217 شهيداً… حين تُختصر حياة الناس في رقم

نغم ربيعالجمعة 2026/03/06
Image-1762506506
الخطر الحقيقي في الحروب الطويلة ليس فقط كثرة الموت، بل اعتياده (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يرتفع عدد الشهداء يومياً كما لو أن عدّاداً خفياً يعمل بلا توقف.  الجمعة 6 آذار أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الحصيلة بلغت 217 شهيداً و798 جريحاً منذ فجر الإثنين 2 آذار. أرقام تُقال بسرعة في نشرات الأخبار، تمرّ في أسفل الشاشة كشريط عابر، بينما خلف كل رقم حكاية بيت انكسر، وأم تنتظر اتصالاً لن يأتي، ومدينة فقدت واحداً من ناسها.

في الحروب الطويلة، لا يموت الناس مرة واحدة. يموتون أولاً بالقذيفة، ثم يموتون مرة أخرى حين يتحولون إلى أرقام.

 

اختصارهم برقم

هكذا تبدو الحرب في اللغة الرسمية: جدول خسائر، إحصاء يومي، تحديث للأرقام. لكن هذه الأرقام ليست مجرد معطيات. هي وجوه. أسماء. حيوات كاملة كانت تمشي في الشارع قبل ساعات فقط. رجل خرج إلى عمله. شاب كان في طريقه إلى بيته. امرأة كانت ترتّب البيت. طفل كان يلعب قرب الباب.ثم تأتي الحرب، وتختصرهم جميعاً في رقم.

في الحرب الماضية، التي لم تتوقف فعلياً، أطلقت "مصدرعام" مبادرة لإنشاء قاعدة بيانات وطنية للشهداء. كان الهدف بسيطاً ومؤلماً في آن واحد: جمع الأسماء، الصور، القصص، ومحاولة إعادة الإنسان إلى مكانه الطبيعي داخل الذاكرة. يومها كان عدد الشهداء قد تجاوز أربعة آلاف، في ظل غياب إحصاء رسمي شامل من وزارة الصحة (راجع المدن).

كان ذلك أشبه بمحاولة مقاومة للنسيان.فالحرب لا تقتل الناس فقط، بل تهدد أيضاً بمحو قصصهم. حين تتكاثر الأعداد، يبدأ المجتمع بفقدان القدرة على استيعابها. يتحول الموت إلى خبر يومي، ثم إلى رقم يومي، ثم إلى عادة.وهنا تبدأ المأساة الثانية.

العالم يتعامل مع الأرقام. الإحصاءات تُقارن، الرسوم البيانية تُرسم، والخسائر تُحسب. لكن الأرقام لا تستطيع أن تحكي شيئاً عن البيت الذي صار فجأة فارغاً، أو عن الأب الذي لم يعد إلى الطاولة، أو عن الهاتف الذي لم يرنّ مجدداً.

 

كأن الموت نفسه صار نزوحاً!

حتى الموت نفسه لم يعد يأخذ وقته الطبيعي. كثير من الشهداء لم يُمنحوا حتى حقهم البسيط: أن يحتضنهم تراب الأرض التي عاشوا عليها. بعضهم أوصى أن يُدفن في قريته، قرب قبر والده أو تحت شجرة يعرفها. لكن الحرب، بضرباتها المتلاحقة، وبفوضى الطرقات والخوف من الغارات، حوّلت حتى الدفن إلى مهمة مستعجلة.

في كثير من الحالات، صار الدفن يشبه الإيداع المؤقت. جسد يُوارى في أرض ليست أرضه، إلى أن تهدأ الحرب ويصبح بالإمكان نقله إلى حيث أراد.

دُفن بعض الضحايا بعيداً عن قراهم ومدنهم. قبور مؤقتة لأجساد كان يفترض أن تعود إلى مقابر العائلة، إلى الأسماء المنقوشة على الحجارة القديمة، إلى الذاكرة التي تحفظها القرى.لكن الحرب لا تعترف بالرغبات الأخيرة.

 

الشهداء ليسوا مجرد أرقام...

ومع تزايد أعداد الضحايا، يبدأ المجتمع بفقدان القدرة على متابعة كل قصة. يصبح من الصعب أن نعرف من هم هؤلاء الشهداء جميعاً. ما أعمارهم؟ ماذا كانوا يفعلون؟ كيف عاشوا؟ وماذا تركوا خلفهم؟

حتى الجرحى، الذين يُفترض أن يكونوا الوجه الآخر للحياة، يغيبون سريعاً عن الصورة. نعرف عددهم، لكننا لا نعرف الكثير عن مصيرهم. من تعافى؟ من ما زال بين الحياة والموت؟ من سيعيش بقية حياته مع جرح لا يلتئم؟

في الحروب، الأرقام ترتفع بسرعة، لكن القصص تختفي بسرعة أكبر.

وهكذا، شيئاً فشيئاً، يتغير معنى الخبر. لا يعود السؤال: من استشهد؟ بل كم استشهد؟ لا يعود الحديث عن حياة انتهت، بل عن رقم ارتفع.

217 شهيداً… والأرجح، مع الأسف، أكثر غداً.

الخطر الحقيقي في الحروب الطويلة ليس فقط كثرة الموت، بل اعتياده. أن يصبح الرقم بديلاً عن الاسم. وأن يمرّ خبر الشهيد كما تمرّ حالة الطقس: تحديث جديد في يوم مثقل بالأخبار. لكن خلف كل رقم حياة كاملة كانت هنا قبل لحظة.

وإذا كان الموت قد أخذهم، فإن أقل ما يمكن فعله هو أن لا يسمح لهم بأن يتحولوا إلى مجرد أرقام في جدول الحرب.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث