قبيحٌ هو وجه الدمار الذي يلفّ الضاحية الجنوبية. دخانٌ أبيض يخنق منطقة صفير - حي الأبيض. مُرعبٌ هو وجه الخراب الذي طوّق الشارع المودي إلى بيتي. كابوسيّة الوصول إلى بيتي لم تكن إلا محاولة مستميتة لقراءة شكل المنطقة المُشوه، ولاستدراك أن منطقتي التي كانت "آمنة" طوال السنة ونصف الفائتة، تحولت لساحة حربٍ والرجوع إليها بات صعبًا.
لعلّ اشتياقي المُتواصل إلى الطمأنينة التي فقدتها عشية اطلاق الصواريخ وبدء الغارات الإسرائيلية على الضاحية، هو ما دفعني اليوم إلى زيارة منزلي صباحًا. رحلة محفوفة بالمخاطر، على المرء أن يسارع في الوصول، وأن يضغط أكثر فأكثر على فرامل السيارة لتصل بأسرع ما يُمكن، هي محاولة للتسابق مع الإنذارات الإسرائيليّة ومع الخرائط التي لم تعد تُحدد المباني، بل الأحياء بأكملها.
طلبت من أصدقائي إبلاغي بأي خريطة فُجائية، لأنني في مهمة سريعة، عليّ توضيب ثيابي المُتبقية في منزلي.
طوال الطريق من السوديكو إلى منطقة صفير، حاول أصدقائي مُتابعة كل الأخبار العاجلة، "هيا..خُذي الأشياء المُهمة واخرجي فورًا.."، لكن حصل ما لم يكن في الحُسبان. إذ اكتشفت فجأةً أن المبنى المُواجه لمنزلي، كان من أهداف الطائرات الإسرائيليّة فجرًا. الحيّ مُشوه، والدمار في كل مكانٍ، والدخان الأبيض ينخر كل الزوايا لتشعر بأنك عاجز عن التنفس بسهولة. لكن، عليّ اخراج أغراضي..
دمار ودخان
وأنا أشدّ على مفتاح منزلي، تفاجأت بأن الباب مفتوح. للوهلة الأولى، ظنّنت أن أحدهم بداخله، سرت بخطوات ثقيلة، ليتبين أن منزلي مشوه. الزجاج على الأرض. رائحة الصواريخ الكريهة في كل زاوية. عجزت أمام مشهد الدمار، فتأكدت بأن كل محاولاتي بالتماسك باءت بالفشل. جلست على الكنبة التي أستريح يوميًا عليها، وبكيت. ثلاث دقائق من العجز قبل أن أتلفق أنني في مهمة وعليّ توضيب الثياب. أمسكت بأكياسٍ سوداء اللون، كانت أصابعي تشد على كل قطعةٍ بقوة، لا أريد لأي منها أن يتهاوى تحت الدمار. وبين اللحظة والأخرى، أتأمل في منزلي، ألقي بطرف عيوني على غرفتي، والطيران المُسير يحلق فوق المنطقة بشكل مُكثف. يقف المرء عاجزًا في هكذا لحظات. بين العودة إلى طفولته والمضي في الواقع الحاليّ، إنها المرة الأولى التي أشعر فيها أن هذه الزيارة قد تكون الأخيرة لمنزلي. لذلك، كان سؤال واحد يدور في رأسي: ما هي الأشياء المهمة التي يجب اخراجها من هنا؟ وكان الجواب واحداً.. في هذا البيت..كل الأشياء مهمة..حتى أعمدة هذا البيت مُهمة.
في هذه اللحظات، استرجعت جزءًا صغيرًا من ذاكرتي، أعادتني إلى التسعينيات..حين اشترى والدى هذا المنزل في العام 1996، العام الذي ولدت فيه. كان يُردد دائمًا أمامنا: "اشتريت لكم بيتًا في الضيعة". لم تكن الضاحية كما أضحت في العقدين الأخيرين. كانت الأراضي عبارة عن بساتينٍ وأشجار، وليتمكن أي شخصٍ من السهر على شرفته، كان يحتاج لأن يلف نفسه بثياب من الصوف، ليحتمي من الهواء البارد، لكن هذه المنطقة تحديدًا تحولت لغابة إسمنتية مضغوطة على حافة المدينة، وتلاصقت المباني وتغيرت ملامح المنطقة واكتظت بأكثر من 800 ألف نسمة.
عشية اطلاق الصواريخ، أيقظتني والدتي، أخبرتني أن ستة صواريخ أطلقت من الجنوب نحو إسرائيل. انتظرت ثواني وقالت: "تأكدي.. ربما هي معلومات غير دقيقة لإثارة الرعب في المنطقة". وكأنها بهذه اللحظة كانت تتمنى أن أطمئنها بأنها أخبار كاذبة.
نزوحٌ فُجائيّ
الواحدة والنصف فجرًا، خرجنا من المنزل تحسبًا لأي تصعيد إسرائيليّ. في هذه الليلة، كانت والدتي تدور في المنزل على نحوٍ غير مفهوم. تُحاول ترتيبه، عزّ عليها أن تتركه إلا وهو بأفضل أحواله، غسلت بعض الأطباق وأعادت الأغراض المبعثرة إلى مكانها الصحيح. ألقت نظرة سريعة على كل زوايا المنزل وكأنها تودعه. قبل أن نغادر، خرجت بهدوء وهي تلتفت خلفها بصمتٍ، أقفلت الباب وتأكدت من إقفاله عدة مرات. فهي تكره أن يبقى الباب مفتوحًا، كانت دائمًا تقول لنا "للبيت حُرمة، والباب يجب أن يبقى مُقفلًا".
في كل يومٍ، يجري أبي اتصالاته بالجيران للسؤال عن أحوال حينا والمنزل، في كل مرة يطمئنه جارنا بأن المبنى ما زال صامدًا، لكن هذا الصباح علموا بأن الباب لم يعد مُقفلًا، البيت صار مكشوفًا ومتضررًا لأن عصف الانفجار خلع أبواب الحديد بقوة. فتناثر الزجاج في كل مكانٍ وحاصر الدخان الأبيض غرف البيت.
حملت القليل من الأغراض بأكياس بلاستيكية، ولحظة خروجي حاولت أن أقفل المنزل مرة جديدة. لكنها كانت محاولة فاشلة، وبقي البيت مفتوحًا..




