النازحون شمالاً: زغرتا تستقبلهم وأصوات "نشاز" في طرابلس

رنا البايعالخميس 2026/03/05
Image-1772623054
استنفرت الأجهزة البلدية في مختلف مناطق الشمال لتنظيم أوضاع النازحين (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تنتهِ فصول المأساة بعد؛ فبعد عامٍ ونيف من الجرح المفتوح، يجد أهالي الجنوب والضاحية الجنوبية أنفسهم مرغمين على خوض غمار "النزوح الثاني". تحت وطأة العدوان الإسرائيلي المتصاعد، غادر الآلاف بيوتهم وأرزاقهم قسراً، واستجابةً لهذا التوافد المتزايد، استنفرت الأجهزة المعنية في الشمال. وكان عُقد اجتماع موسّع في سرايا طرابلس برئاسة محافظ الشمال بالإنابة إيمان الرافعي، خُصّص لبحث آليات تقديم المساعدات الغذائية والبطانيات والفرش وسائر المستلزمات الأساسية للنازحين في مراكز الإيواء المعتمدة داخل المدارس الرسمية. مع تشديد المجتمعين على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة على مدار الساعة لمواكبة التطورات الميدانية وتأمين احتياجات الوافدين الجدد.

 

الشمال.. الوجهة الأخيرة 

بعد بيروت وبعض مناطق جبل لبنان تحوّلت محافظة الشمال إلى مقصد للنازحين. وأكدت غرفة عمليات محافظة الشمال لـ"المدن" أن التنسيق بات مركزياً وواسعاً على الرغم من أن أعداد النازحين في المحافظة حالياً، ورغم قساوة المشهد، لا تزال أقل مما كانت عليه في ذروة بدايات الأزمة، ما يجعل الوضع "تحت السيطرة" حتى اللحظة، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الميدانية.

 

وتشير إلى أن الأزمة تُدار اليوم من خلال تشبيك فعال بين وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة التربية، والأجهزة الأمنية لضبط الاستقرار، وذلك إلى جانب الصليب الأحمر اللبناني الذي يمثل عصب غرف العمليات الميدانية، وحضور لافت لمنظمات الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) لتأمين القطاعات الحيوية من غذاء ودواء وصرف صحي في ظل توزيع دقيق للمسؤوليات.

 

وتضيف أن "الإدارة لم تعد عشوائية. ففرق وزارة الشؤون الاجتماعية المتواجدة في مراكز الإيواء ترفع تقاريرها اليومية عبر لوحة تحكم رقمية، وهذه البيانات تتيح للمنظمات الشريكة الاطلاع على احتياجات كل مركز وتأمينها فوراً". لكن يبقى الرهان الحقيقي على البلديات، التي تلعب دوراً حيوياً في مساندة غرف العمليات ضمن نطاقها الجغرافي لتسهيل شؤون النازحين.

 

طرابلس بين الترحيب والرفض

في طرابلس ارتفعت أصوات "النشاز" على وسائل التواصل الاجتماعي رفضاً لاستقبال النازحين. فرغم كل الانتقادات التي تصاعدات بوجههم، شرّعت "فيحاءُ الشمال" أبواب مدارسها الرسمية المخصّصة للإيواء. فطرابلس، المثخنة بجراح كوارثها الخاصة والمنهكة من توالي انهيارات مبانيها، لم تبخل بمظلة أمانٍ لمن هربوا من الموت، وتريد إثبات أن تلك الأصوات لا تمثّل جوهر المدينة ولا طيبة أهلها. 

 

وكشف عضو بلدية طرابلس بلال حسين لـ"المدن" ، أن عدد النازحين في "الفيحاء" (التي تضم طرابلس والميناء والقلمون) وصل إلى 665 شخصاً يتوزعون على 11 مدرسة رسمية فُتحت كأولى مراكز الإيواء، علماً أن القدرة الاستيعابية لهذه المدارس تصل إلى 1490 شخصاً، مما يعني وجود فائض كبير في الأماكن المتاحة حالياً.

 

وتوقّع حسين تزايد العدد تبعاً للمجريات الميدانية في الجنوب، علماً أن أعداد النازحين في الأقضية المجاورة لطرابلس متدنية أيضاً. تستضيف الكورة 138 نازحاً في 4 مدارس، مع طاقة استيعابية تصل لـ 403 أشخاص. أما البترون فتضمّ 3 مدارس مفتوحة تستقبل حالياً 173 نازحاً. فيما شهدت زغرتا حركة نشطة بوجود 6 مراكز إيواء تضم 686 نازحاً، وقد ضمّ معهد زغرتا الفني الرسمي لتعزيز القدرة الاستيعابية.

 

وعلى الرغم من استقرار الوضع لناحية تأمين الغذاء والأدوية ومستلزمات النوم، يبرز تحدّي تأمين وسائل التدفئة كأكبر هواجس القائمين على مراكز الإيواء، بحسب حسين.

 

الإيواء في زغرتا

تعتمد خطة الإيواء في قضاء زغرتا على عشر مدارس رسمية حدّدتها وزارة التربية، يتم إشغالها تباعاً وفق ترتيب محدّد، بحسب رئيس قسم قائمقامية زغرتا شربل نكد. ولفت إلى أن التوجه الحالي هو لفتح أبواب مدارس أخرى بعد امتلاء مراكز أساسية مثل ثانوية زغرتا (385 نازحاً)، ومدرسة "فيرا فرنجية "، ومدرسة رشعين.

وإلى النقص في بعض المستلزمات الأساسية كالفراش، يشدّد على أن التحدي الأبرز في هذه الموجة هو عامل الشتاء، حيث تفتقر معظم المدارس لوسائل التدفئة والمياه الساخنة، بخلاف نزوح صيف 2024. 

 

رشعين نموذجاً

في تكميلية رشعين الرسمية، تزدحم الصفوف والأروقة بـ  159 نازحاً، استقروا في هذا الصرح التربوي الذي تحوّل على عجل إلى "بيتٍ بديل". وباتت المقاعد الخشبية رفوفاً مرتجلة لما تيسّر من أمتعة حملها النازحون في رحلة الهروب الثانية. بلغت المدرسة قدرتها الاستيعابية في ظل نقص في الفرش وغياب وسائل التدفئة. "الناس هنا لا تطلب المستحيل، يطلبون فقط ما يحفظ كرامتهم"، يقول أحد المتطوعين الكشفيين وهو يجول بين الأهالي لتدوين احتياجاتهم.

 

في الباحة الخارجية، يجلس البعض في حلقات ضيقة، لا تدفئهم سوى الشمس، ويلفّهم صمتٌ ثقيل وقلقٌ لا يهدأ على من بقي في الجنوب أو الضاحية، متسائلين في سرّهم: "هل ما زالت بيوتنا صامدة؟".

وسط هذا المشهد، تنهمك فرق بلدية رشعين وموظفو الشؤون الاجتماعية في خلية نحل لا تهدأ، يراقبون، يسألون، يؤمنون حصص الطعام، وينسّقون مع المعنيين لتغطية العجز في المستلزمات.

 

وعلى الرغم من تصاعد الضغوط، يكشف رئيس بلدية رشعين، فادي قديسي، لـ"المدنعن استنفار الأجهزة البلدية لتنظيم أوضاع النازحين، مؤكداً أن البلدية تعمل كـ"لجنة إشراف" ميدانية لتغطية النقص في الكوادر الإدارية داخل المدارس الرسمية المعتمدة كإيواء.

ويوضح أن "تكميلية رشعين الرسمية" قد بلغت قدرتها الاستيعابية القصوى، مشيراً إلى أن الجهود تتركّز حالياً على ضمان راحة القاطنين وتأمين ما يحتاجون. 

 

تتقاطع تجربة رشعين مع "مقترح آلية التعاون" الوطني بين وزارتي التربية والشؤون الاجتماعية، حيث يؤكّد قديسي على التنسيق الكامل مع مديري المدارس لافتتاح المراكز وإدارتها تقنياً، والتواصل المباشر مع وزارة الشؤون الاجتماعية لتأمين 200  فراش إضافي، بعد استنفاد الدفعة الأولى التي قدّمها "الكشاف".

ويختم قديسي بالتأكيد على أن التحدي الأساسي يكمن في "استدامة الخدمات" وتأمين التدفئة والطعام، معتبراً أن نجاح تجربة رشعين يعتمد على سرعة استجابة غرف العمليات المركزية لمتطلبات البلديات التي باتت خط الدفاع الأول في وجه هذه الأزمة الإنسانية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث