الضاحية في يُتمٍ ثانٍ: عزاءٌ بخامنئي… وقلق المحور

نغم ربيعالأحد 2026/03/01
Image-1772378671
لم يكن التجمع استعراض قوة. كان أقرب إلى مجلس عزاء مفتوح على الهواء الطلق (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الضاحية الجنوبية، حيث الإسفلت يحفظ إيقاع الأقدام كما يحفظ أسماء الشهداء، تجمّعت حشود ضخمة بدعوة من حزب الله عقب اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي.

لم يكن التجمع استعراض قوة. كان أقرب إلى مجلس عزاء مفتوح على الهواء الطلق، تتداخل فيه السياسة بالعقيدة، والحزن بالخوف، والذاكرة بالتوجّس.

Image-1772376364

 

يتمٌ فوق يتم

قبل عام تقريباً، احتشدت الوجوه نفسها، الأعلام نفسها، الأناشيد نفسها، يوم تشييع حسن نصرالله. يومها، ودّع هذا الحشد من يصفونه بقائد انتصاراتهم. بدا اليوم كأن مرحلة كاملة تُطوى ويُضاف يتمٌ جديد على مستوى المرجعية الروحية والسياسية والعسكرية لمحور يتجاوز الأبعاد العرقية الجغرافية.

في الضاحية، الحزن لا يُقرأ في الشعارات وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة: امرأة تضع يدها على صدرها كلما ذُكر اسمه، شاب يضغط على سبّحته بقوة، شيخ يحدّق في الفراغ كأنّه يستعيد سيرة طويلة.

تقول إحدى السيّدات "كان يحتمل كل ما يُحتمل من أجل القضية الفلسطينية، من أجل كل مظلوم وكل مستضعف. تحمّل وبقي صلباً وثابتاً وحيداً". تتوقّف لحظة، ثم تضيف "هذا النهج لا يضيع. اغتيال قائد هو اغتيال لشخص، أمّا القضية الكبرى فما زالت وستبقى موجودة".

بعد ثوان، تسأل السؤال الذي يختصر القلق "نحن دائماً ندافع… لكن هل تضمنون أن أميركا لن تهاجمنا؟".

السؤال يتسلّل بين الصفوف كما يتسلّل القلق إلى العيون. الضاحية، في مثل هذه اللحظات، تبدو عاصمة شعورية لكيان عابر للدول. 

Image-1772376391

 

نكبة تتجدّد

بالنسبة إلى كثيرين هنا، اغتيال خامنئي ليس حدثاً إيرانياً داخلياً. هو نكبة شيعية تتجدّد .المرشد لم يكن رئيس دولة فحسب، بل رمزاً، مرجعاً، ضمانة استمرارية. تقول إحدى المشاركات "قلبنا محروق وغصة كبيرة ولكننا لن نستسلم، ونعاهده دائما أننا على هذا النهج".

باغتياله، يشعر جمهور واسع باليتم والضياع وخوف من تغيير النظام في إيران. الخوف ليس فقط من ردّ عسكري، بل من تحوّل بنيوي.من اهتزاز فكرة "المحور" ذاتها.من سؤال السلاح إذا فقد مرجعيته العقائدية العليا.في الوجوه المتعبة، يظهر هذا القلق بوضوح. ليس قلقاً آنياً، بل قلق هوية.

تقول إحدى المشاركات "لا نريد السلام مع أي دولة عربية ولا أميركية ولا إسرائيل". وتضيف "النصر آت لأن الله معنا".

 

باحة عاشوراء… 

في باحة عاشوراء، يمتدّ المشهد كلوحة كثيفة التفاصيل. رجال ونساء وأطفال وشيوخ، في تجمّع واحد، وإن فُصلت الصفوف بين نساء إلى جهة ورجال إلى جهة أخرى. الفاصل ليس قطيعة، بل انتظام مألوف في طقوس اعتادتها الساحة.

الأرض تضيق بالخطى. الأكتاف تتلاصق. أعلام الحزب، الإيرانية ترتفع فوق الرؤوس كأنها تحاول أن تخلق سقفاً موازياً للسماء. مكبّرات الصوت تبثّ أناشيد حزينة، تتداخل مع شهقات مكتومة. الهواء ثقيل، ليس فقط بحرارة النهار، بل بحرارة العاطفة المشدودة حتى أقصاها.

عناصر الهيئة الصحية الإسلامية ينتشرون بين الحشود بصدرياتهم الواضحة، يسعفون من أغمي عليهم. شاب يُرشّ وجهه بالماء، تعود إليه أنفاسه ببطء.

امرأة في الصفوف الأمامية ترفع يديها نحو السماء، عيناها محمرّتان، وصوتها يرتجف وهي تردّد "الله أكبر عليك يا إسرائيل وأميركا". تكرّر العبارة أكثر من مرة، كأنها لا تخاطب أحداً في الساحة، بل تخاطب سماءً بعيدة، أو عدواً متخيّلاً يقف خلف الأفق.

الدموع هنا لا تسير في مسار واحد.النساء يبكين كما لو أنهن فقدن شيئاً شخصياً جداً، شيئاً من البيت، من الطمأنينة اليومية. بعضهن يضربن صدورهن بخفّة، أخريات يضعن أطراف عباءاتهن على وجوههن ليخفين ارتجافة الشفاه.

في الجهة المقابلة، الرجال يشيحون بوجوههم، يختبئون خلف نظارات داكنة، لكن النظارات لا تمنع لمعان الدمع. بعضهم يشهق باكياً دون خجل، يترك الدموع تسيل علناً، كأن اللحظة أكبر من أي محاولة تماسك. 

ثم، في لحظة صمت مفاجئة، وسط الهدوء المشوب بالشهيق، يندفع طفل من بين الصفوف. لا يتجاوز العاشرة. جالس على أكتاف أبيه ويصرخ وحده "هيهات منّا الذلّة".

تتلفّت الرؤوس نحوه، ثم تبدأ الأصوات من حوله بترداد العبارة. تتضخّم الصرخة، تتحوّل إلى موجة جماعية قصيرة، ترتفع ثم تهبط، وتعود الساحة إلى صمتها الثقيل.

Image-1772376628

 

بين الحداد والسياسة

الضاحية اليوم ليست فقط في حداد. هي في حالة ترقّب. المنطقة تشتعل على إيقاع ضربات متبادلة، والخطوط الحمراء تُعاد صياغتها كل يوم. لبنان، كعادته، يقف على الحافة.ليس خارج المواجهة، ولا في قلبها الكامل.بل في منطقة رمادية، قابلة للاشتعال في أي لحظة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث