البقاع الشمالي يستقبل النازحين: بيوت مفتوحة رغم ضيق الحال

طارق الحجيريالسبت 2026/03/07
4.jpg
ترك البيت "غصة كبيرة تشبه الموت"(علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع اتساع رقعة الحرب التي يشنّها العدو الإسرائيلي على لبنان، وتزايد موجات النزوح من المناطق المستهدفة، تحوّلت بعض بلدات البقاع الشمالي، ولا سيما دير الأحمر وشليفا وعرسال والفاكهة والقاع، إلى ملاذٍ لعائلات تبحث عن الأمان بعيدًا عن أزيز الطائرات وأصوات الانفجارات.

ورغم ضعف الإمكانات والضغط الاقتصادي الذي تعيشه هذه المناطق منذ سنوات، فتحت هذه البلدات بيوتها ومدارسها لاستقبال النازحين، في مشهد يعكس تضامنًا اجتماعيًا لافتًا.

 

استنفار في القاع

في بلدة القاع، بلغ عدد النازحين نحو 600 شخص حتّى الآن، توزّعوا بين المنازل ومتوسطة القاع الرسمية. ويوضح عضو لجنة إدارة الكوارث في بلدية القاع، حكمت عاد، في حديث إلى "المدن" أن البلدة بكاملها "استنفرت منذ الساعات الأولى لبدء توافد العائلات النازحة".

ويتابع شارحًا آلية العمل "نعمل على تنظيم عملية الاستقبال وتأمين أماكن للإقامة، سواء في المدارس أو من خلال العائلات التي بادرت إلى استقبال النازحين في منازلها". ويشير إلى أنّ الإمكانات محدودة، لكن روح التضامن بين الناس كبيرة.

ويلفت عاد إلى أن لجنة إدارة الكوارث تعمل بتوجيهات البلدية وبالتنسيق مع الجمعيات المحلية، على تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وفرش وأدوية، مشددًا على الحاجة إلى دعم إضافي لمواكبة تزايد أعداد الوافدين.

 

تجربة تتكرّر

في عرسال يتكرّر المشهد الذي عرفته البلدة في محطات سابقة، منذ حرب تموز 2006 مرورًا بسنوات اللجوء السوري، وصولاً إلى حرب الاسناد والحرب الحالية.

يؤكد رئيس البلدية السيد منير الحجيري في حديث إلى "المدن"، أن البلدة تعاملت مع كل الوافدين إليها باعتبارهم "أهلًا لا غرباء ولا لاجئين". ويضيف. "حتى الآن وصل إلى عرسال 103 عائلات، والعدد مرشّح للارتفاع بالتأكيد".

ويقول الحجيري "عرسال دفعت أثمانًا كبيرة في السنوات الماضية، وتعرف معنى النزوح والتهجير. لذلك من الطبيعي جدًا أن يفتح أهلها بيوتهم لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها".

ويشير إلى أن كثيرًا من العائلات توزّعت على المنازل، فيما بدأت المدارس باستقبال من لا يملكون مكانًا للإقامة، مؤكدًا أن التحدي الأكبر يتمثل في تأمين الاحتياجات اليومية في ظل الأزمة الاقتصادية.

 

الفاكهة: واجب إنساني

أما في بلدة الفاكهة، فقد تحوّلت المدارس وبعض القاعات إلى مراكز مؤقتة لاستقبال العائلات الوافدة. وتشرف البلدية على عملية الاستقبال، وفق ما يؤكد عضو المجلس البلدي مهند محي الدين لـ"المدن".

ويشرح محي الدين أن "إيواء الناس وحسن استضافتهم ليس خيارًا، بل واجب إنساني وأخلاقي تربّينا عليه". ويطالب بضرورة تحرك الدولة سريعًا، لأن "الأزمة قد تطول، ومطلوب توفير مقومات الصمود للناس ودعم البلديات التي تتحمل العبء الأكبر".

 

قصص الناس

بين أرقام النازحين والجهود المبذولة لاستقبالهم، تبقى القصص الإنسانية الأكثر تعبيرًا عن ألم النزوح.

لارا م.، وهي نازحة لبنانية وصلت إلى الرسمية الرابعة في عرسال قادمة من الضاحية الجنوبية لبيروت، تروي قصتها للمدن "وصلت أنا وأختي مع أطفالنا ونحن في حالة خوف شديد. توجّهنا مباشرة إلى عرسال. خلال حرب الإسناد جئنا إلى هنا، واليوم نعود من جديد".

وتضيف "استقبلنا الناس بترحاب كبير، واصطحبونا إلى المدرسة بكل مودة. كان الاستقبال عكس ما يحاول البعض إشاعته". وتتابع "رغم التعب والخوف شعرنا أنّ هناك من يقف إلى جانبنا، وهذا ما يخفّف الكثير عن النازحين".

أما أبو علي بلّوق، الجالس على كرسيه المتحرك فيقول "أتيت إلى عرسال تحديدًا لأنني أعرف أنني سأرتاح هنا". ويضيف "عند وصولنا سارع عدد من الشبان إلى حملي إلى الطابق الثاني".

ويؤكد بلّوق أن التهجير مرير، وأن ترك البيت "غصّة كبيرة تشبه الموت"، لكن "ما باليد حيلة"، معربًا عن أمله في أن تنتهي الحرب سريعًا ليعود الناس إلى بيوتهم.

هنا في بلدات البقاع الشمالي، تختلط قسوة الجغرافيا بضيق الإمكانات. ومع ذلك يبدو أنّ التضامن الأهلي لا يزال يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة موجات النزوح، في انتظار تحرك الدولة والمنظمات لدعم المجتمعات المضيفة التي تسارع إلى تقاسم "فلس الأرملة" مع النازحين رغم ضيق الحال.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث