الجنوبيون في نكبتهم: يدمرون حياتنا ويقولون اصبروا

محمود وهبةالأربعاء 2026/03/04
Image-1772544308
تحول الجنوب شيئاً فشيئاً إلى بيان عسكري (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

التاسعة من صباح اليوم. الطريقُ لم تكُن صعبة إلى مستشفى الجامعة الأميركية للاطمئنان على صحّة صديق. أرتال من السيارات المصطفّة على يسار ويمين الطريق. الزحمة خانقة. أتخطى بدراجتي الناريّة السيارات المرصوفة في طابقين. أنظر وقلبي يفرك ويحترق. أناسٌ في سياراتهم المشلوحة على الطريق نائمون. عائلاتٌ في ملابس نومها. رجلٌ في زاوية أخرى يغسلُ وجهه بالقنينة المخصّصة للشرب.

أتممتُ واجبات الزيارة التي مرّت سريعاً وتوجّهتُ نحو مكتبي. فكّرتُ للحظة أن أتوقّفَ في الشارع لأسأل الناس عن أحوالهم. فركَ قلبي. لو سمعتُ كلامهم وشكواهم سأتذكر أقاربي وأهلي وأخوالي وأعمامي المهجّرين في أطراف هذا البلد. أنانيتي منعتني. انطلقَتْ دراجتي بي ورأسي بقيَ هناك. خمسون متراً بالتمام. توقَّفتُ. نزلتُ عند أوّل سيارة تخرج منها امرأة ترتدي بيجامة للنوم.

-"الله معك يا حجّة، من وين مهجّرين؟"

-"ابتسمَتْ بحياء، من صور يا إمي، شكله واضح علينا التهجير، قالتها وهي تُخفي دمعة وثقلاً".

-"ليش تركتي صور؟ بيقولوا فيها شوية أمان".

تنهّدت المرأة الستينيّة: في سوق صور، كنتُ أنا و"أبو علي" نرتّب بضاعتنا ببطء. نسأل أنفسنا عن الحركة وعن الناس. نبيع كلّ يوم وكأننا نودّع أنفسنا. منذ انتهاء الحرب الأخيرة كنّا نعلمُ أننا سنتهجّر مرّة أخرى. حتى لحظة التهجير الجديد في الليلة السوداء كنا نسأل أنفسنا: هل سيبقى سقفٌ فوق رؤوسنا في الضربة المقبلة؟ هل تبقى الطريق سالكة؟ من حرب إلى أخرى نبحث عن طمأنينة مفقودة نتمناها ونصطادُها كهدف منشود. 

أكملُ المسير وفي القلب غصّة. امرأة ستينيّة وزوجها مع أولاد ثلاثة مشلوحين على طريق. هرباً من مواجهة كبرى لا ناقة لهم فيها ولا جمل. يتحدثون عن خوف بسيط وحياة صارت يوماً بعد يومٍ مهينة. 

تحوّل الجنوب شيئاً فشيئاً إلى بيان عسكريّ. صار شريطاً أحمر على شاشة الأخبار. بيوت تُقفل وتترك للأدعية والصّلوات. مدارس تفتقدُ أطفالها وتسألُ لو كان الأسبوع المقبل دراسياً أم لا. لكنّ ذلك كلّه يتحوّل ويختزلُ في جبهة. يُطلَبُ من أهله ما لا طاقة لهم على حملِه. 

 

تعبُ سنوات تتراكم

الطريقُ مستمرّة والشارع يطول. في القريب كنتُ أعبر الشارع في دقائق. لا أدري لمَ استطال هذا الطريق وكأنّه يتمطّى ويمتدّ. سيارةٌ أخرى كنتُ أرغب في أن أسمعَ من داخلها خطابات عالية، لكن على العكس عدتُ بتعب الحاج سعيد المزمن. تعبُ سنوات تتراكم فوق بعضها. وكأنّ قدر الحاج سعيد أن يعيش جنوبه نكبته الصغيرة كلّ عام. ختمَ جملته وقال: "يدمّرون حياتنا ويقولون لنا اصبروا، المرحلة دقيقة".

للنبطية حصّتها في رحلة اليوم. أبو أحمد وزوجته وولداه في أوتيل في الحمرا. المؤونة تكفي لعدة أيام. بعد ذلك ماذا يفعلون؟ الجنوب هنا لا يُذلّ فقط بالقصف. يُذلّ بالانتظار وبالعجز عن العيش. بتحويل معيشتهم إلى رحلة من أيام العيش على الاحتمال. هم آخر من يعلم وأول من يدفع ما لا يعرفونه ولا يريدونه. 

في النبطية، كنّا نضع الحقائب قرب الباب، منذ نهاية الحرب الأخيرة. كنا نعلمُ أن الخراب لم ينتهِ بعد. سألته: إلى أين؟ قال: حيثُ سنجد مكاناً، لا طاقة لنا على الأوتيلات لفترة طويلة. حربهم الأخيرة استمرّت 65 يوماً وهذه تحتاج ميزانيّة دولة. ختمَ مبتسماً هازئاً. صار النزوح مع "أبو أحمد" بنداً في روتينه العائلي. الحقائب جاهزة، خزان الوقود ممتلئ، أرقام الذين فعلوا خيراً معه في الحرب الماضية ودعاءٌ كثير. هذا نمطُ حياته.

دمعَتْ عيناي لهول ما سمعت. لكنّ شيئاً لئيماً في داخلي قال لي أكمِل مسيرتك. دخلتُ الشارع الموازي لشارع السادات. أمسكتُ بيد رجلٍ خمسيني سألتهُ عن اسمه. فأجاب ضاحكاً: "ما بقلّك اسمي إلا إذا في من وراك شي". ابتسمنا وأكملنا. سألتُ أبو محسن عن هذه الحرب فانطلق. يا ابني نحن كتبَ علينا التنقّل من ذلّ النزوح إلى ذلّ العودة. من ذلّ التعويض المتأخر على بيوتنا المهدّمة إلى ذلّ الديون المتراكمة نتيجة قلّة الحيلة. نحن جنوبيون لا نخرج من أزمة إلا لندخل في أخرى. نحن يا ابني فقط ننتظر دوماً الجولة التالية.

"أبو محسن" من بنت جبيل. مزارع يعيش على أرضه. غمزني قائلاً: يا ابني الأرض لا تعرف السياسة، الأرضُ حصّتُها المطر والخوف، نحن نزرع كأنّ الموسم طبيعي، ولا نلبث أن نحصد القصف والضرب. ويسمون لنا هذا العيش بطولة. 

يكملُ "أبو محسن". يتحدثون باسمنا عن رسائل إقليمية ومعادلات كبرى، ونحن نقفُ مشدوهين ننتظر من يشرح لنا ماذا يحدث باسمنا؟ يا ابني نحن لا نطلبُ حرباً، ما نريده فقط هو أن لا نكونَ ساحةً مفتوحة لحسابات الآخرين. نريدُ أن نعيش نزرع ونعيش بس.

يكملُ "أبو محسن" المزارع الجنوبي الذي عاش حروباً كثيرة. يا ابني النكبة الجنوبية ليست لحظة واحدة. ليست صورة بيت مهدّم فقط، هي تراكم. مدارس أولادي تُقفل أشهراً، المحال لا تُفتَح، إلا ما تيسّر. موسمنا الزراعي يخسر. شبابنا يهاجر كلما استطاع. عائلاتنا تؤجل مشاريعها. مرة بعد مرة، يتآكل إحساسنا بالأمان، ومرة بعد مرة، يُطلَبُ منا أن نتكيّف.

أرهقني "أبو محسن" فقررت أن أعودَ أدراجي لعلّي أرتاح. توجّهتُ إلى دراجتي لأصادف في طريقي شاباً في الثلاثين. ببساطة وسذاجة سألته: أنت شاب صغير، كمان مهجّر؟ 

ابتسم مجيباً: لا التهجير حكرٌ على الكبار فقط. عبدالله صاحبُ محلّ ألبسة. تعبَ من الخوف أكثر مما تعبَ من الحرب. يقول ذلك معللاً أنّ الحرب، مهما طالت، لها ذروة ونهاية. أما خوفه وعائلته، فمستمر. الخوف من الضربة، وما يليها، والخوف من أن تصير حالة الحرب المؤقتة دائمة.

يكملُ عبدالله. أحلمُ بأن لا يكون جنوب لبنان عنواناً في نشرة أخبار. أريدُ أن يكون مجتمعاً طبيعياً. أريدُ دولة تحميني وتحضنني كي لا أضطر للجوء لغيرها. هذه هي حياتي من ذلّ إلى ذلّ.  حُكِمَ على الجنوب يا صاحبي بأن يعيش دائماً على الحافة. حُكِمَ عليه في كل مرة: تحمّلوا، هذه ضريبة الموقع. موقعُنا لا نريده قدراً يا عمّي، ولا نريدُ أن نكونَ مجرّد تفصيل. 

هذه شكاوى جنوبيّة في رحلة صباحيّة مؤلمة. وصفٌ بسيطٌ لما سمعته. بشرٌ يتعبون، ويخافون، ويُهانون بصمت. أمّ تخبّئ دمعتها كي لا يراها أولادها، ومزارع يزرع أرضه كأنّه يتحدّى القدر ويُغريه بشيء لعلّه يرأف به، وشاب يحلم بدولة لا تجعله يختار بين بيته وكرامته.

من ذلّ إلى ذلّ، ومن نكبة إلى أخرى، يُجبَرُ الجنوبيّون على العيش على الحافة. ليسَ في العيش على الحافة من بطولة. البطولة أن يُحسَب الإنسان قبل الأرض، أن تُوزَن الكرامة بعيداً من الشعارات. وأن يُسأل الناس عمّا يُفعل باسمهم. تكلّم المهجّرون، سمعتُ كثيراً، وها أنا أكتبُ الآن بعضاً مما سمعتُ وآلمني وكان الوجع استعارتي الكبرى وضالّتي، وإذا أصغيتُ على هذا النحو، فسأسمعُ كثيرًا.. كثيرًا جدًّا.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث