في بلد اعتاد الطوارئ حتى صارت جزءًا من يومياته، يتكرّر المشهد كأنه يُفاجئ الجميع للمرة الأولى. سيارات متوقفة على جوانب الطريق، أبوابها نصف مفتوحة، كأنها تتردّد بين الرحيل والبقاء. عائلات تحمل أكياسًا أكثر مما تحتمل الأيدي، أكياسًا ليست ممتلئة بالأغراض فقط، بل بما تبقّى من حياةٍ سابقة. أطفال يسألون عن البيت وكأن البيت ما زال هناك، وكأن العودة مسألة توقيت لا أكثر.
29347 نازحاً حتى الآن تم تسجيلهم رسمياً، توزّعوا على 171 مركز إيواء في مختلف المناطق. رقمٌ يبدو منظماً حين يُكتب، لكنه على الأرض يتكاثر وجوهاً وأصواتاً وأجساداً تبحث عن مساحة.
"الوضع صعب جدا"
في باحات المدارس، حقائب تحوّلت إلى وسائد، ودفاتر إلى ما يشبه حواجز صغيرة تفصل عائلة عن أخرى. في الممرات، بطانيات خفيفة لا ترد صقيع الليل، وأرضٌ باردة تفرض قسوتها على الأجساد المتعبة. الصفوف تضجّ بهمهمات القلق وسعال الأطفال.
وفي الخارج، من لم يجد مكانًا بعد، ينتظر دوره في لائحة لا يعرف متى يصل إليها. يقفون عند البوابات، يسألون، يتوسّلون أحياناً، ثم يفترش بعضهم الطريق حين يُقال لهم إن القدرة الاستيعابية انتهت.
المشهد يتّسع كل ساعة. النزوح لم يعد موجةً عابرة، بل سيل يتقدّم ببطءٍ ثقيل، ويختبر قدرة الشوارع والمدارس والدولة على الاحتمال. أعداد النازحين في ازدياد، سواء داخل المراكز أو في محيطها. كثيرون وصلوا إلى المدارس طالبين الدخول، لكن لم يُسمح لهم بسبب الاكتظاظ، فافترشوا الطرقات القريبة، وباتوا ليلتهم تحت السماء.
أوضاع النازحين في المدارس صعبة. يقول نوح عواضة، النازح من الضاحية الجنوبية، لـ"المدن" إن "لا فرش ولا حرامات. موعودون بأن تصل المساعدات، لكن الوضع صعب جدًا. حتى الطعام لا يكفي الجميع". يتوقف قليلاً، ثم يضيف "في كل ساعة يأتي نازحون جدداً".
مريم، النازحة من الجنوب مع أولادها وأحفادها، أمضت أكثر من 15 ساعة على الطريق. رحلة تحوّلت إلى يوم كامل من الانتظار والزحمة والخوف. تقول لـ"المدن" "أحفادي مرضوا… برد قارص ولا أي معدات في المدرسة".
إلى جانبها، طفلة تقترب بخجل منا، وتقول بصوت منخفض "أنا خفت كتير… تعذّبنا كتير".
جملة صغيرة، لكنها تختصر المشهد كلّه. الخوف، التعب، والبرد… تفاصيل يوم واحد في حياة نزوح لا يبدو أنه سينتهي قريبًا.
المراكز تمتلئ… والطرق تمتلئ أكثر
المشهد خارج بعض المدارس لا يقلّ قسوة عمّا في الداخل. ناسٌ ينامون في السيارات وعلى الأرصفة، لأنهم لم يجدوا أي مأوى آخر. افترشوا الطريق لا لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن الخيارات الأخرى أُغلقت في وجوههم. رجال يحرصون على إبقاء المحرّك دائراً لدقائق كي يدفئوا الأطفال، ثم يطفئونه خوفاً من نفاد الوقود. نساء يلتفنّ حول صغارهن كأنهن جدران إضافية تحاول صدّ صقيع الليل.
يقول أحدهم لـ"المدن "ناطرين الفرج… حتى الله يفرجها".
حسب معلومات "المدن"، من المفترض أن تصدر لائحة ثانية بالمدارس التي ستفتح أبوابها لاستقبال نازحين في بيروت ومختلف المناطق، على أن يبدأ اليوم توزيع فرش ومساعدات على المراكز.
خطوة ضرورية في مسارٍ يزداد تعقيدًا. لكن السباق مع الوقت مستمر. الأعداد تتزايد، والاحتياجات تتضاعف، فيما البنية الإدارية تتحرّك بإيقاعٍ أبطأ من وتيرة النزوح.




