قانون إلغاء الإعدام: قانون الحقّ في الحياة

بتول يزبكالجمعة 2026/02/27
الإعدامات في صيدنايا.jpg
ما زالت عقوبة الإعدام منصوصًا عليها في مواد متعددة من قانون العقوبات اللبناني. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في سبعينيّات القرن الماضي، كتب ميشيل فوكو في مؤلَّفه الشّهير "المراقبة والعقاب: ولادة السّجن" ما يشبه القاعدة الذّهبيّة لفلسفة العقاب الحديثة، أنّ العقوبة لا تُخاطب الجاني وحده، بل تُوجَّه إلى المجتمع كلّه بوصفها "علامة" تُعيد ترسيم حدود الممنوع والمسموح. وفي الضّابط الرّابع من ضوابطه الستّة لضمان فعاليّة العقوبة واعتدالها، يوضح فوكو أنّ "المجرم ليس وحده هدف العقوبة، ولكن العقوبة بها علامات عديدة موجّهة لأفراد المجتمع كي يمتنعوا عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، ويدركوا أنّ العقوبة التي يقضيها المجرم إنّما هي تعويض يدفعه لكلٍّ من مواطني مجتمعه، ثمنًا للجريمة التي أضرّت بهم جميعًا".

هذه الفكرة، التي تبدو للوهلة الأولى نظريّة، تعود اليوم في لبنان إلى قلب النّقاش النّيابيّ والحكوميّ حول عقوبة الإعدام. فحين تُقدَّم العقوبة على أنّها "علامة اجتماعيّة"، يصبح السؤال أبعد من تقنيّات التّشريع، وأعمق من شعارات الرّدع، أيّ علامة تريد الدّولة أن تتركها في وعي مجتمعها الذي يُعيش أساسًا تبعات الخلّل الحقوقيّ وانتفاء الثقّة بقضائه؟ 

 

علامة العقوبة: حين تُناقِض الدّولة نفسها

حين تقول الدّولة للمجتمع "لا تقتل"، ثمّ تقوم هي نفسها بذلك عبر قتلٍ مُشرعن، فإنّها تقع في تناقضٍ بنيويّ، تُجرِّم القتل بوصفه فعلًا فرديًّا، وتُبيحه بوصفه فعلًا سياديًّا. هنا لا يعود الرّدع رادعًا للجريمة بقدر ما يغدو تطبيعًا لسلطة الإزهاق، فالعبرة الّتي قد يتلقّاها المجتمع ليست "لا تقتل"، بل "القتل جائز إذا امتلكت السُّلطة". وفي هذا التّناقض تحديدًا، تتكشّف هشاشة "قانون القتل" عندما يُعاد تسويغه باعتبارات الانتقام أو السّطوة أو الرّدع السّريع.

لبنان، عمليًّا، يعيش منذ سنوات طويلة مفارقة إضافيّة، عقوبة قائمة في النّصوص، مُجمَّدة في التّنفيذ. فمنذ 17 كانون الثّاني 2004، لم تُنفَّذ أحكام الإعدام، فيما ظلّت موادّها نافذة في قوانين متعدّدة، ما يفتح الباب أمام سؤال سياسيّ وحقوقيّ في آنٍ معًا، هل يُراد بقاء الإعدام كتهديدٍ رمزيّ، أم يُراد إنهاؤه نهائيًّا كخيارٍ تشريعيّ وأخلاقيّ؟

 

من التّجميد إلى النّصّ

على هذا الخطّ، أُعيد تحريك ملفّ الإلغاء عبر اقتراح قانونٍ جديد لإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالحبس المؤبَّد. وبحسب ما أُعلن في سياق الحملة الوطنيّة المتواصلة، فإنّ الهدف هو نقل واقع "التّجميد الفعليّ" إلى "إلغاء قانونيّ صريح ونهائيّ". وقد قُدِّم الاقتراح إلى مجلس النّوّاب بتاريخ 7 تشرين الأوّل 2025، وسُجِّل تحت الرقم 160/2025، موقَّعًا من سبعة نوّاب ينتمون إلى كتلٍ نيابيّة متنوّعة، في إشارةٍ مقصودة إلى طابعه العابر للاصطفافات.

وأطلقت الحملة على الاقتراح اسم "قانون وليد صلَيبي"، تكريمًا لذكرى المفكّر اللاعنفيّ الرّاحل وليد صلَيبي، الذي ارتبط اسمه بالحملة الوطنيّة لإلغاء عقوبة الإعدام منذ عام 1997، بالشّراكة مع الدّكتورة أوغاريت يونان.

التحوّل الأكثر دلالة جاء، وفق ما ورد في بيان الحملة، من السّلطة التّنفيذيّة نفسها، فقد ناقش مجلس الوزراء الاقتراح في جلسته المنعقدة في 20 تشرين الثّاني 2025، وأصدر رأيًا خطّيًّا مفصّلًا من أربع صفحات تضمّن تأييدًا كاملًا للاقتراح، مرفقًا بمطالعتين صادرتين عن وزارة العدل ووزارة الشّؤون الاجتماعيّة. وهي، وفق توصيف الحملة، المرّة الأولى التي يُطرح فيها مشروع لإلغاء عقوبة الإعدام بهذا الوضوح على طاولة مجلس الوزراء ويحظى بتأييد رسميّ مُعلَن.

 

معركة ثقافة لا مادّة واحدة

في حديثها إلى "المدن"، تُقدّم الدّكتورة أوغاريت يونان، مؤسِّسة الحملة ومُعدّة مشروع القانون، الأسباب وراء اقتراح القانون، مُشيرةً إلى أنّ النّضال "بدأ منذ عام 1997"، وإنّ تقديم مشاريع قوانين إلى مجلس النّوّاب أو إلى الحكومة "ليس الأوّل من نوعه"، وتضيف: "لا جديد بالنسبة إلينا، نحن نتابع نضالًا قديمًا كان له عملٌ تأسيسيّ في لبنان، إذ جرى للمرّة الأولى عملٌ احترافيّ جدًّا لمناهضة عقوبة الإعدام".

وبالنسبة إليها فإنّ "إلغاء القانون مهمّ، لكنّ الأهمّ هو كيف تُدخِلين هذا النّوع من الثقافة إلى المجتمع، لأنّ المجتمعات تتغيّر بهذه الطّريقة". وتشرح، بتفصيلٍ مقصود، أنّ المعركة لا تُدار من داخل البرلمان وحده: "يكون العمل في المدارس والتّربية والجامعات، وفي الإعلام، ومع القضاة، وفي الأبحاث العلميّة، وفي النّشر، وفي تدريب الشّباب الجدد". ثمّ تُكمل، كيف تُجمع الدّوائر، وكيف تُقدَّم الحجج، وكيف تُزار عائلات الضّحايا، وكيف تُفتح أبواب السّجون على واقعها. برأيها، هذا "عملٌ مجتمعيّ، ونضالٌ مجتمعيّ فكريّ وعلميّ وحقوقيّ"، هدفه أن يصل ضغطه في نهاية المطاف إلى أصحاب القرار "فيتوقّفوا ويغيّروا ويتخلّوا عن القانون الذي نسمّيه "قانون القتل".

 

وعن سبب إعادة تحريك الملفّ في هذا التّوقيت، تقول يونان إنّها فعلت ذلك "منذ نحو سنتين، بهدوء ومن دون ضجيج، لأنّه لم يعد هناك مجال للضّجيج". تتابع: "التقيتُ نوّابًا وأعددتُ مشروع القانون، وطُفنا على عددٍ من النوّاب، فوقّع سبعةٌ منهم على هذا المشروع". وتوضح أنّ الهدف لم يكن استعراض أرقام: "نحن لا نريد عددًا كبيرًا، ويمكن أن نصل إلى عشرة، وهذا هو الحدّ الأقصى الذي يسمح به الدّستور أساسًا".

ثمّ تنتقل إلى لبّ الفلسفة التي يقوم عليها المشروع، "فلسفته بسيطة ودقيقة". وتُشدّد على أنّ المسألة لا ترتبط بما ستنتهي إليه التّوازنات لاحقًا، لأنّ "فلسفتنا تبقى هي نفسها". وتلفت إلى أنّ وضع المشروع بسرعة على جدول أعمال لجنة حقوق الإنسان "يدلّ على إرادة ما"، وإلى أنّ مرور السّنوات وسعة النّقاش العامّ جعلا الحديث عن الإلغاء "أوسع".

في مسألة الرّدع، تُصرّ يونان على تفكيك السّرديّة الشّائعة، قائلة إنّ "ثقافةً بدأت تتشكّل"، مفردات وحجج أصبحت متداولة، ومن بينها أنّه "ثبت علميًّا أنّ عقوبة الإعدام لا علاقة لها بالرّدع، ولا توجد علاقة علميّة بين الجريمة والرّدع والإعدام". وتضيف أنّ الحملة وزّعت ملخّصاتٍ عن الدّراسات العلميّة في هذا المجال، في محاولةٍ لإخراج النّقاش من دائرة الغضب والانتقام إلى دائرة الوقائع.

ولا تُنكر يونان أن لديها هواجس من استثمار الساسة لهذا القانون، مشيرةً "هذا هاجسٌ صحيح وواقعيّ". وتُحذّر من أن تتحوّل القضايا الحقوقيّة إلى مقايضات: "أن يتحوّل العفو العامّ إلى بازار هو أمرٌ مؤسف جدًّا، لأنّه يفقد القضيّة أخلاقيّتها وهدفها الاجتماعيّ والحقوقيّ ونهجها في إدارة العنف داخل المجتمع". مضيفةً: "من يعمل في السياسة غالبًا يرى الأمر من زاوية مصلحته"، ولذلك تتمنّى "ألّا تلجأ الدّولة إلى أنصاف حلول أو حلول ظرفيّة"، وأن يُعتمد "مبدأ واضح بعيدًا من استغلال الظروف". خاتمةً بالقول: "قد تجدين نوّابًا ضدّ الإعدام لكنّهم يخفون رأيهم خوفًا من جمهورٍ متحمّسٍ للإعدام، وقد تجدين آخرين يرفعون الصوت حين يظنّون أنّ الأمر ينفعهم سياسيًّا".

 

الدّستور لا يحتمل "قتلًا باسم العدالة"

ومن زاويةٍ حقوقيّة دستوريّة، يذهب الدّكتور جاد طعمة، النّاشط الحقوقيّ وأستاذ اقتصاديات الفساد في الجامعة اللّبنانيّة، أبعد من توصيفٍ أخلاقيّ إلى تفكيكٍ قانونيّ لمفهوم "الدّولة التي تقتل". فيقول في حديثه "للمدن" إنّ عقوبة الإعدام "لا تنسجم مع حماية الحقّ في الحياة وحفظ الكرامة الإنسانيّة". ويُضيف أنّ الاجتهاد الدّستوريّ المقارن يقرّ بأنّ الحقّ في الحياة هو أصل الحقوق وأساسها، وهو سابق على وجود مفهوم الدّولة ذاتها، وبالتالي "لا يحقّ لأيّ دولة سلبه".

ويستند طعمة إلى مقدّمة الدّستور اللّبنانيّ الّتي تُعلن الالتزام بمواثيق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، بوصفها مرجعيّةً تُلزم الدّولة لا تُزيّن خطاباتها. ويُذكّر بأنّ هذه المرجعيّات تؤكّد حقّ كلّ فردٍ في الحياة وتحظر إيقاع العقوبات القاسية أو اللّاإنسانيّة. وفي سياقٍ مقارن، يلفت إلى أنّ المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان اعتبرت أنّ عقوبة الإعدام تُشكّل "معاملة مهينة" بحدّ ذاتها، ليخلص إلى خلاصةٍ مباشرة، "عندما تمارس الدّولة القتل باسم العدالة، فإنّها تُناقض الغاية من وجودها".

وحول تطوّر فلسفة العقاب، يقول طعمة إنّ الهدف لم يعد الانتقام بل إصلاح المجرم وإعادة تأهيله تمهيدًا لعودته إلى المجتمع، فيما "عقوبة الإعدام تقطع الطريق على أيّ إمكانيّة للإصلاح، الدّراسات تُثبت أنّ الدول التي ألغت الإعدام "لم تواجه تزايدًا في عدد الجرائم". وبالنسبة إليه، الجرائم تزداد حيث تغيب العدالة الاجتماعيّة والحقوق الدّنيا للمواطن، وحيث لا تُعالج أسباب الجريمة مسبقًا. لذلك، يحدّد طعمة مفهوم "الرّدع الحقيقيّ" بأنّه عدالة الدّولة الاجتماعيّة، وفعاليّة السّياسات الوقائيّة لا قسوة العقوبة.

وفي ما يتّصل بالالتزامات الدّوليّة، يرفض طعمة اختزال المسألة بأنّها مجرّد استجابة لضغطٍ خارجيّ، قائلًا إنّ لبنان "ملتزم دستوريًّا بالسّير في هذا الاتّجاه" إذا كان يريد تناغمًا بين القواعد القانونيّة واحترام مبدأ التّسلسليّة.

مؤكّدًا أنّ "الخطأ القضائيّ وارد في أيّ نظام عدالة بشريّة". فإذا كانت نتيجة الخطأ تطبيق الإعدام، فإنّنا أمام خطأٍ نهائيّ "لا يمكن تداركه". معتبرًا أنّ الحرّية قد تُستعاد، السّمعة يمكن إصلاحها، التّعويضات تُدفع، "أمّا الحياة، في حال تمّ إزهاقها، فلا عودة لها".

 

وعن التّناسب، يرى طعمة أنّ الإلغاء "يُحقّق تناسبًا أفضل ولا يخلق أيّ فجوة". فمبدأ التّناسب يقتضي مراعاة ظروف الجريمة ودرجة مسؤوليّة الجاني، بينما الإعدام "عقوبة مطلقة" لا تترك مجالًا للظّروف المخفِّفة أو الملابسات. ويطرح مثالًا إشكاليًّا: كيف نُطبّق الإعدام على "قاتل بائس ويائس" ونستبعده عن قتلةٍ منظّمين؟ بالنّسبة إليه، الفجوة الحقيقيّة ليست في غياب الإعدام، بل في أن الدّولة التّي وُجدت أساسًا لحماية النّاس والحقّ في الحياة تمارس القتل.

وفي معادلة الأمن وحقوق الإنسان، يرفض طعمة منطق المقايضة، "الموازنة لا تتمّ بالمقايضة"، بل بإدراك أنّ احترام حقوق الإنسان جزءٌ من بناء الأمن المستدام. "الأمن الحقيقيّ لا يُبنى على القسوة، بل على نظام العدالة الفعّالة". ومن يطالب بإلغاء الإعدام، وفق تعبيره، "لا يدافع عن المجرمين"، بل يمنع معالجة أثر جريمةٍ بارتكاب جريمةٍ أخرى. البدائل، في رأيه، موجودة، عقوبات بديلة رادعة وشديدة كالسّجن المؤبَّد، مع فعاليّة الملاحقة والضبط، والأهمّ استباق الجريمة بمعالجة أسبابها الاجتماعيّة.

 

لبنان أمام لحظة قرار

قانونيًّا، ما زالت عقوبة الإعدام منصوصًا عليها في موادّ متعدّدة من قانون العقوبات اللّبنانيّ، وفي قوانين استثنائيّة أبرزها قانون 11 كانون الثّاني 1958 المتّصل بالإرهاب، فيما يخضع تنفيذها لإجراءاتٍ شديدة التعقيد، تبدأ بمسار العفو وتنتهي بتواقيع الرّئاسات المختصّة، مع قيودٍ زمنيّة وإجرائيّة. وبين نصٍّ يُبقي الإعدام كأقصى العقوبات، وواقعٍ يُجمّد تنفيذها منذ سنوات، تتبلور المفارقة، دولة تملك "حقّ الإعدام" على الورق، لكنّها تتجنّب ممارسته في الفعل.

وبين "قانون القتل" و"قانون الحقّ في الحياة"، يقف لبنان أمام إشكاليّةٍ مُعقدّة. فإذا كان التّاريخ القانونيّ حافلًا بأحكامٍ قصوى وشروطٍ صارمة لتطبيقها، فإنّ المستقبل يُقاس بمدى استعداد الدّولة لتغيير "علامة" العقوبة الّتي تتركها في وعي المجتمع، علامةٌ تقول بوضوح، العدالة لا تحتاج إلى مشنقة، والدّولة لا تُصلح العنف بعنفٍ سياديّ.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث