الحرب تدخل أحياء بيروت: من بين الركام يصرخون "فدا السيد"!

نغم ربيعالجمعة 2026/03/13
Image-1773397567
وسع العدو الإسرائيلي دائرة ضرباته داخل بيروت ومحيطها (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تصعيد يتجاوز الجغرافيا التقليدية للحرب، وسّع العدو الإسرائيلي دائرة ضرباته داخل بيروت ومحيطها، مستهدفاً مناطق لا تُصنَّف عادةً ضمن البيئة السياسية أو الاجتماعية المحسوبة على "الثنائي الشيعي". وطالت الغارات أحياءً في الباشورة وزقاق البلاط، كما امتد القصف إلى منطقة النبعة في برج حمود، فجر اليوم الجمعة في 13 آذار. وبدا المشهد كأنه محاولة لجرّ الحرب إلى قلب النسيج المدني للمدينة، وإعادة توزيع الخوف على خريطتها الاجتماعية والطائفية.

مع كل انفجار جديد، تتردّد في الشوارع وعلى وسائل التواصل عبارة باتت مألوفة: "فدا السيد". عبارة يرفعها بعض مناصري الحزب بوصفها تعبيراً عن الولاء والاستعداد للتضحية، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم الانقسام الذي يتسلل إلى النقاش العام، بين من يرى في الحرب معركة وجود، ومن يعيشها كعبء يومي يتوزع على أحياء مدينة لم تعد تعرف أين يبدأ الخطر وأين ينتهي.

 

 

نظرات إلى المبنى… ثم متابعة الطريق

عند الوصول إلى منطقة النبعة في برج حمود، يبدو خوف سكان المنطقة واضحاً، وينعكس في غياب الصخب والازدحام اللذان تتسم بهما تلك المنطقة عادة. بدا كأن السكان انسحبوا من الشوراع ومكثوا في بيوتهم، خوفاً أو رهبة من مشاهد الحرب بين ظهورهم. فبخلاف ازدحام المواطنين لمعاينة استهدافات سابقة في قلب بيروت، كما حدث في عائشة بكار، خلت النبعة من الازدحام والتجمعات لمعاينة المكان المستهدف. كان السكان يمرّون على عجل، بعضهم يتوقف للحظة ويسألون إذا كانت هذه هي الضربة التي سمعوا دويّها فجراً. يرفعون رؤوسهم نحو المبنى، يحدّقون قليلاً… ثم يكملون طريقهم. كأنّ المدينة تعلّمت أن تمرّ بجانب الحرب من دون أن تتوقف طويلاً عنده.

تروي سميرة، التي تقطن خلف المبنى الذي استُهدفت فيه الشقة في الطابق الرابع، تلك اللحظات لـ"المدن": "شعرت البيت فقع، حرفياً. كل شيء اهتزّ، وصرت أرتجف". 

وتشير إلى الأضرار التي لحقت بمنزلها، من تحطم الزجاج وبعض الأثاث، وتضيف بنبرة تجمع بين القلق ومحاولة التماسك: "تضرّر البيت قليلا، لكن الحمد لله ما صار شيء أكبر. نحن باقون في بيوتنا… إنشاءلله ما يعيدوها".

Image-1773397812

على بعد أمتار، تقف دلال عامر لتفقد المكان. تقول إن الضربة باغتت الناس في لحظة ظنّوا فيها أن القصف بعيد عن منطقتهم: "ظنينا الضربة في الضاحية. خرجنا لنرى ماذا حصل وإذا بالضربة بين بيوتنا". تصمت قليلاً قبل أن تضيف: "وقتها بلّشت الناس تهرب".

لكن حديثها لا يتوقف عند الخوف فحسب، بل يتجه سريعاً نحو أسئلة الأمن والوجود في المنطقة. تقول: "على البلدية أن تتحرّك وتراقب من يأتي أو ينزح إلى المنطقة". وهذه عبارة تعكس، كما في مناطق أخرى في بيروت، القلق المتصاعد بين السكان من أن تتحول الأحياء المكتظة بالسكان إلى نقاط استهداف مفاجئة. وهذا ما يعمل العدو الإسرائيلي عليه من خلال الاستهدافات المشابهة وضرب مناطق مختلطة أو بعيدة نسبياً عن ساحات النفوذ التقليدي لـ"حزب الله" وحركة "أمل". والهدف منها إحداث قلاقل بين اللبنانيين بما يفتح الباب أمام توترات اجتماعية وسياسية، ويغذي أسئلة اللبنانيين عن كلفة الحرب ومن يدفع ثمنها.

 

خسائر تحت الركام… و"فدا السيد"

في الباشورة، حيث استُهدفت المنطقة أمس قبيل الإفطار بثلاث غارات متتالية، تبدو آثار الضربة ثقيلة على المكان. الأضرار هائلة: سيارات محطمة، زجاج متناثر في الشوارع، وواجهات أبنية متصدّعة. منذ الصباح الباكر بدأت أعمال رفع الركام وتفقد السكان  ما تبقّى من ممتلكاتهم.

Image-1773397722

تجلس سيّدة مسنّة على كرسي بلاستيكي قرب دكانها، تغطي وجهها بطرف منديلها لعدم استنشاق الغبار والدخان المتصاعد حولها. تتّكئ على عكازتها منتظرة الحدّاد الذي يعمل على فتح الباب الحديدي للدكان. فقد ضغطه عصف الانفجار إلى الداخل وبات بحاجة لصيانة كي يفتح.

مواطن آخر في الشارع عينه يشكو من الأضرار التي لحقته وراح يتمتم: "عندي موقف سيارات تحت المبنى، تضرر إلى جانب عدد من السيارات بما فيها سياراتنا. لم نتمكن من إخراجها عندما جرى تهديد المبنى لأن الوقت كان ضيقاً". يتوقف قليلاً قبل أن يضيف بنبرة تختصر شعور كثيرين هنا: "المهم أنو نحنا بخير".

غير بعيد عن المكان، يقف أحد النازحين من بلدة شحور الجنوبية، الذي لجأ إلى مدرسة قريبة من الباشورة. سيارته أيضاً لم تسلم من الأضرار. ويقول: "نزحنا إلى المدرسة وركنّا السيارة هنا. عندما صدر الإنذار حاولنا إخراج السيارة، لكن الشبان هنا لم يسمحوا لنا خوفاً علينا". ويضيف، مستعيداً ما تردد بين الناس بعد الضربة: "ما شفنا خمسين ألف ليرة وين في مصاري بالمبنى"، ردا على زعم المتحدث بإسم جيش العدو الإسرائيلي أن هناك أموالاً في المبنى. ويختم قائلا "فدا السيد".

يقاطعه شاب يقف إلى جانبه قائلاً بلهجة ساخرة يغلب عليها الغضب: "كل هذا من وجعهم… جنّوا وعم يضربونا عشوائيا".

Image-1773394384

في زقاق البلاط، حيث استُهدف فرع لـ"القرض الحسن"، المشهد لا يقل قسوة. الأضرار كبيرة في السيارات والمحال التجارية، فيما تناثرت أوراق ومستندات المؤسسة في الشارع وبين الركام.

تقف سيدة أمام محلها الصغير للمصبغة الذي تضرّر بشدة، تنظر إلى واجهته المحطمة بحيرة واضحة. تجلس بصمت، وكأنها تحاول أن تفهم من أين ستبدأ. يقترب منها ابنها ليطمئنها قائلاً: "فدا السيد يا ماما". عبارة تختصر، في لحظة واحدة، مزيجاً من الحزن والولاء ومحاولة التخفيف من وطأة الخسارة.

على السيارات المتضررة في الشارع، توزّعت أوراق دعائية كتب عليها "زجاج للسيارات"، وضعها أصحاب المهن الذين سارعوا إلى عرض خدماتهم بعد الانفجار. وبين الركام، يحاول أحد التجار إخراج ما تبقّى من بضاعة صالحة من داخل متجره، فيما يعمل عمال على إغلاق المحال التي فُتحت أبوابها على مصاريعها بفعل العصف.

هنا أيضاً بدأت عمليات رفع الركام. المكان يستعيد شيئاً من حركته تدريجياً، لكن آثار الضربة ما زالت واضحة في كل زاوية، وفي وجوه الناس الذين يتنقلون بين الركام، يحصون خسائرهم… ويحاولون استعادة يوم عادي في مدينة لم تعد أيامها عادية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث