"النهي عن المنكر" في سوريا: وصاية اجتماعية ومنع شرب الكحول

المدن - مجتمعالأربعاء 2026/03/18
Image-1773764884
منع بيع الكحول أصبح شبه كامل والإجراءات تُطبق بصرامةٍ تتجاوز نص قرار الحكومة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الساعة العاشرة ليلاً في باب شرقي، لا تعبر شارعاً بقدر ما تدخل حياةً كاملة. الازدحام هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو المشهد ذاته. أجسادٌ متلاصقة، أصواتٌ متداخلة، وضحكاتٌ ترتطم بالحجارة القديمة التي شهدت آلاف الخطوات قبلك، حتى صار المارّون جزءاً من ذاكرة المكان، وصار المكان جزءاً من قلوبهم. في تلك اللحظة، تدرك أن دمشق لا تُرى فقط، بل تُعاش بكل تفاصيلها.

 

شبابٌ من محافظات سورية مختلفة، أجانب، مثقفون، طلاب، وفنانون، يتبادلون الأحاديث الثقافية بصوتٍ عالٍ، بينما تُقال السياسة بلغةٍ أخرى، أقرب إلى الهمس أو التورية، بكلماتٍ ملغّمة يفهمها الجميع، قبل أن تنطلق الضحكات كنوعٍ من التواطؤ الجماعي على الخوف. في أحياء قريبة، مثل المالكي، يتكرر المشهد ذاته، وكأن المدينة كانت مساحةً مفتوحةً للحياة، بلا حدودٍ واضحة، بلا محاذير معلنة، لكنها كانت تفتقد شيئاً واحداً يعرفه الجميع دون أن يسمّيه مباشرة: الحرية.

 

غرف سياسة غير معلنة

كان يكفي أن يغيب شخصٌ عن إحدى الحانات القديمة، حتى يفهم أصدقاؤه السبب من دون سؤال: تم اعتقاله. لم تكن تلك الحانات مجرد أماكن للترفيه، بل كانت أشبه بغرف اجتماعاتٍ غير معلنة، تُنسج فيها العلاقات، وتُناقش فيها السياسة، وتُبنى فيها أولى الأفكار للخروج إلى الشارع وتأسيس ما عُرف لاحقاً بالتنسيقيات على منصات التواصل.

 

في حي العدوي، قرب أحد الحواجز العسكرية، كان "القصبجي" أكثر من مجرد مكان، كان ذاكرةً ثقافيةً ومتنفساً شبه سري. في إحدى الليالي، خلال جلسة سمر، كان الروائي الراحل خالد خليفة يتحدث عن أهمية سقوط النظام البائد، فتسلل الحماس إلى الحاضرين، ووُضعت أغنية "بدنا نسقط هالنظام"، ليرتفع الصوت جماعياً كأنه صادر عن حنجرةٍ واحدة. لم تمر لحظات حتى دخل عناصر الحاجز إلى المكان، أسلحتهم مصوّبة نحو الوجوه. صمتٌ ثقيل خيّم على المكان، قبل أن تنكسر المفارقة: ضحك أحدهم، وبدأ يردد الأغنية مع الحاضرين، في مشهدٍ يلخص تناقضات تلك المرحلة.

 

تخرج من المكان، وتمشي باتجاه جسر الرئيس، الذي أصبح يُعرف لاحقاً بجسر الحرية. هناك، كانت مكتبةٌ صغيرة تشكل ملاذاً مختلفاً، كتبٌ تُباع بأسعارٍ رمزية، وأخرى ممنوعة تُعطى مجاناً أو تُعار لمن لا يملك ثمنها. لم تكن القراءة رفاهيةً، بل مساحة تنفّس، وفعل حريةٍ صامت في مدينةٍ كانت تراقب الكلام.

 

تبدّل المشهد اليوم

اليوم، بعد سنوات، يعود المشهد في المكان ذاته، لكن ما تغيّر ليس الحجر، بل معنى الحياة فيه. تحت الجسر نفسه، في كراجات دمشق، يظهر مشهدٌ جديد لما بات يُعرف بين الناس بـِ "السائق الداعية". مجموعاتٌ من الشباب بلباسٍ ديني تجول بين السائقين، تطلب إيقاف الأغاني واستبدالها بتلاواتٍ قرآنية، وتوزع ملصقاتٍ تحمل عباراتٍ دينية ومقولة دمشق إلى يوم القيامة، وتقدّم نصائح مباشرة. لا توجد جهة رسمية تعلن تبني هذه المبادرات، لكن تكرارها واتساعها يمنحها طابعاً منظّماً، ويحوّل الفضاء العام إلى ما يشبه درساً دينياً مفتوحاً لا يمكن الانسحاب منه بسهولة.

 

تمدّد الخطاب

ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فبمجرد مغادرة هذه المساحات، تبدأ الرسائل بالوصول إلى الهواتف الشخصية، دعواتٌ للعمرة، أناشيد، أدعية، ومحتوىً ديني مكثف يتكرر بإيقاعٍ يومي، وهذا ما يعكس انتقال الخطاب من الشارع إلى الحياة الخاصة. المشكلة هنا لا تتعلق بالدين نفسه، بل بطريقة حضوره بوصفه خطاباً عاماً مفروضاً، لا خياراً فردياً.

 

في الوقت نفسه، تتصاعد حوادث تعكس هذا التحول. موظفةٌ تُطرد أمام زملائها لأنها تناولت دواءً خلال الدوام، مع عباراتٍ مهينة، ورجلٌ يتعرض للضرب لأنه يدخن في الشارع خلال شهر رمضان. هذه الوقائع، التي تتكرر في شهاداتٍ متعددة لـ"المدن"، تشير إلى نمطٍ آخذ في الاتساع، حيث يتحول المجتمع نفسه إلى جهةٍ رقابية تمارس سلطةً مباشرة على الأفراد.

 

وهنا، تداولت منصات إعلامية خبراً عن نية إنشاء هيئةٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعتمد على التبليغ عبر الهواتف، ما يعزز فكرة إشراك المواطنين في مراقبة السلوك العام، ما دفع بالكثير منهم إلى تصوير مواطنيهم في المطاعم وهم يجاهرون بإفطارهم وإرسالها إلى اشخاص محددين. ورغم غياب إعلانٍ رسمي واضح، إلا أن ما يحدث على الأرض يوحي بأن هذه الفكرة تحولت إلى واقعٍ فعلي عبر مبادراتٍ فردية تتزايد يوماً بعد يوم، وكأنها قطع دومينو تسقط الحرية واحدة تلو الأخرى ومحاولة لقتل الحياة الطبيعية وإعادة هندسة المجتمع من جديد 

 

قرار تنظيمي؟

وسط هذا المناخ، أعلنت محافظة دمشق قراراً بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية داخل المدينة، وحصر بيعها في مناطق محددة مثل باب توما والقصاع وباب شرقي، ضمن محلاتٍ مرخصة، مع فرض شروطٍ مكانية صارمة، ومنع تقديمها للاستهلاك داخل المحل، ومنح مهلة ثلاثة أشهر لتسوية الأوضاع. وقد بررت الجهات الرسمية القرار بأنه استجابةٌ لشكاوى من المجتمع المحلي، وضمن جهود الحد من الظواهر المخلة بالآداب العامة.

 

لكن على أرض الواقع، يقدّم أصحاب محال في باب شرقي روايةً مختلفة. يؤكد بعضهم لـِ "المدن" أن المنع أصبح شبه كامل، وأن الإجراءات تُطبّق بصرامةٍ تتجاوز نص القرار، لتطال حتى الأماكن المرخصة. هذا التباين بين النص والتطبيق يفتح باب التساؤل حول طبيعة القرار: هل هو تنظيمي إداري، أم خطوة ضمن مسارٍ أوسع لإعادة تعريف الفضاء العام؟

 

في اللاذقية، بدا المشهد أكثر حدّة. فقد أُغلقت عدة مطاعم وحانات في حي "الأميركان" خلال شهر رمضان، بذريعة تقديم مشروباتٍ كحولية. ووفق شهادات أصحابها، تم الإغلاق بشكلٍ مفاجئ ودون إنذاراتٍ مسبقة، مع تكسير محتويات داخل بعض المنشآت. ورغم نفيٍ أولي من جهاتٍ رسمية، إلا أن الوقائع الميدانية أكدت تنفيذ الحملة، وهذا ما أعاد فتح ملف غياب الوضوح القانوني وفجوة التراخيص التي تترك هذه الاستثمارات عرضةً لإجراءاتٍ مفاجئة.

 

ما يجري في دمشق وغيرها من المدن السورية يتجاوز القرار الإداري، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بشكل الحياة العامة وحدود الحرية الفردية. ففي حين تبدو البلاد وقد خرجت من مرحلةٍ من القمع السياسي الصريح، يظهر شكلٌ آخر من الضبط، أكثر انتشاراً وأقل وضوحاً، يمارسه المجتمع نفسه.

 

دمشق التي كانت تخاف من الكلام، كانت تجد طرقاً لتعيش. أما اليوم، فبينما تتسع مساحة التعبير، يشعر كثيرون بأن مساحة العيش تضيق. هنا تكمن المفارقة: الحرية لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون سياسيةً فقط من دون أن تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.

 

من يملك المدينة؟

في النهاية، لا يعود السؤال مرتبطاً بالكحول أو بقرارٍ بعينه، بل بمن يملك الحق في تحديد شكل الحياة في المدينة: الدولة، أم المجتمع، أم الفرد نفسه. وفي دمشق، المدينة التي تعيش على طبقاتٍ من الذاكرة والتناقض، يبدو أن الإجابة لا تُفرض بقرار، بل تتشكل يوماً بعد يوم، في الشارع ذاته الذي لا يزال ينبض بالحياة… رغم كل شيء.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث