلتقطون صوراً بهواتفهم، كأنهم يوثّقون لحظة عادية أصبحت نادرة.

يقول حمود لـِ "المدن": "نحاول أن نُشعر الناس بأجواء العيد، أن نخفّف عنهم قليلاً". 

Image-1773926790

 

الأطفال.. بلا فرحة العيد

الأطفال أيضاً يتمسّكون بما تبقّى، كأنهم يرفضون، بطريقتهم الصامتة، أن تسحب منهم طفولتهم، يلعبون ويلهون في المركز. روزان علوية، الطفلة القادمة من مارون الراس، تتحدث ببساطة موجعة، تختصر ما تغيّر: "كنّا نشتري ثياب العيد، نخرج، نلتقي بالعائلة… أمّا الآن، فهناك حرب، ولا نستطيع أن نفعل تلك الأشياء". تقولها من دون شكوى صريحة، لكن بوعي مبكّر لما فُقد.

حولها، أطفال آخرون يراقبون، يشاركونها الصمت أكثر مما يشاركونها اللعب. بعضهم يحاول أن يخلق من المكان الضيّق مساحةً للفرح، يركض بين الفرشات، يضحك للحظات قبل أن يعود كل شيء إلى ثقله. كأن الطفولة هنا تتعلّم بسرعة كيف تتكيّف، وكيف تُخفف من خيباتها بنفسها.

أما الطفلة نادية، النازحة من الضاحية، فتختصر المشهد بجملة واحدة، لكنها تحمل كل الفارق بين عيدين: "عيد؟… في العيد كنّا نكون فرحين، وكانت هناك أجواء. هذا العيد مختلف". تتوقّف عند هذه الكلمة، "مختلف"، كأنها تختزن ما لا يُقال: عيد بلا ضحكات مكتملة، بلا زيارات، بلا طمأنينة. عيد يُعاش على الهامش، بانتظار أن يعود إلى مكانه الطبيعي… في البيت.

في النزوح، عيد يُقاس بمقدار الخوف، ويُختصر بحلم واحد: العودة. لا أحد يسأل عن حلوى العيد، ولا عن طقوسه. السؤال الوحيد الذي يتكرر، بصيغ مختلفة، لكنه يحمل المعنى نفسه: متى ينتهي هذا الانتظار؟ 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث