"سحور" الضاحية الدموي: أهلٌ منذورون للتيه المُتكرر

فرح منصورالاثنين 2026/03/02
Image-1772434563
حل الخراب على المنطقة وتحولت مبانيها لأهدافٍ إسرائيلية. (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

ساعات قليلة كانت كفيلة بتبديل ملامح الضاحية الجنوبيّة. المنطقة المعروفة باكتظاظها السكنيّ تحولّت فجأة إلى أحياءٍ صامتة. هو شبح الحرب الذي اقتحم فجرًا هذه المنطقة التي لم تتعاف بعد من حرب الـ 66 يومًا في العام 2024. 

مُجدّدًا، حلّ الخراب على المنطقة. تحولت مبانيها إلى أهداف على خرائط مُلطخة ببقع حمراء، ومحددة بعناية.

كل شيء هنا يقول إن من غادر، قد غادر على عجل. "نراجيل" متناثرة عند زوايا بعض الأحياء حيث كانت نقاط تجمع لشبانِ يتسامرون في ليالي رمضان حتى الفجر. بعض المحلات تركها أصحابها من دون أن يقفلوا أبوابها الحديدية، ليس أملًا بالعودة القريبة، بل خوفًا من أصوات صواريخ البوارج الحربية التي انهالت على رؤوس قاطني الضاحية فجر الاثنين.  

 

المنطقة الصامتة

وكل شيء هنا أيضًا، يؤكد أن أهالي هذه المنطقة احترفوا الخروج السريع وترك الذكريات من دون النظر إلى الوراء، بالرغم من صعوبة الموقف. دخلنا الضاحية من بوابتها الشرقية عن طريق الحازمية. بلمح البصر انتقلنا من زحام ومنطقة تعج بالحياة، إلى منطقة باتت تشتاق إليها. شبان على دراجاتهم النارية يجولون في أحياء الضاحية، لا يعلمون لماذا، لكن ربما من أجل ذكريات يصعب عليهم تركها، أو ربما لأنهم لم يجدوا حتى الساعة أي سقفٍ يقيهم صقيع الليالي ويمنحهم الأمان. ومع "توغلنا" أكثر في الضاحية، نشاهد ركام المباني الذي لم يرفع بعد منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني في العام 2024. فالضاحية اليوم كتب لها في شهر رمضان أن تعرض الجزء الثاني من مسلسل حياة أهاليها.

تكرر مشهد الهروب المهين الذي لم يغب يومًا من ذاكرة أهالي الضاحية الجنوبية، لكن المفارقة الوحيدة هذه المرة، أن إسرائيل باغتت الضاحية بصواريخها على حين غرة. تخلت عن خريطتها الزرقاء من أجل أن تنال من بعض مسؤولي حزب الله المتواجدين في الشقق المستهدفة، وذلك كردة فعلٍ على صواريخ الحزب الستة الخجولة تحت شعار الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي لم تصب أي هدفٍ. 

عند مداخل المباني، يركن السكان سياراتهم، وعيونهم مشخصة نحو السماء علهم  يرون تلك المُسيرات التي تُذكرهم أصواتها بأيام قاسية، فتتخيلهم وكأنهم لا يجدون سبيلًا للانتقام من صوتها إلا بالقبض عليها بأنظارهم.  يتسابقون مع الوقت خوفًا من أن يداهمهم "أفيخاي" بخريطة مفاجئة، تطالبهم بالابتعاد 300 أو 500 متر عن منازلهم، لا أحد يعلم فهنا في الضاحية باتت المباني كأرقام اللوتو، لا ندري متى تقع عليها "قرعة" أفيخاي.

هؤلاء هم عينهم الذين غادروا المنطقة مع ساعات الفجر، وهم يحاولون النجاة بأنفسهم، ابتعدوا عن الموت، وعادوا ظهرًا إلى منازلهم لتفريغ ما تيسر منها. تقول سالي ف. المقيمة في منطقة حي ماضي التي استهدفت بغارة قبل وصولنا بساعة لـِ "المدن" "استيقظنا فجرًا على أصوات انفجاراتٍ، توجهنا نحو بيروت، لم نفكر في أي شيءٍ، كان همنا الأول أن نحافظ على حياتنا، وظهرًا رافقت أبي سائق سيارة الأجرة إلى المنزل ونقلنا أغراضنا. في كل مرة نخرج نشعر أنها قد تكون المرة الأخيرة التي ندخل فيها منزلنا..". 

وكأن قدر أهل الضاحية بات مبرمًا: التهجير الدائم والبحث عن الأمان خارجها. لكن أولئك الذين أدمنوا العيش فيها لا يستيطيعون إلا أن يعودوا بعد كل تهجير إلى فوضاها الجميلة وضجيجها الهادئ.   

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث